الم بدون صوت - الفصل 2 - بقلم المجنون - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الم بدون صوت
المؤلف / الكاتب: المجنون
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 2

الفصل 2

*ـ ࢪواية. الم بدون صوت🥳🥀↻≯🍒⸙•♡»»)) 5/6/7/8 ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏ ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ غرام الروايات ‏تابع قناة غـ͓̽ـرٍآمـ͓̽ـ آلَرٍوٌآيـ͓̽ـآتـ͓̽ـ 🧚‍♀️📚💅💫 في واتساب: https://whatsapp.com/channel/0029VakuN1aHwXbJf5jj7w0J #الم_بدون_صوت البارت الخامس يوسف شوفت ف عيونها نظرة تردد كأنها مش مقتنعة بكلامي. حاولت أطمنها فقولت بهدوء: __متقلقيش، سواء الشغل أو الشقة اللي ممكن تروحيها وقت ما تحسي إنك محتاجة تفصلي شوية من الضرب أو الزعيق، فهتبقى جمب بيتك برضه… يعني مش هتبعدي عنه، بس تبقي في أمان مؤقتًا. فضلت ساكتة وعيونها فيها خوف وتردد. اتنهدت وقولت وأنا ببصلها: __أنا مش بطلب منك تسيبي بيتك ولا تبعدي عن أبوكي، أنا عارف قد إيه بتحبيه… بس أوقات بنحتاج نختار نفسنا شوية، عشان نقدر نكمّل ونحافظ حتى على اللي بنحبه. ردّت عليّا بصوت مخنوق: — تمام. حسّيت إنها قبلت حلّي المؤقت، بس كمان كنت عارف إن القصة مش هتقف هنا — ممكن يتكرر الضرب عادي. قررت أطمّنها شوية دلوقتي، وأديها مساحة تتنفّس، لحد ما أشوف هتتصرف إزاي مع أبوها وإيه الخطوات اللي هتاخدها بعد كده. رجعت القسم بعد ما سبتها، بس دماغي كانت معاها مش هنا. كل كلمه قالتها وهي بتحكي كانت بتوجعني… بنت في السن دا شايله وجع الدنيا لوحدها! قعدت على المكتب قدام ورق البلاغات، قلبي بيقولّي أتحرك، وعقلي بيقولّي استنى متتسرعش. بس المره دي مش قادر أطنّش. فتحت اللاب وبدأت أجهز استمارة مبدئية لـ بلاغ عن عنف أسري، بس من غير ما أقدّمه لحد دلوقتي. كتبتها باسم "قاصر في خطر" مش لازم أذكر اسمها دلوقتي. بعدها كلمت “هدى” — زميلة في وحدة حماية الأسرة — وقلت لها: __عندي حالة محتاجه متابعه، بس لسه البنت مترددة تقدم بلاغ… أقدر أجهز أوراق مبدأية لو وافقت؟. ردت عليا هدى وقالت: __طبعًا، بس خليك حذر، الأب لو عرف قبل ما نتحرك ممكن يؤذيها أكتر. قولت وانا بتنهد: __عارف، عشان كده هتابع الموضوع بنفسي خطوة بخطوة. قفلت مع هدى، واتكيت في الكرسي بتنهيدة طويلة. كنت حاسس إني داخل في دايرة هتغير حياتي وحياتها هي كمان، بس المره دي… كنت مستعد أواجه أي حاجة. _______ نور بعد ما رجعت البيت، قعدت على سريري أفكّر في اللي حصل. يمكن لأول مرة من زمان أحسّ إن قلبي مطمن، إن في حدّ في ضهري بجد. حدّ أقدر أحكيله وجعي من غير ما يخاف مني أو يبعدني عن بابا. في اللحظة دي بس، حسّيت إن سارة كان عندها حق… اللي عملته وجعني، آه عشان خبت عني، بس يمكن من غير اللي عملته ماكنتش هقابل يوسف، ولا كنت هلاقي حدّ يسمعني ويساعدني كده. كنت قاعدة على السرير، بذاكر شويه، الهي نفسي ف المذاكره. الموبايل رن، لقيت اسمه على الشاشة. اترددت ثواني، بس رديت. قالّي بصوته الهادي: __اسمعيني يا نور، ده عنوان الشقة، المفتاح مع صاحب العمارة، تقدري تروحي هناك في أي وقت تحبي ترتاحي فيه، وكمان ظبطتلك شغل بسيط قريب من المكان. قعدت ساكتة، مش قادرة أستوعب. يعني هو فعلاً عمل كده؟ من غير ما أطلب؟ من غير ما يستنى مني مقابل أو شكر؟ قلبي وجعني بس وجع حلو… النوع اللي بيخليك تحسي إن لسه في أمان ف الدنيا. قولت بصوتي المتلخبط: __انت… عملت كده إمتى؟. رد بابتسامه باينه ف صوته: __من ساعه ما قولتي إنك لوحدك، قررت إنك مش هتفضلي كده تاني. الدنيا سكتت بعدها، مكنتش عارفه أرد. كل اللي عرفته إني دموعي نزلت لوحدها… بس المره دي مش من وجع. من إحساس بسيط… إن في حد أخيرًا شايفني. قررت إني هتأسف لساره… يمكن تسامحني ع الكلام القاسي اللي طلع مني. هي كانت بتحاول تحميني بطريقتها، وأنا وجعتها بكلامي. يمكن لو كنت هديت شويه كنت فهمت نيتها، بس وجعي ساعتها كان أكبر من أي تفكير. كان عندي محاضرة أونلاين، فتحت اللاب توب عشان أحضرها، حاولت أركز ف الكلام، بس دماغي كانت لسه مشغولة بكل اللي حصل. بعد دقائق، سمعت صوت بابا وهو داخل الأوضة. وقف عند الباب، ملامحه جامدة، وصوته القاسي كسر سكون المكان: – كنتي فين امبارح؟ اتجمدت مكاني، مش قادرة أرد… كل اللي جوايا ارتبك، قلبي دق بسرعة وأنا بحاول أسيطر على رعشة صوتي. قلت بهدوء مصطنع: – كنت عند واحدة صاحبتي… قاطعني بنبرة أعلى: – بتكدبي عليا يا نور؟ قلبي دق أكتر، حسّيت بدمي بيجري ف عروقي بسرعه مكنتش عارفه أرد اقول اي بصلي بجفاء، عيونه كلها شك وغضب: – انتي مش قولتي إنك اترفدتي من الشغل امبارح؟ رجعتي متأخر ليه بقى؟ حاولت أبرر وأنا ببص ف الأرض: – كنت بدوّر ع شغل تاني يمكن ألاقي... بس مكمّلتش، حسّيت بإيده بتخبط ف وشي، الصوت كان أعلى من أي صوت في الأوضة، وهو بيزعق ويقول كلام مش سامعاه من كتر الخضة. كل حاجه جوايا كانت بتتهز، دموعي نزلت غصب عني وأنا بحاول أتكلم: – بابا بالله عليك… بس هو مكانش سامع، فضل يزعق ويضرب وأنا حاسه كل نفس بيطلع مني وجع. بعد ما خلص وخرج، كنت مش قادرة أتنفس، دموعي كانت مغرقه وشي، وإيدي بترتعش وأنا بمسحها بسرعة، بس كل مسحة بتزود الوجع مش بتقلله. لفيت وشي ناحية اللاب، المحاضرة لسه شغالة، ولا سمعت منها حرف، كنت ف عالم تاني خالص. مديت إيدي برجفة عشان أقفله، بس أول ما بصيت للشاشة... الصدمة جمدتني مكانى — المايك كان مفتوح! كل اللي حصل، كل صوت زعيق، كل تنهيدة خوف، كل حاجة اتسمعت. قلبي وقع، حسيته بيدق بسرعة مش طبعية، العيون اللي عالشاشة أكيد سمعوا... أكيد شافوا! فضلت ثواني مش مصدقة... الشاشة قدامي فيها الوشوش، بعضهم مطفي الكاميرا، بس فيه كام عيون كانت بصالي بصدمه... وفيه اللي عامل نفسه مش واخد باله. إيدي كانت بتتهز وأنا بقفل المايك بسرعة، بس خلاص... اللي حصل حصل. سمعت صوت الدكتوره بتقول بخفوت: __انتي تمام يا نور؟ الدموع نزلت غصب عني، قولت وأنا بحاول أمسك نفسي: __آه يا دكتور، تمام... كان في بس... صوت في البيت. هي سكتت، بس نبرتها قالت كل حاجة: تصديق، قلق، وشوية شفقه. قفلت اللاب من غير ما أقول كلمه تاني، رميت نفسي على السرير، وحسيت إن الدنيا كلها بتلف بيا. مش كفاية الوجع اللي جوايا، دلوقتي كمان كلهم عرفوا. عرفوا السر اللي كنت بدفنه جواي من سنين. سمعت صوت دوشه برا... كأن الشقة كلها بتتهز. طلعت أشوف في إيه، لقيته قاعد مع صحابه، صوت ضحكهم عالي، والزجاجات مرميّه على الترابيزة، والدخان مالي المكان. وقفِت