عهد الدماء ونداء المطر
كان السكون الذي يلف القبو المهجور سكوناً غريباً، لا يقطعه إلا صوت قطرات الدماء التي تسقط من طرف الطاولة على الأرض الخرسانية الباردة. في الزوايا المظلمة، كانت ترقد جثث حراس "ضاحي" السبعة، جثثاً هامدة كانت قبل دقائق تظن أنها تملك القوة، حتى واجهت إعصار "زين الموت" وإخوته. لم تكن هناك معركة، بل كان تنفيذاً لحكم بالإعدام، صامت، سريع، ومرعب.
في منتصف هذه الفوضى الدموية، جلس "زين" على مقعده ببرود يحسد عليه. كان يرتدي بذلته السوداء الفاخرة التي لم تتلوث بقطرة واحدة، وكأنه كائن من عالم آخر لا يمسه دنس الشوارع. وضع المسدس ببطء على الطاولة، وبدأ ينظف أظافره بنصل خنجر صغير، دون أن يرفع عينيه عن "ضاحي" الذي كان يجثو على ركبتيه أمامه، يرتجف بجنون، محاطاً بجثث رجاله.
"سيدي.. أرجوك.. لم أكن أعلم أن الشحنة ستغضبك إلى هذا الحد.." نطق ضاحي بصوت مبحوح يكاد يسمع.
رفع زين رأسه ببطء. لم تكن عيناه تعبر عن غضب، بل كانت تحمل ذلك الموت الهادئ الذي أورثه لقبه. قام ببطء، وخطوات حذائه الجلدي كانت تصدر صوتاً رزيناً فوق الخرسانة المبللة. انحنى فوق ضاحي، وقبض على شعره بقوة جعلت رأس الأخير يرتد للخلف، ثم همس بصوت كفحيح الأفاعي:
"أنا لا أغضب يا ضاحي.. أنا أنفذ القوانين فقط. قولتُ لك سابقاً: من يلمس السموم في منطقتي، يلمس كفنه بيده. ومن يتاجر بدموع النساء، أتاجر بروحه في سوق الشياطين. أنت لم تكسر كلمتي فحسب، بل لوثت الأرض التي أمشي عليها."
ضغط زين على فك ضاحي حتى كادت عظام وجهه تتحطم، وأكمل بنبرة مرعبة:
"سأتركك تعيش.. لا شفقة بك، بل لتكون لسان حالي في الخارج. اذهب وأخبر كل من تسول له نفسه، أن زين الموت لا يرحم، وأن منطقتي ستبقى محرمة على أسيادك. وإذا رأيت وجهك هنا مرة أخرى، لن أقتلك.. بل سأجعلك تتمنى الموت ولا تجده. اخرج!"
بإشارة من يد زين، سحب "رعد" و"مروان" الرجل المنهار وألقوه خارجاً في الوحل. التفت زين إلى إخوته الثلاثة (رعد، آسر، ومروان) الذين كانوا يقفون خلفه كصخور صماء.
"أحرقوا هذا المكان، لا أريد أن يبقى أثر لهذه القذارة."
انطلق زين بسيارته الـ "Black Phantom" السوداء، يقودها بنفسه بهدوء غريب وسط الأمطار التي بدأت تنهمر بغزارة وكأنها تحاول غسل آثار الليلة. وصل أمام صرح معماري شاهق يتلألأ في قلب المدينة، واجهة زجاجية ضخمة تحمل اسماً ذهبياً براقاً: "L'Éclat Palace" (قصر التألق).
توقف زين أمام المدخل الملكي، حيث هُرع الحراس لفتح الأبواب. نظر زين إلى إخوته وقال:
"انزلوا أنتم.. اصطحبوا 'نور' من الداخل وعودوا بها إلى القصر. لدي أمر سأنهيه وألحق بكم."
نزل الإخوة بصمت، ودخلوا الفندق بهيبتهم المعتادة. بقي زين وحده في سيارته، يشعل سيجارة ويراقب زخات المطر وهي تلطم الزجاج. قرر التحرك بالسيارة قليلاً ليدور حول الفندق ويتفقد المداخل الخلفية كما اعتاد، وفجأة، لمح طيفاً يقف تحت مظلة محطة حافلات متهالكة قريبة من الفندق.
