السر الدفين - الفصل السابع - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: السر الدفين
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل السابع

الفصل السابع

-حان موعد الرحيل0 من الواضح الان ان ما تخفيه فى نفسها سيثقل عليها يوما بعد يوم . فعندما دخلت الى المكتبة فى الصباح التالى لاستئناف عملها , عاودها الشعور بالذنب . لعل التواقيع المزورة جربت هنا ساعة بعد ساعة , وفى لحظة عاجلة دس ابوها الاوراق بين الصحف لان احدا دخل عليه الغرفة فجاة .. ثم نسيها . وفجاة عادت الى ذاكرتها اشياء قالها جدها وتؤكد ظنونها . تذكرت كيف احتقن وجهه باحاسيس مختلفة عندما جاء ذكر الصحف . لربما عاد الى الماضى حين اكتشف الحقيقة0 ارتدت الرداء الواقى وبدات فى اعداد مجموعة من الكتب تمهيدا لفهرستها . كان قلبها مثقلا بالهموم والاحزان . وبالاضافة الى ذلك هناك مهمة خاصة مع لورى عندما ياتى الى المكتبة 0 حانت فرصتها عندما كانا يحتسيان القهوة عند الساعة الحادية عشرة . كان قد وضع كتابا قديما جدا على الطاولة وتنهد بحسرة , فسالته فورا : انت تحب هذه الكتب القديمة , اليس كذلك ؟ نظر اليها وتعبير من الدهشة يملا وجهه : اعتقد ذلك . لكنني لم افكر فيها من قبل . لماذا تسالين عن الموضوع ؟ - فقط استغربت كيف انك لم تتقدم للعمل فى المكتبة عندما عرفت ان السيد ماكلين يبحث عن شخص لذلك ! - انا ؟ هز راسه بالنفى وقال :لم افكر فى الامر ابدا . بالاضافة الى اننى اعمل فى الحدائق . على كل , عمل المكتبة ليس من اختصاص الرجال 0 قاومت فانيسا ضحكة كادت ان تفلت منها عندما قال الجملة الاخيرة .. عليها ان تكون حذرة تماما الان 0 - بالطبع من اختصاص الرجال . وتابعت بسرعة : صدقنى , هذا العمل يتطلب الذكاء الحاد والوعى العميق والعناية ايضا . اننى اعرف كثيرين من الرجال فى هذه المهنة . وانت بارع فيها 0 اجابها وكانه يفكر بالموضوع : هل هذا صحيح ؟ كنت اقصد مساعدتك فقط ولم افكر…. - ما كنت استطيع العمل دون مساعدتك 0 لم تكن كاذبة عندما قالت هذه الجملة . والان اتت المرحلة المحرجة 0 - لنفترض يا لورى – مجرد افتراض – اننى لم استطع انهاء العمل لسبب من الاسباب , فهل يمكنك مواصلته ؟ وضع فنجان القهوة على الطاولة بهدوء ونظر اليها بحدة وغضب : حسنا , هيا اخبرينى الحقيقة ! - لا شئ .. لا شئ 0 قاطعها بسرعة : دعك من هذه الادعاءات 0 هذه اول مرة يخاطبها فيها بهذا الشكل ، وقد صدمها ذلك : اننى متاكد من ان اللعين كال غرين هو المسؤول . اخبريني ماذا فعل ؟ شعرت بالارتياح لان تفكيره ذهب فى هذا الاتجاه 0 غريب كيف تجري الامور . فى البدء اتهم كال لورى , والان لورى يتهم كال 0 - كلا يا لورى . ليس الامر كما تظن . فانا …. - اسمعى جيدا , كنت امس على حافة الانفجار باكية . وانا لست غبيا بحيث لا ادرك الحقائق 0 - لم اقصد ذلك ابدا 0 لامست ذراعه بيدها وقالت : لقد تلقيت انباء سيئة عن ... عن قريب لى , وهذا ما ازعجنى . اؤكد لك ان الامر لا يتعلق به . كل ما فى الامر اننى لست متاكدة من استمرارى هنا طويلا ولا اريد ان اترك .. السيد ماكلين ... وكادت كلمة جدى ان تفلت منها , لكنها استدركت متابعة : فى مشاكل عديدة . هذا كل ما فى الامر 0 حدق لورى بيدها المرتاحة على ذراعه ثم غطاها بيده الاخرى . قال بنعومة : من الصعب على ان ارفض لك طلبا . ولكنى لا اريدك ان ترحلى وانت تعرفين ذلك تماما 0 سكت قليلا ثم اضاف بابتسامة هادئة : هل تبقين هنا اذا رفضت ان اقوم بالعمل ؟ هزت راسها قائلة : لا استطيع . سابقى حوالى اسبوع تقريبا , وبعده سارحل . ارجوك يا لورى , ما ذكرته لك الان اريده ان يبقى معك سرا . واعتقد اننى استطيع الثقة بك , اليس كذلك ؟ قال لها مؤكدا : اعدك باننى لن اخبر احدا . لكننى ساحاول اقناعك بالعدول عن الفكرة0 ابتسمت له قائلة : شكرا لك . اشعر الان بتحسن كبير . والان , اليس من الافضل ان تشرب قهوتك قبل ان تبرد ؟ عندما استدارت مبتعدة عنه عادت اليها الهموم دفعة واحدة . كان عليها ان لا تاتى ابدا . فالسيد مورتون كان محقا فى تحذيراته من الخدع والحيل والاكاذيب . لو انها استمعت اليه لنجت من كل هذه الماساة 0 عملت فانيسا خلال اليومين التاليين بجد ونشاط فى محاولة لانجاز القسم الاكبر من العمل قبل ان يحين موعد ابلاغ جدها بانها راحلة . كل وجبة طعام معه تحولت الى عذاب شديد ، زاد فيه كال غرين الذى اخذ يعاملها بتادب جاف وكانه يهينها . كان يراقبها وينتظر حتى تقدم على خطوة خاطئة كى يهاجمها , فشعرت باعصابها تكاد تنفجر . وفى احد الايام كانت لوحدها فى المكتبة عندما دخل كال . وعلى الفور استنفرت قواها وجلست تنتظر ما يمكن ان يحمله لها هذه المرة0 كان هادئا ولا مباليا . قال لها: اسف لازعاجك , لقد جئت اخذ احد الكتب 0 وسار الى زاوية الكتب الحديثة التى ليست من اختصاص فانيسا . راقبته وهى تتمنى ان ينتهى بسرعة ويغادر كى تعود الى عملها . وصل الى الرف المقصود وسحب احد الكتب بعد ان بحث فى المجموعة كلها . سمعت فانيسا تنهيدة ارتياح منه عندما عثر على الكتاب . وفجاة التفت اليها وقال بنبرة هادئة ومؤدبة : يجب ان تخبرينى كى انزل مجموعة الجرائد من غرفتك عندما تنتهين منها 0 وجاهدت فانيسا كى تخفي اثار الصدمة التى اثارها فيها ذكر مجموعة الصحف. فمنذ ان وجدت الورقتين لم تعد قادرة على لمس اى صحيفة بل اعادت المجموعة الى الصندوق ورمتها فى احدى الزوايا بعد ان غطتها بمجلات نسائية حديثة0 - لم ... لم انظر اليها بعد بسبب ضيق الوقت0 خفق قلبها بشدة بحيث شعرت به وكانه يريد الخروج من صدرها . ترى هل اثار موضوع الصحف عامدا ؟ هل عرف القصة ؟ ثم تابعت: يمكنك ان تنزلها ساعة تشاء , فسانظر اليها فى وقت لاحق بعد ان انتهى من العمل هنا 0 واشارت بيدها الى مجموعات الكتب المصفوفة خلفها0 همهم صامتا ثم استدار : ساذهب واحضرها الان 0 تردد امام الباب قليلا وقال : اسف , الست قادمة معى ؟ - بلى0 وضعت فانيسا البطاقة من يدها واتجهت نحو الباب . عضت شفتها السفلى وهى تفكر , لقد احست توبيخا مقصودا فى كل كلمة او حركة اقدم عليها , كما احست شكا عميقا ومرعبا ايضا . فتح لها الباب وافسح المجال كى تمر , ثم سار معها باتجاه السلالم . قلبها ما زال يخفق بسرعة , لكن ليس بعامل الخوف بل لانه يسير الى جانبها . قطعا الصالون والسلالم والممرات بصمت مطبق , لم ترد ان تحطمه لئلا يبدا بطرح اسئلته الاستفزازية المعتادة 0 وصلا الى باب غرفتها , فانتظر كال حتى فتحت فانيسا الباب ودخل خلفها : هناك , فى الصندوق اسفل النافذة . لقد وضعت بعض المجلات فوقها . لحظة من فضلك0 رفعت المجلات الخاصة عن الصندوق وراقبته وهو يحملها بسهولة . ثم التقت عيناه عينيها وقال بنعومة : هل المجموعة كلها هنا ؟ - اجل , كلها0 وادركت فجاة ان الورقتين اللتين سببتا لها كل المتاعب ناقصتان . اغمضت عينيها للحظات وكانها تعتصر الالم الذى انتابها . آه لو انها لم تعثر عليهما . فتحت عينيها لتجد كال يحدق بها وكانه عرف كل شئ . احست بالم حاد يطعنها فى صدرها ويقطع انفاسها . لا يمكن ان تحتمل الامر اكثر , ستجن اذا لم تهرب من هذا الرجل . استدارت بسرعة واتجهت نحو الباب غير مبالية اذا كان سيلحق بها ام لا , فهى لا تستطيع ان تبقى معه فى الغرفة نفسها . اغلقت الباب خلفه بهدوء ، وانتظرت حتى ابتعد قليلا ثم لحقت به. سارت ببطء كى تبقى على مسافة بينهما . وجاهدت حتى لا يبدو الامر متعمدا , وفى الوقت نفسه حتى لا تسير الى جانبه 0 وصل الى المكتبة قبلها بوقت طويل , بينما تباطات هى قليلا فى القاعة الرئيسية 0 -لقد اعدت الصندوق الى المكان الذى كان فيه 0 - شكرا لك0 اغلقت الباب خلفه بسرعة . لفت نظرها الفراغ الذى تركه عندما سحب الكتاب قبل قليل , وقبل أن تتوجه الى رف الكتب القت نظرة خاطفة على الباب كى تتاكد من انه لن يعود . مجموعة الكتب على الرف كانت متشابهة فى اغلفتها وطباعتها . حملت الكتاب المجاور لذلك الذى اخذه فوجدت انه يتعلق بالسياحة والاسفار . عادت الى ذهنها على الفور حقيقة ان كال يكتب كتابا عن الرحلات , لربما احتاج الى مرجع لذلك 0 اسم المؤلف هو كالوم كيل . ولاحظت فانيسا ان الاسم الاول للمؤلف هو نفسه اسم كال الكامل . قلبت الغلاف الاخير لتنظر الى صورة المؤلف فوجدت رجلا كث اللحية اسودها . ثم امعنت النظر اكثر . وكم كانت دهشتها كبيرة وعميقة عندما تاكدت ان الرجل ليس الا كال نفسه 0 اذن كال غرين هو نفسه كالوم كيل الكاتب والرحالة والاذاعى المعروف . حدقت فيه وهما الى المائدة وتساءلت فى نفسها : كيف لم تعرف شخصيته من قبل ؟ كانت قد قرات له كتابين واستمتعت بهما , خاصة انه يتمتع بتلقائية صافية فى اسلوبه بحيث يشعر الانسان الذى يمضى فى القراءة بانه مسافر معه فعلا , فى الصحارى , ومع الرعيان فى الجبال . لم تكن تتصور هذا الامر , هذا الرجل هو كالوم كيل . من السخرية ان يتهمها باستعمال اسم مستعار بينما هو يختبئ خلف شخصية اخرى . هناك اختلاف بالطبع ، فاسمه المستعار كان لاغراض الكتابة . ولعل هذا هو السبب الذى جعله حساسا اتجاه اسماء الاخرين . مدت فانيسا يدها لتناول قطعة من الحلوى وهى تتساءل عما اذا كان بامكانها الهرب . بدات تحس بانها مقيدة فى هذا البيت . لذلك قررت الذهاب فى نزهة قصيرة , خاصة ان الامسية دافئة ومنعشة .. وهى تحتاج فى جميع الاحوال الى مجال لتقليب امورها0 وبينما هم يغادرون غرفة الطعام سالت جدها قائلة : ارغب فى القيام بنزهة قصيرة حتى الباب الخارجى , فهل هناك مانع ؟ - بالطبع لا. اذهبى حيث ترغبين 0 - شكرا لك . انا بحاجة الى بعض الحركة , والامر مناسب فى هذه الليلة . سوف اصعد لاحضار معطفى الربيعى 0 ولم تنتبه , عندما استدارت خارجة , الى النظرة التى وجهها جدها الى كال 0 سارت نزولا باتجاه الباب وهى تستنشق بعمق النسيم المسائى المنعش . قسم من الممر كان مظللا باغصان الشجر , اما القسم الثانى فقد زينته الزهور المنوعة . ما حدث لها كان الاسوا , ومن غير المتوقع ان تقع اشياء اكثر سوءا . لقد بدات طاقتها تخفت تدريجيا وزاد توترها العصبى , كما تلاشت شهيتها حتى للاطباق اللذيذة التى تعدها السيدة بانكس 0 الان , وقد اصبحت بعيدة عن البيت , يمكنها ان تفكر بهدوء وموضوعية . ففى الداخل كانت الضغوط تزيدها توترا , خاصة بوجود كال وجدها الذين تبين لها يوما بعد يوم انه ليس الرجل القاسى الذى