عند الباب، محدش منهم حتى لاحظ وجودي! كنت شبه شبح بالنسبالهم... مشهد مكرر، بس كل مرة بيوجعني أكتر. كل مرة كانوا بييجوا فيها، كنت بلبس طرحة وأخرج ألف في الشارع بالساعات عشان أستنى اللحظة اللي يمشوا فيها، بس المرة دي مكنتش قادرة. اتخنقت من ريحة السجاير، من الضحك العالي، من إحساسي إني غريبة في بيتي. وف وسط الدوشة، افتكرت كلام يوسف... الشقة اللي ممكن تروحيها وقت ما تحبي تفصلي شويه. القرار جه من غير تفكير، لبست وخرجت بسرعة، من غير حتى ما أخد شنطتي . كل اللي كنت عايزاه... مكان أقدر أتنفس فيه. روحت، ولما وصلت تحت العمارة أخدت المفتاح من البواب وطلعت. أول ما فتحت الباب، نسمة هادية خبطت في وشي، ومعاها إحساس غريب… راحة، وسكون، وأمان كنت مفتقداه من زمان. الشقة كانت نضيفة ومتوضبة بعناية، كأن حد حضّرها مخصوص عشان أرتاح فيها. لفّيت بعيني في كل ركن، لمحت كنب بسيط لونه بيج، وستاير لونها سماوي نازلة بنعومة ع الشباك، والمكان كله ريحته فريش ومريحة للأعصاب. خطيت خطوتين جوه، قلبي كان بيهدى مع كل نفس، كأن كل وجع الأيام اللي فاتت بيتسحب من جوايا بهدوء. الحيطان لونها دافي، والستاره نازله بنعومه ع الشباك، والهدوء مالي المكان كأنه بيحضني. خطوت خطوتين لجوه، لمحت كنب بسيط بس شيك، وفي ركن الترابيزه عليها فازة ورد صناعي شكلها مبهج. دخلت المطبخ، ريحته فريش ونضيف كأنه جديد ما اتستخدمش قبل كده، وكل حاجه متوضبه ف مكانها. رجعت للأوضه، السرير مفروش بملايه لونها أبيض ناصع، والمخده متكويه بعناية… حسيت كأن المكان دا حضن، حضن من غير وجع ولا خوف. قعدت ع السرير ودموعي نزلت بهدوء، بس المره دي مش من الخوف… كانت دموع راحه، يمكن أول مره أحس إن في مكان ليا، مكان محدش هيزعقلي فيه، مكان أقدر أتنفس فيه براحه. توهت ف النوم وأنا قاعدة، من غير سابق إنذار، كأني أول مرة جسمي يرتاح بجد. ما حسّيتش بنفسي، ولا بعد الوقت قد إيه، كل اللي فاكرهه إن دموعي كانت لسه على خدي، وقلبي أخيرًا هدي بعد دوشة طويلة. مكنش في لا صوت زعيق ولا كسر ولا خوف… بس هدوء، وسكون، ونوم تقيل، كأني كنت محتاجة اللحظة دي من سنين. رفعت راسي من على الوسادة وأنا قلبي يدق بسرعة. هو أنا نمت بجد؟! الساعه كام؟! لمحت الساعة… 10 الصبح! اتنهدت، كنت عارفة إن عندي محاضرات، بس بعد اللي حصل في السيشن الأونلاين… مكنتش ناوية أحضر. وفجأة، افتكرت… أكيد رجع وهيشوف إنّي مش في البيت! بسرعة مسكت تليفوني، ولقيت نور الشاشة تلمع… اتصال فائت. بصيت… ساره! قلبي اتسارع، ومشاعري اختلطت بين القلق والغضب والفضول… هل اتصلت عشان تطمن عليّ، ولا عشان تكمل كلام اللي حصل قبل كده ولا يكونش عرفت باللي حصل ف السيشن الاونلاين؟ قومت وأنا بضغط على زر الاتصال، وقبل ما أنزل السلالم تأكدت إني قفلت الشقة كويس. سمعت صوتها قلق من السماعة: __نور، انتي بخير؟. حمحمت شوية، وحاولت أبين لها إني لسه متضايقة من آخر مرة، ورديت بصوت متماسك: __اه، كويسة. قالت وهي بتحاول تهدي الكلام: __الكليّة مقلوبة عليكي يا نور، بسبب اللي حصل في السيشن… أنا لسه عارفة من زمايلنا. قلبي وقع نسيت الموضوع خالص واللي حصل! عيوني بدأت تدمع يتبععع#الم_بدون_صوت البارت السادس نور قلبي وجعني… افتكرت اللي حصل، وإن سيرتي بقت ع كل لسان ف الجامعة. رديت بصوت مخنوق، ودموعي كانت بتغلبني: __المايك طلع مش مقفول يا ساره… الكل عرف عن حياتي، عني… كل حاجة. سكتت ثواني، والهدوء اللي بينا كان وجع لوحده. وبعدين قالت بنبرة فيها خوف وحنين: __لازم أشوفك. غمضت عيني،وافتكرت كل اللي حصل بينا… رديت وأنا بصوت متكسر: __كلمتيني ليه بعد كل اللي حصل؟ ساره (بصوتها الهادي اللي كنت مفتقداه): __علشان إنتي لسه صحبتي… ولما أشوف صحبتي ف ضيقه، حتى لو وجعتني قبل كده، لازم أقف جمبها. بصراحه كلامها طمني… حسّيت إن فيه حدّ بيحبني بجد، حدّ هيفضل جمبي حتى بعد كل اللي حصل قابلتها فعلًا قريب من البيت، في كافيه صغير على ناصية الشارع. كانت قاعدة لوحدها، هاديه… بتبص ف الكوباية كأنها بتدوّر على الكلام اللي هتقولُه. وأول ما شافتني، قامت واقفة بابتسامة خفيفة، فيها اعتذار… وفيها حنين. خطيت ناحيتها بخطوات مترددة، ما كنتش عارفة أبتدي بإيه — العتاب؟ ولا الشوق؟ ولا الأسف؟ قعدت ف هدوء، وكل ثانية كانت تقيلة. عيني بتدور في المكان، بتعد الكراسي، الكوبايات، الناس… كل حاجة إلا عينيها. مكنتش قادرة أبص فيها، يمكن خوف، يمكن وجع. هي كانت حاسه بتوتري، ف قالت بهمس خافت: __أنا آسفه… آسفه إني عملت حاجه مكنش المفروض أعملها، بس والله كانت نيّتي خير. كأن الكلام فتح حاجة جوايا، لقيت لساني بيتكلم لوحده، بصوت مليان ندم: __متتأسفيش… أنا اللي آسفه. قولت كلام معرفش عواقبه… كنت متعصبه أوي، وطلّعت غضبي ف حاجه ملهاش ذنب. أنا آسفه والله، بس كنت تايهه ساعتها. مدت إيدها بهدوء وقالت: __ نبدأ من جديد؟. بصيت لإيدها ثواني، وبعدها مسكتها وأنا ببتسم ابتسامه صغيره وقلبي بيرتعش: __نبدأ. بدأت أحكيلها… من أول ما البوليس جه البيت، لحد اللي حصل امبارح في السيشن. كنت بتكلم وأنا نفسي بيطلع متقطع، كل كلمة كنت بطلّعها كأنها حجر تقيل من على صدري. وساره كانت قاعدة ساكته، بتسمعني بعنيها قبل ودنها، كل شوية تهز راسها أو تمد إيدها تلمس إيدي، كأنها بتقوللي من غير كلام: "كمّلي، أنا سامعاكي." كنت بحكيلها عن خوفي، وعن الناس اللي بقت تبصلي بنص عين، وعن اللي اتكسر جوايا بعد اللي حصل. ولما وصلت لنهاية الكلام، فضلت ساكته، دموعي نزلت من غير صوت. هي ساعتها قربت وقالت بهدوء: __نور… إنتي قويه، حتى لو نسيتي ده. اللي حصل صعب بس دي مش النهايه والناس شويه وتنسى كله هيرجع زي الأول. كلام ساره فعلاً طمّني، خلاني أحس إن الدنيا لسه ممكن تبتدي من أول وجديد. بعد ما خلصنا، ودعتها بابتسامة صغيرة، وروحت الشغل الجديد. السوبر ماركت كان كبير، مليان ناس ووشوش أول مرة أشوفها، كل حد مشغول ف حاجه، وأنا واقفه بدور على نفسي وسط الزحمة. قربت مني بنت، شكلها طيب وعيونها فيها دفء غريب. قالت وهي مبتسمة: __إنتي اللي هتشتغلي جديد هنا؟. هزّيت راسي وأنا حاسة بتوتر في كل عضلة في جسمي. مدّت إيدها وقالت ببساطة كأنها عايزة تطمنني: __أنا حنين. مدّيت إيدي بردّ متردد، بس ابتسامتها كانت معديّة. قولت: __ نور. ضحكت وقالت: __نورتينا يا نور. بدأت حنين تعرفني على الشغل خطوة بخطوة، كانت بتشرحلي بهدوء، وبتضحك كل شوية كأنها بتحاول تخفف عني رهبة البداية. الناس اللي بيشتغلوا هناك كانوا في قمة اللطف، كل واحد فيهم سلّم