كانت فتاة تبدو كزهرة برية وسط عاصفة. ثيابها بسيطة جداً، وشعرها ابتل تماماً، كانت تضم حقيبتها إلى صدرها وترتجف بشدة من البرد القارس. توقف زين بجانبها، وأنزل زجاج النافذة ببطء.
"اركبي.. الجو لن يرحمكِ الليلة." قال زين بصوته الرخيم القوي.
نظرت إليه الفتاة بذعر، رأت رجلاً وسيماً لدرجة مرعبة، تجلس خلف مقود سيارة تساوي ثروة، ونظراته تخترق الروح.
"شكراً يا سيدي، سأنتظر الحافلة."
ابتسم زين ابتسامة فاترة: "الحافلات توقفت منذ ساعة بسبب السيول. والمنطقة هنا تصبح خطيرة في هذا الوقت. أنا أعمل في هذا الفندق، ولن أترك فتاة وحيدة في هذا الوضع. اركبي."
وجدت الفتاة نفسها تذعن لهيبة صوته، فتحت الباب وركبت بجانبه في المقعد الأمامي. ساد صمت ثقيل، يقطعه صوت المطر فقط. خلع زين معطفه الصوفي الفاخر وألقاه نحوها دون أن ينظر إليها: "غطي نفسكِ، لا أريد أن تموتي برداً في سيارتي."
أخذت المعطف بتردد، وشعرت بدفء غريب يتسلل لجسدها مع رائحة عطره التي كانت مزيجاً من البخور والرجولة.
"شكراً لك.." همست بصوت منخفض.
"ماذا كنتِ تفعلين في 'ليكلات بالاس' في هذا الوقت؟" سألها زين وهو يقود بمهارة وسط الشوارع المغمورة.
تنهدت بعمق: "كنت في مقابلة عمل لوظيفة خادمة غرف أو أي شيء متاح. أنا خريجة هندسة، لكن منذ خمسة أشهر لم أجد عملاً، والحياة لا تنتظر أحداً. والدي متوفى، وأمي مريضة، وأخي الصغير يعمل في ورشة ليصرف علينا.. لم أعد أحتمل رؤيته يعود مهدود القوى كل يوم."
شعر زين بغصة قديمة في حلقه، غصة طفل كان ينام جائعاً ليطعم إخوته، لكنه لم يظهر أي تعاطف على ملامحه الصخرية. اكتفى بالنظر إلى طريقها وقال:
"مهندسة وتبحثين عن وظيفة خادمة؟ هذا إهدار للوقت."
نظرت إليه بكبرياء جريح: "الشغل ليس عيباً، العيب هو الحاجة."
أومأ زين برأسه: "أعجبني ردكِ. غداً، في تمام العاشرة صباحاً، كوني في الفندق. اطلبي مقابلة 'السيدة نور' مديرة الفندق، وقولي لها أنكِ مرسلة من طرف 'الزعيم'. سيكون هناك منصب يليق بشهادتكِ، الفندق يحتاج لإدارة هندسية قوية لا لأيدي تنظف الغبار."
اتسعت عيناها بذهول: "أنت.. أنت تمزح؟ هل تملك هذه السلطة هناك؟"
توقف زين بالسيارة أمام منزلها الشعبي البسيط. نظر في عينيها مباشرة، ولأول مرة شعر بشيء غريب، إعجاب مبدئي ليس بجمالها فقط، بل بقوتها التي تشبه قوته.
"ستعرفين غداً. ما اسمكِ؟"
"حبيبة.."
"وأنا زين. اذهبي الآن، ولا تتأخري غداً يا حبيبة."
نزلت حبيبة من السيارة وهي تشعر وكأنها في حلم، بينما انطلق زين بسيارته وهو ينظر في المرآة ليفقد أثرها، مشدداً قبضته على المقود. كانت ليلة دموية، لكنها انتهت بلقاء قد يغير مجرى حياته تماماً.