وصفه لها ابوها . صحيح انها لاحظت عنده نزعة الى القسوة فى بعض الاحيان , لكنه اجمالا الرجل الحنون والمحب واللطيف . لقد اهتم بها يوم الاحد بحيث ظل مع " موظفته " يروى لها القصص الطريفة عن اسفاره واعماله ويرفه عنها على حساب اعماله الخاصة . هذا الجانب من شخصيته بالاضافة الى شئ عمدت دائما الى تناسيه وطمسه اديا الى تغيير نظرتها 0 لقد كان ابوها ضعيفا وغبيا ... والان محتالا ايضا0 وصلت الى الباب الخارجى وتوقفت عنده , ثم اطلقت نظرها فى الطريق المتعرج الممتد كشريط رمادى يلتف حول التلال والوديان . وعلى تلة بعيدة , بعيدة ... التمعت مساحات من الثلج الناصع . وركزت فانيسا عينيها على هذه المساحات دون ان تراها بالفعل ... واخذت قرارها النهائى . يجب الا تكتفي بالهرب . عليها قبل ذلك ان تكتب لجدها رسالة تخبره فيها عن الخدعة الخبيثة التى خططت لها انطلاقا من فكرة الانتقام الخاطئة . انها مدينة له بهذا الايضاح . وسوف تنهي رسالتها بطلب المغفرة منه دون امل بالحصول عليها . اليست هى ابنة ابيها ؟ اولم يخدع ابوها اباه ايضا ؟ فاندرو ماكلين لا يمكن ان يقبل حفيدة تسير على المنهج المخادع0 حبست دمعات حارة فى عينيها . لا بكاء بعد اليوم , فقد انتحبت ما فيه الكفاية . كال غرين سيشعر بالارتياح لانه كان محقا حول شخصيتها . ورغم كل شئ تساءلت فانيسا عما اذا كان سيرتاح فعلا . كان يبدو على كال الاعجاب الشديد باندرو ماكلين. وفى حال اقدامه على الزواج من هيثر واقدام اندرو على الزواج من آن ماكرى , فانهما سيصبحان اقرباء . شدت فانيسا قبضتها على خشب الباب وهى تستعيد منظر الاربعة فى غرفة الطعام . كانوا يتحدثون ويضحكون ويتسامرون بينما هى الغريبة بينهم . استدارت عائدة الى البيت . لعل هيثر بدات الان اخذ دروس فى الجيدو, ولكن فانيسا لم تتصور انها ستسمح لشعرها المصفف بعناية ان تبعثره الحركات والسقطات . وكيف يمكن ان ترتدي بزة التدريب على حساب الفساتين الانيقة الباذخة ؟ تمايلت على شفتى فانيسا ظلال ابتسامة وهى تتصور المشهد , لكن المؤسف انها لن تكون هناك لتشاهد بنفسها ... فتلاشت البسمة بسرعة0 اسرعت عائدة الى البيت ... فبعد ان حزمت امرها حول الرسالة عليها ان تكتبها باسرع وقت ممكن 0 كانت الاضواء تشعشع في معظم غرف المنزل . توقفت فانيسا تتامل هذا البيت الكبير الهادئ . لا غرابة فى ان كال قصده لانجاز كتابه , فاية اجواء افضل يمكن ان يتوقعها المؤلف ؟ ولا غرابة ايضا فى ان جدها يعود من اسفاره دائما - كما اخبرها يوم الاحد - وشعور بالراحة والسعادة يملاه لمجرد رؤية البيت . انها تدرك الان ما قصده من خلال الجو العابق بالسكينة الذى يحيط بالبيت من جميع جوانبه . عضت شفتها السفلى بشدة . فالقدر يمكن ان يكون قاسيا فى بعض الاحيان . لقد اعطاها لمحة مما كان سيكون . والان عليها ان ترحل بعيدا ... ولا بد من ذلك سريعا. وواصلت سيرها الى المدخل الرئيسى , صعدت الدرجات الحجرية وفتحت الباب على مصراعيه ... فسمعت الرجلين وهما يضحكان لشئ ما فى الصالون0 ركضت فانيسا الى غرفتها وتناولت قلما ودفتر الرسائل والمغلفات واستعدت للكتابة0 جاء لورى يوم الخميس كعادته بعد التاسعة بقليل . نظر الى فانيسا فور دخوله المكتبة وقال : الم تغيرى رايك بعد ؟ هزت راسها بالنفى : كلا يا لورى , انا اسفة , هل لك ان تقوم بالتسجيل بدلا منى اليوم ؟ ابتسم بهدوء : يظهر انك تريدين تدريبى ؟ - انا اسفة . لم اقصد ان يبدو الامر كذلك . آه يا لورى اننى حائرة وضائعة0 وضعت يدها على خده , فتقدم منها قائلا : ارجوك يا فانيسا , ارجوك لا تحزنى . الا يمكن ان اقوم باى شئ ... اى شئ لمساعدتك ؟ - لا , لا يمكنك عمل شئ 0 فكرت فى الرسالة المكتوبة والمختومة فى درج طاولتها , والتى تنتظر التسليم عندما يحين الوقت0 رفع لورى ذقنها باطراف اصابعه بحركة شبيهة بحركات كال وقال : لا اظنك ستقدمين على البكاء الان ؟ لاحظت تعابير وجهه القلقة فقالت على الفور : لا , ابدا0 هي تعرف انها غير قادرة على البكاء حتى لو ارادت 0 - الحمد لله0 مرر يده العريضة خلال شعره الكث وهو يتنهد بارتياح واضح : ما رايك لو احضرت لك فنجانا من القهوة او الشاى ؟ - يا الهى . السيدة بانكس سوف تقيم الارض ولا تقعدها ! - اعرف ذلك . لكننى مستعد لاغضابها ومواجهتها اذا رغبت بفنجان 0 - لا اريد ذلك . فقد تناولت فطورى قبل قليل0 كانت الوجبة مرعبة فعلا , اذ تواجدت هى وكال وحدهما حول المائدة . هو ببرودته وهدوئه ونظراته الحادة , وهى بافكارها وشرودها ... والنتيجة انها لم تاكل سوى قطعة صغيرة من الخبز . فقد كانت متوترة الاعصاب بحيث انه لو اثار اى موضوع لتركت المكان على الفور . لكنه لم يفعل , لعله لاحظ مزاجها المتعكر وراى المرارة التى تملاها والتى لا يمكن ان تنتهى الا بعد ان تركب سيارتها وتغادر المكان دون عودة 0 - حسنا . اذا اردت فنجانا , فقط قولى لى . فمن اجلك انا على استعداد لمقاتلة الاسد ... اقصد اللبوة 0 - شكرا لك يا لورى , فانت لطيف جدا 0 استدار بحياء قائلا : من الافضل ان نبدا العمل . فماذا سنفعل الان ؟ - ساعيد ترتيب هذه الكتب حسب التسلسل0 واشارت باصبعها الى مجموعة من الكتب التى سبق لها ان سجلتها . بدا العمل الذى يقومان به يعطى ثماره . وكانت تشعر بالارتياح وهى ترى الكتب مرتبة فى اماكنها . فخلال اسابيع سيكون كل شئ على اتم وجه فى المكتبة ... لكنها لن تكون هنا لترى اكتمال ما قد بدات به . غاص قلبها فى صدرها عندما خطرت لها هذه الفكرة : لورى سيكون هنا اما انا فلا . اسرعت الى العمل فى محاولة لطرد هذه الافكار المؤلمة . وهكذا مضى الصباح متثاقلا بدون ان يكون لهذا اليوم اى معنى . فجدها وكال سيتناولان العشاء فى الخارج , اما هي فستحضر لها السيدة بانكس الطعام الى غرفتها ... وهذا الترتيب يناسبها تماما فى هذه الظروف . لو انها تستطيع ان تاكل دائما فى غرفتها , حتى لو وجدت السيدة بانكس ذلك متعبا وغريبا . وضعت الكتب التى كانت تحملها فى مكانها والتفتت الى لورى الغارق فى عمله بجد ونشاط . احست ببعض العزاء لانه استطاع ان يستوعب العمل ويقوم به على افضل وجه . ومن الاكيد ان جدها كان سيطلب منه ترتيب المكتبة لو انه عرف سلفا قدرته على ذلك 0 كان بعد الظهر هادئا بغياب لورى . انهت فانيسا عملها بحدود الخامسة ثم القت نظرة اخيرة على المكتبة قبل ان تتوجه الى غرفتها . تساءلت كيف ستكون العلاقة بين كال ولورى عندما سترحل هى . ربما احسا بضرورة ان لايتدخلا بشؤون بعضهما البعض . لاحظت مرة اخرى الرف الذى سحب منه كال الكتاب قبل مدة , هناك الكثير من الكتب للقراءة . لكنها وجدت نفسها راغبة فى قراءة احد كتبه على ضوء اكتشافها لحقيقته وشخصيته . خرجت من المكتبة واغلقت الباب خلفها بهدوء ثم اسرعت الى غرفتها . كانت غرفة كال تقع فى الجهة الاخرى من الممر , ومنها سمعت صوت ضربات على الالة الكاتبة , وهو الصوت الذى تردد كثيرا