عليا بابتسامة صافية، وفي عيونهم مفيش أي حكم… ولا أسئلة. حسّيت وأنا وسطهم كأني أعرفهم من زمان، مع إننا لسه متقابلين من دقيقتين. يمكن علشان كنت محتاجة الإحساس ده — إحساس إنك وسط ناس لطيفه وخفيفه ف تعاملها يتبعع#الم_بدون_صوت البارت السابع نور خلصت شغلي الأول وروحت على التاني، واليوم عدى كأنه أسبوع. كل عضلة في جسمي كانت بتصرّخ من التعب، ولما وصلت البيت، فتحت الباب… كان فاضي. اتنهدت تنهيدة طويلة، ودخلت نمت من كتر الإجهاد، من غير حتى أغير هدومي. صحيت تاني يوم على صوت الموبايل بيرن، ولما فتحت، لقيت ساره متصلة كتير. ردّيت بصوت نايم، قالتلي وهي متحمسة كأنها نسيت كل التعب اللي في الدنيا: __يلا انزلي بسرعة… نروح الجامعة سوا! ضحكت من بين النعاس وقلت وأنا بقوم: __حاضر، هجهز وأنزل. وقفت قدام المراية وأنا بلبس، ولوهلة حسّيت إن ملامحي باهتة زي العادة، بس مهتمّتش… جهّزت ونزلت ووصلنا… وياريتني ما روحت الجامعة. من أول ما دخلت، كل العيون اتوجّهت ناحيتي. نظرات فيها شفقة، وفيها كلام بيتقال من غير صوت. وشوش بتتوشوش، نصهم بيبصلي، والنص التاني بيبص على الأرض كأنهم مش شايفيني. حاولت أداري ضيقي، بس ساره حست، مدت إيدها تطبطب عليّا، وفجأة واحدة وقفتني وقالت بصوت متعاطف: __احنا كلنا معاكي، ولو عايزاني أجي أشهد معاكي ضده، أنا هاجي. اتصدمت، كنت على وشك أتكلم بعصبية، لكن ساره سبقتني وردّت بسرعة: __شكراً، تسلمي. وسحبتني من قدامها قبل ما أقول أي كلمة. كنت حاسة إني هعيّط… العيون اللي بتبصلي مليانة شفقة، مش دعم. ساره قالت بهدوء وهي ماسكة إيدي: __اهدي، ومتزعليش… هما عايزين يساعدوكي. ضحكت بسخرية مرّة وقلت: __ساره، هما مش عايزين يساعدوني، هما مشفقين عليّا! وأنا عمري ما حبيت حد يشفق عليا. سكتت ساره، الكلام وقف على لسانها، هي عارفة إني عندي حق. دلوقتي الكل شايفني "البنت المسكينة" اللي أبوها بيصحّيها ويمسيها بعلقه. بعد ما خلصنا اليوم في الجامعة اخيرا كان يوم تقيل ع قلبي، كنت مستعدة أروح على الشغل. قولت لساره: __لازم أمشي دلوقتي. فقالتلي: __استني، ابن عمي هييجي يوصلني ويوصلك ف طريقه. بصراحة اتوترت، أنا مبحبش أركب أو أتعامل مع رجالة غريبه. فقولت بأسف: __معلش، بس مش هينفع بجد… ومش عايزة أتعبه معايا. كانت لسه هترد عليّا، بس لمحت حاجة ووشها اتغيّر وقالتلي بسرعة: __أهو يوسف أهو!. ولما بصّيت… اتصدمت. قلبي بدأ يدق بسرعة، مصدقتش عيني! ده نفس الشرطي اللي ساعدني يومها… يوسف.!! لقيته بيقرب ناحيتنا، اتجمدت مكاني، وكل نبضة في قلبي كانت بتعلى أكتر. هو كمان بان عليه التوتر، كأن وجودي قدامه فجأة لخبطه. ساره لمحتني ووشي اتغير، فسألت بقلق: __انتي كويسة يا نور؟ يوسف وقف قدامي ومدّ إيده بابتسامة خفيفة: __أهلاً يا آنسة نور. بصيت لإيده ثواني، اتكسفت… أنا مش بسلم على ولاد، وترددت أعمل إيه. لكن ساره لحقت الموقف بسرعة وقالت بابتسامة بسيطة: __نور مش بتسلم على ولاد. رجع إيده بهدوء وقال بلُطف: __تمام، عادي جدًا. بس ساره بصت له باستغراب وقالت وهي مش مصدّقة: __استنى لحظة… إنت عرفت اسمها إزاي؟ اتسعت ابتسامة يوسف شوية، بس عينيه كانت بتقول كلام تاني غير اللي على وشه. بصّ لساره وقال بهدوء: __فاكرها من موقف قديم… يوم ما كنت في البلاغ اللي حصل في بيتها. ساره اتفاجئت، وبصّتلي بسرعة وهي بتقول بصوت منخفض: __إنتي… هو الضابط اللي ساعدتك؟ ماقدرتش أرد، كل اللي قدرت أعمله إني أهو راسي بخفة، وصوت دقّات قلبي كان أعلى من أي صوت حواليّ. يوسف حوّل نظره ناحيتي وقال بلُطف: __ما كنتش متوقع أشوفك تاني، بس كويس إنك بخير. كلماته كانت بسيطة… بس جواها دفء غريب. في اللحظة دي حسّيت كأني رجعت أتنفس بعد صدمة طويلة، وساره وقفت بينا بنظرات فيها ألف سؤال. ركبنا العربية، الجو كان ساكت لدرجة إن صوت الطريق بقى أوضح من أنفاسنا. لكن فجأة، قطع السكون بصوته الهادي: __باباكي كويس؟. اتشد جسمي كله، ردّيت بسرعة وأنا بحاول أخفي توتري: __أه… الحمد لله. هو سكت على طول، واضح إنه حسّ إن سؤاله وجعني. عينه راحت ناحية الطريق، وأنا قعدت أبص من الشباك أحاول أهرب من الموقف. أما ساره ففضلت ساكته، نظراتها رايحة جاية بينا، كأنها حاسة إن في كلام كتير مستخبي ورا الهدوء ده. وصلنا قدام شغلي كنت حاسة إن اليوم ده أطول من اللازم… كله عيون، وهمسات، وشعور بالاختناق. بصيت لساره بابتسامة باهتة وقلت: __شكراً يا ساره… على كل حاجة. هزّت راسها وقالت بهدوء: __خدي بالك من نفسك، يا نور. ودعتها ونزلت من العربية، الهوا كان تقيل، كأن حتى الشارع عارف اللي جوايا. دخلت المكان، الناس حواليّ كانوا بيشتغلوا عادي، ماحدش يعرف عني أي حاجة، ماحدش يعرف عن اليوم اللي عديت فيه، أو اللي حصل في الجامعة… وكان ده سبب توتري أكتر. قعدت على الكاونتر، حاولت أركز في الشغل، بس جوه قلبي كله كان ضجة: القلق، التعب، والتفكير في كل حاجة حصلت اليوم. حسّيت إني لو ضحكت أو كلمت حد، ممكن يبان عليّ كل التعب والمشاعر اللي جوه. بس لما ارجعت افكر، حسّيت بارتياح خفيف… على الأقل هنا، بين الناس اللي مش يعرفوا أي حاجة عني، أقدر أكون أنا من غير أحكام أو نظرات شفقة. ____ كنت سايق العربية،ساره معايه، والشارع كله عدى من غير ما آخد بالي. كنت مركز في حاجة واحدة… نور. حسيتها مخنوقة ومتضايقة، وقلبي مش قادر حتى يسألها أو يعرف إزاي يساعدها. ساره كانت بتتكلم، وأنا عايش جوه أفكاري، مش مركز معاها خالص. لحد م لاحظت وقالت بضيق: __انت مش مركز معايا؟! حمحمت شوية ورديت بسرعة: __لا… مركز معاكي. ضحكت بمرارة خفيفة وقالت: __بصراحة… دي صدفة غريبة… يعني أنا أول مرة أعرف إنك بتشتغل ضابط في حمايه الاسره! رديت عليها بهدوء، وأنا بحاول أخفي جزء من تحفظي: __مكنتش بتكلم عن مجال شغلي أوي… يمكن عشان مكنتش حابّة في الأول. سألتني ساره بفضول وهي مميله راسها ناحيتي: __طب… ودلوقتي؟.. بصيت قدامي لحظه، وبعدين ابتسمت بهدوء وقلت: __دلوقتي إحساسي اتغير… حسّيت فعلاً إني بعمل حاجة ليها معنى، وبساعد الناس اللي محتاجه حد يقف في صفها. سكتت ساره ثواني، وبصتلي بنظره غريبة، فيها إعجاب بسيط، بس كمان فيها تساؤل مش مفهوم. وأنا… رغم كل اللي حواليّ، كل اللي كان شاغل بالي وقتها إن نور كانت مضايقه، وإن عيونها كانت مليانة حزن مش قادر أطلّع صورتها من دماغي. يتبععع#الم_بدون_صوت البارت التامن يوسف وصلنا تحت البيت، طلعت أنا وساره، سلّمت على مرات عمي. قالتلي بعتاب وهي بتحاول تخفي ابتسامتها: __كده يا يوسف؟ تفضل طول المدة دي متجيش!. قلت وأنا بابتسم باعتذار: __معلش والله، حضرتك عارفة الدنيا مشاغل، أول ما لقيت إن شغلي جمبكم جيت على طول. ضحكت وقالت: __نورت يا حبيبي، لحظة وأكون حاطه الأكل. ابتسمت وقعدت في الصالة، وساره دخلت تغيّر هدومها، رجعت بعد شوية وقعدت قدامي. بصيتلها وسألتها بهدوء وأنا شايف في عينيها حاجة مخبياها: __انتي بقى اللي بلغتي؟ اتلبخت، وبصّت في الأرض بتوتر. ضحكت بخفة وقلت: __مالك اتوترتي ليه؟ دي حاجة كويسة… انتي كده ساعدتيها ووقفتي جنبها. ردّت بصوت حزين: __آه بس… هي زعلت مني، وحصلت مشكلة بينا… بس اتصالحنا يعني. بصّيتلها بهدوء وقلت: __كويس… المهم إنها بخير. سكتت لحظة وبصتلي بتردد وقالت: __بس هي متغيّرة يا يوسف… ضحكتها بقت ناقصها روحها. كلامها وجعني بطريقة غريبة. حسّيت كأن كل حرف بيشدني ليها أكتر. قلت وأنا ببصّ في الفراغ: __اللي مرت بيه مش سهل… بس هتقوم، نور قوية. ساره رفعت حاجبها وقالت بابتسامة خفيفة فيها تساؤل: __واضح إنك واخد الموضوع على قلبك أوي! ضحكت بخفة وحاولت أغيّر الاتجاه: __أنا شغلي كله كده يا ساره، وقولت ف نفسي بس يمكن الحالة دي شدّتني شوية أكتر من العادة. بس الحقيقة؟ أنا كنت عارف إن اللي جوايا اتجاهها ما بقاش مجرد "حالة" من أول ما شُفت عيونها المليانة وجع. يوسف قعدت، وبعد ما خلصنا أكل، مرات عمي كانت مُصرّة إني أبيت عندهم. بس حاولت أفهمها بهدوء إني واخد شقة إيجار قريبة، وإنّي هروح هناك بعد الأكل. وطبعًا مكنش ينفع أقعد… في النهاية أنا راجل ومش محرم. مشيت وأنا لسه تفكيري مشغول بيها، كل ما أحاول أركّز في أي حاجة تانية، صوتها ونظرتها بيرجعولي. في الآخر، قررت أتصل بيها… مش عشان "شغل"، لأ، كنت محتاج أسمع صوتها، أطمن عليها، وأعرف إيه الخطة الجاية. فعلاً اتصلت، وبعد كام رنه، ردّت. صوتها… كان نفس الصوت اللي أول مرة سمعته مليان خوف، بس المرة دي فيه وجع هادي، وجمال غريب في الرقة اللي بتتكلم بيها. قالت بهدوء: __السلام عليكم. ردّيت وأنا بحاول أبان طبيعي: __وعليكم السلام، عامله إيه دلوقتي؟. طمنتني إنها بخير، بس بعدها سكتت، وسكوتها خلاني أحس إن في وجع مستخبي ورا الكلمات. قولت بخفوت: __آخر مرة ضربك إمتى؟ سكتت ثواني، كأن السؤال وجّعها قبل حتى ما ترد. وبعدين قالت بصوت متكسر خافت: __امبارح… حسّيت قلبي شدّ في صدري، وكأن الكلمة دي خبطتني في وشي. قولت وأنا بحاول أسيطر على نبرة صوتي: __امبارح؟!. ردّت بسرعة، كأنها بتحاول تبرر وجعه: __هو كان متعصب… ماقصدش يوجعني بالشكل ده، بس هو لما بيتعصب بيعمل كده من غير ما يفكر. تنهدت، ماسك الموبايل بإيدي بقوة وأنا بقول بحزم هادي: __يا نور، مفيش حاجة اسمها ماقصدش… اللي يمد إيده مرة، هيكررها كل مرة. سكتت، وسمعت صوت نفسها المرتبك، فيه رعشة خفيفة كأنها بتكتم بكاها: __أنا مش قادرة أسيبه… ولا قادرة أكمّل كده… كل حاجة بقت تخوفني، حتى نفسي. قولت بهدوء، بس جوّاه نار: __انتي مش لوحدك، أنا معاك، وهفضل معاكي… بس لازم نبدأ نتصرف، خطوة بخطوة، فاهماني؟. ردّت بصوت مهزوز، فيه صدق وضعف في نفس الوقت: __فاهمة… بس خايفة. ابتسمت رغم الغضب اللي مالي قلبي وقلت: __كلنا بنخاف يا نور… بس أول خطوة هي اللي بتكسر الخوف. يوسف لقيتها سكتت، الحروف كأنها خذلتها، وصوت نفسها بس هو اللي باقي في السماعة. كملت بهدوء وأنا بحاول أخلي كلامي يطمنها: __دلوقتي لازم تواجهيه يا نور… بهداوة، وتكلميه، وتسأليه هو ليه بيعمل كده؟ قوليله إنك بتحبيه ومش عايزة تبعدي عنه، بس اللي بيعمله ده بيخليكي تفكّري في البُعد غصب عنك. سمعتها بتاخد نفس متقطع، وبعدين قالت بصوت مبحوح كله وجع: __بس… سكتت. الكلمة دي خرجت منها، بس اللي بعدها ماقدرتش تطلعه. حسّيت بيها، حسّيت باللي جواها من غير ما تنطق. قولت بهدوء وأنا متأكد إنها بتسمعني وبتحاول تتماسك: __أنا عارف… عارف إنك مش ضامنة رد فعله، يمكن يتغاشم عليكي، ويمكن يفوق ويرجع لرشده. بس دي فرصه… فرصة نحاول فيها يرجع زي م كان.. سكتت لحظة، وسمعت بعدها شهقة خفيفة كأنها بتحاول تكتم بكاها، قالتلي بصوت مرتعش، بيحاول يخبّي الخوف اللي ماليه: __حضرتك عايز حاجة تاني؟ اتنهدت، ومكنش فيَّ كلام يتقال أكتر من كده، فقلت بهدوء: __سلامتك. وكأنها كانت مستنيّة الكلمة دي عشان تهرب، سمعت صوت النفس الملهوف قبل ما الخط يسكت فجأة، وقفلت. فضلت باصص ف الشاشة، وصوتها بيرن ف وداني كأنه لسه بيتردد. كان فيها رعشة وجع... مش بس خوف. حسّيت إني كنت قريب أوصل، بس في نفس اللحظة، هي اختارت تقفل الباب قبل ما أمد إيدي. __________ نور قفلت السكة معاه، بس قلبي كان لسه متعلق ف كلامه، ف نبرته الهادية اللي حاسّه بيا من غير ما أتكلم. كنت متوترة طول المكالمة، بس في نفس الوقت… مرتاحة. فضلت أفكر ف اللي قاله… إن لازم أواجه بابا، وأكلمه بهدوء يمكن يسمعني، يمكن يرجع زي زمان قبل ما الدنيا تاخده مني. فعلاً قمت بعد شوية، أخدت نفسي وخرجت أدور عليه. البيت كان ساكت كأنه نايم، دورت ف كل الأوض، ملقتهوش. اتنهدت بخيبة أمل، دخلت الأوضة، وقعدت على السرير مستنياه. مكنتش حاسة بالوقت، عينيا غلبتني من كتر التعب والخوف، وروحت ف النوم من غير ما أقصد. صحيت على صوت المفتاح وهو بيلف ف الباب، وصوت المفصلة وهي بتئن بهدوء. قلبي بدأ يدق، كنت مش عارفه هو هيكون رايق… ولا مكشر كعادته. جريت ع بره وأنا قلبي بيدق جامد، خايفه يتعصب عليا، خايفه يضربني! لقيته قاعد ع الكنبه وبيشرب سيجارته في سكون غريب. قولتله بصوت واطي: __ عايزه أتكلم معاك. بصلي بطرف عينه وقال ببرود: __مش ناقص رغي دلوقتي. رديت وأنا صوتي مخنوق: __كلمتين بس. سكت، ففهمت إنه مستني أقول اللي عندي. قعدت جنبه ع الكنبه وأنا قلبي بيترعش، كنت حاسه نفسي داخله معركه، بس المره دي مش خايفه زي الأول… يمكن لأن الوجع خلّاني أضعف من الخوف. قولت بهدوء: __ أنا زعلانه منك يا بابا. رفع عينه ناحيتي، النظره اللي فيهم كانت جامده… فيها غضب، بس وراها تعب. كملت وأنا بحاول أثبت صوتي: __ زمان كنت بتضحك، وبتقعد معايا، دلوقتي كل كلامك ليا بقى صوت عالي وضرب… ليه؟ __أنا بحبك يا بابا، بس مش قادره أعيش كده. سكت لحظه، حسّيت الجو بقى تقيل أوي. رمى السيجاره، وبصلي بنظرة غضب خلتني أبلع ريقي بالعافية. قبل ما أستوعب، قام بسرعة ومدّ إيده ناحيتي! اتجمدت، قلبي كان هيخرج من مكانه، صرخت: ـ بابا بالله عليك اسمعني! بس مفيش فايدة… إيده كانت سبقت كلامي.!! يتبععع ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏ ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