خلال الايام الماضية . ثم تجاوزت الممر ودلفت الى غرفتها 0 عندما بدات نشرة اخبار الساعة سادسة مساء على شاشة التلفاز، سمعت الرجلين يغادران البيت . وبهدوء تام توجهت الى النافذة لترى جدها يدخل فى سيارة كال الجاكوار , ثم اقلعا معا باتجاه الطريق الرئيسى . بعد ساعة ستحضر لها السيدة بانكس عشاءها المكون من وجبة خفيفة , خاصة ان الرجلين غائبان . وعلى كل فان شهيتها للاكل خفت كثيرا خلال الايام القليلة الماضية . انحنت على النافذة تراقب السهول الممتدة حتى الافق وقد غرق قلبها فى لجة الحزن العميق . عاد اليها وجه السيد مورتون الرافض لخططها فتخيلت نفسها امامه تعترف له بفشلها , فهى مدينة له بذلك على الاقل . بعد ذلك ستترك شقتها الخاصة فى لندن , بل ربما تغادر لندن كلها , الى خارج البلاد ... فهى لم تعد تحتمل حياة القلق بعد الذى جرى لها هنا . احست ببرودة اطار النافذة تلسع راسها فتساءلت عما اذا كانت ستصاب بالرشح او الانفلوانزا . كان جسدها متعبا , ووجهها ملتهبا بالحرارة الشديدة مع ان موجة من البرودة كانت تسرى فى اوصالها 0 ابتعدت فانيسا عن النافذة , فوقعت عيناها على كتاب كال , تناولته واقفلت جهاز التلفازثم القت بنفسها على مقعد الوثير . اعجبتها المقدمة التى تحدث فيها عن كيفية تحويله سيارة لاندروفر الى بيت على عجلات , واستعمالها فى رحلة طويلة الى مجاهل افريقيا . اعجبتها لان الكتاب ليس مجرد رقم على احد الرفوف , بل هو من تاليف الرجل الذى انقذها من اثنين من الرعاع ... والذى يشك بها ولا يحبها . توقفت فانيسا فجاة عن القراءة وقلبت الكتاب لتعيد التامل فى الصورة المنشورة على الغلاف الاخير. انه يبدو مختلفا فى اللحية , ومع انها لم تعجب به الا انها اعترفت بان اللحية تناسبه تماما . احست بعينيه , حتى بالصورة , وهما ترمقانها وتسخران منها بغموض شديد . تنهدت بعمق واعادت فتح الكتاب على الصفحة التى كانت تقراها . ومع ذلك ظل خيال المؤلف يهاجمها بالحاح رغم انها بذلت جهدا للتركيز على الموضوع . لقد لمسها صاحب الكتاب واحتضنها , بل وعلمه كيف تسقط بامان ... كما انه كان لطيفا فى احيان قليلة . واحست فانيسا بدفء يتدفق فى كل جسدها وهى تتذكر ذراعيه القويتين وعينيه الحادتين ... اغلقت الكتاب بعنف وتوجهت مرة اخرى الى النافذة . ودون ان تدرى احست باصابعها تلامس شفتيها . لقد عانقها بالقوة ... انه الرجل الاول الذى يفعل ذلك بدون ان يبدو عليه التاثر . وعلى امتداد نظرها ترامت الحدائق والسهول لتقف فى النهاية على اعتاب تلال رمادية اللون مكللة بالثلوج البيضاء التى لن تذوب ابدا , لان الحرارة هناك لا يمكن ان ترتفع لدرجة تذيب معها الثلج 0 سمعت قرعا على الباب فاستدارت لاستقبال السيدة بانكس , وارتاحت لانها جذبتها من افكارها المتضاربة . وبعد ان تناولت الطعام بدا لها كان الليل يتمطى الى ما لا نهاية . ولتمرير الوقت اننزلت صينية الطعام الى المطبخ ثم عادت لتشاهد مسلسلا كوميديا يعرضه التلفاز ... وظلت هكذا حتى حان موعد الاخبار . وادركت انها لن تستطيع النوم بسبب فكرها المشوش , لذلك قررت القيام بنزهة قصيرة فى المساء البارد والمنعش , لعلها تتعب نفسها قليلا فتعود الى النوم فورا0 ارتدت فانيسا معطفا صوفيا ثقيلا , واطفات جهاز التلفاز ثم غادرت المنزل . فى الخارج كان الهواء باردا ومنعشا . سارت حول المنزل باتجاه المدخل الخلفى , ثم نهاية الممر الذى اصبح اكثر حلكة . توقعت ان تصل الى موقف سيارات البيت اذا ما اكملت سيرها بالاتجاه نفسه , وبعد دقيقة شاهدت مجموعة من البيوت المسقوفة التى كانت فى يوم من الايام اصطبلات للخيول . كانت مواقف السيارات مضاءة بنور ساطع معلق على سطح احد البيوت . وقفت تحت النور تتامل المكان . شاهدت سيارتها خلف باب نصف مغلق , والى جانبها مكان خال حيث تقف سيارة كال عندما يكون فى البيت . وتساءلت عما اذا كان الرجلان سيتاخران فى العودة . هل يهمها هذا الامر فعلا ؟ واستغربت كيف جاءها وجه هيثر الجميل وعلى ثغرها تلك الابتسامة الموجهة الى كال 0 حثت فانيسا خطواتها مسرعة , وقد صممت على اكتشاف نهاية هذا الممر قبل مغادرة البيت . وكلما توغلت فى الممر , كانت الاشجار تزداد كثافة ، والطريق يتعرج ويضيق , والظلام يشتد حلكة . ولم تكن تسمع سوى وقع خطواتها على الحصى ... وزقزقة عصفور ازعجه وجودها فى ذلك الوقت 0 واخيرا وصلت فانيسا الى البحيرة . كانت صغيرة المساحة وفى وسطها جزيرة موصولة الى البر بجسر خشبي جميل تزينه صخور رصفت بشكل هندسى بديع . وعادت الى ذهنها صور غامضة عن مكان معين حدثها عنه ابوها كساحة امضى فيها طفولته الجميلة . لا شك ان هذا هو المكان . البحيرة والجزيرة ، ملعب خصب لمخيلة طفل غض . طفرت الدموع من عينيها لان الذكرى اعادت اليها كل الماضى باحزانه والامه 0 اقتربت من الجسر حتى وطات عتباته الاولى . الخشب عتيق ويحتاج الى دهان جديد , لكنه ما زال صالحا للاستعمال . جربت بقدمها قدرة الخشب على الاحتمال , فسمعت صريره فى سكون الليل الدامس ... ومن مكان ما حمل الصدى نعيق بوم بعيد . استدارت مبتعدة عن الجسر . لن تقدم على زيارة الجزيرة الليلة , لعلها تفعل غدا . ولكنها تدرك فى قرارة ذاتها انها لن تطاها ابدا , لا اليوم ولا غدا ... ولا بعد غد 0 وفي مكان مطل على البحيرة عثرت فانيسا على مقعد خشبى تظلله نباتات عالية . جلست عليه لتراقب بعض الزهور التى اينعت ورودها على سطح البحيرة الساكن . ووسط السكون الطاغى انهمرت ذكرياتها بشكل ملح . وذكريات عن والدها عندما كانت اصغر سنا واكثر انطلاقا وفرحا ... هكذا تصورت تلك المرحلة التى كانت تعتقدها افضل سنى حياتها . وبعد ذلك جاءت الماساة التى دفعت فانيسا الى هذا المكان سعيا للانتقام 0 لقد انتهت الرحلة تقريبا الى الفشل الذريع . وحيدة ؟ صحيح ان لديها العديد من الاصدقاء من الجنسين , لكن هؤلاء كلهم لا يحلون المشكلة . فهى سئمت من الاستقلالية المطلقة وباتت بحاجة الى من تعتمد عليه . خيمت الوحدة على عينيها ووجهها وهى تحدق فى الظلام اللامتناهى . وفى هذه الاثناء بدات نجوم متفرقة تلمع فى السماء الصافية وقد ازدادت برودة الهواء . لم تشعر فانيسا , مرة فى حياتها ، بالوحدة والضياع كما تشعر الان . داهمتها موجة مفاجئة من البكاء والياس فدفنت وجهها بين راحتيها واخذت تنتحب بصمت 0 كانت على هذه الحال عندما عثر عليها كال بعد عدة دقائق . لم تره فى بادىء الامر , بل لم تر شيئا لان عينيها كانتا غائبتين خلف راحتيها المتماسكتين . وعندما شاهدته , رات على وجهه تعابير جدها نفسها عندما عثر عليها وهى تنتحب فى غرفتها . تهدلت كتفاها باعياء حتى بدت وكانها ستنهار تحت وطاة الهم والتعب , فى حين وقف كال غرين قبالتها براقبها بصمت واهتمام بدون ان يبدى وجهه اية تعابير اخرى , وكانه يرتدى قناعا 0 واخيرا تقدم منها ولمس كتفها بلطف : فانيسا ؟ نظرت اليه فزعة وقالت : ارحل عنى ! خرجت العبارة من فمها دون ادنى تفكير , انها لا تريده الان , بل لا تريد اى انسان فى هذه اللحظات . لكنه موجود الى جانبها سواء ارادت او لم ترد 0 - لن ارحل . لقد تاخر الوقت وخيم الظلام , وربما ضعت فى الحدائق ! تضيع ؟ يا له من تعبير طريف ! لو انه يعرف فقط كم هى ضائعة فعلا 0 - لا اريد الذهاب . انا اعرف طريق العودة وحدى . فدعنى على انفراد ارجوك 0 نظرت اليه مباشرة غير مبالية بما يمكن ان يلمحه فى وجهها . لا شئ يهم الان , فقط تريد ان ترحل بعيدا ... بعيدا0 - هيا بنا , فالبرودة اصبحت قاسية وقد بدات ترتجفين 0 كانت ترتجف بالفعل مع انها لم تحس بذلك . مررت راحتيها على ذراعيها فشعرت بقشعريرة البرد , وبينما هى كذلك سمعت حفيف قطعة ثياب . ثم شعرت بدفء سترته السميكة على كتفيها . مدت يدها تلامس السترة الجلدية وهى تقول : لكنك0 - اجل . ويمكن ان اظل الليل كله فى هذا المكان مرتديا قميصى فقط . فهلا اتيتى معي ؟ وجدت فانيسا نفسها واقفة على قدميها بدون ان تدرى ما اذا كان قد ساعدها على النهوض ام انها استطاعت ذلك بمفردها . سارا باتجاه البيت وقد عاد الدفء يسرى فى جسدها وقد شدت السترة بيديها الاثنين 0 قالت بعد لحظات من الصمت الثقيل : شكرا لك لانك اعرتنى السترة 0 نظرت اليه وهو يسير الى جانبها فى حين ظهر قميصه الابيض واضحا فى ذلك الظلام الحالك : لكن هل انت متاكد...؟ قاطعها قائلا : انا لا اتاثر بالبرد 0 ومد يده ملامسا يدها واضاف: هل تشعرين ؟ كانت يده دافئة . لم تستمر اللمسة الا لحظات قليلة , لكن فانيسا ظلت تحس بدفئها حتى بعد ان سحب يده ... ثم انتقل هذا الدفء بسرعة بحيث شعرت ان جسمها كله يشتعل0 وقالت بسرعة فى محاولة لاخفاء اضطرابها : لم اعتقد انك ستعود باكرا 0 - كلا . نحن اجمالا لا نعود باكرا . لكن السيدة ماكرى لم تكن على ما يرام لذلك…. ثم توقف . وفكرت فانيسا بسرعة :من الاكيد ان هيثر لم تكن مسرورة لذلك 0 - لم يكن النور مضاء فى غرفتك , وقد ابلغتنا السيدة بانكس انها سمعتك تغادرين البيت منذ مدة طويلة 0 هل صحيح انها امضت زمنا طويلا فى الخارج ؟ لقد بدا لها الوقت مجرد لحظات فقط.. -لذلك فكرت ان القى نظرة لارى ما اذا كنت قد ذهبت بسيارتك , ولما وجدت السيارة فى مكانها تاكدت من انك فى نزهة ليلية ... وهكذا وجدتك 0 لم يكن هذا هو كال الذى تعرفه . شئ ما غير عادى موجود فى تصرفاته , لكن فانيسا لم تستطع ان تحدد باى شكل هو مختلف . لقد احست بالتغيير , وظلت حائرة حتى اوت الى فراشها فبدات تعيد رسم الصورة بوضوح 0 بعد ساعة كانت تجلس فى فراشها تتناول فنجانا من الشوكولاتة الساخنة , استعادت رحلة العودة مع كال من البحيرة , وفكرت فيها بهدوء وروية . لم تكن قادرة ان تفعل ذلك عند وصولها لان جدها كان بانتظارها قلقا ، وفور رؤيتها قال : ها انت قد رجعت . هيا ادخلى يا عزيزتى ... هيا ادخلى.. واحتضنها بين ذراعيه وادخلها الى الصالة . ولسوء حظ فانيسا زاد التصرف الابوى من حدة افكارها المتناقضة فيما يتعلق بالموقف من جدها كما هو فى الواقع وكما رسمه لها والدها من قبل 0 تمكنت من الانسحاب بعد قليل مدعية بانها متعبة , وطلبت منهما الاذن بالانصراف , فاذنا لها . لكن تعابير كال ظلت مسيطرة عليها حتى وهى مستلقية فى فراشها الان تشرب فنجان الشوكولاتة اللذيذة التى اعدتها السيدة بانكس 0 انها تدرك مغزى التغيير الذى حصل , لقد كان يتصرف بطريقة مختلفة تماما , بل انه ينظر اليها باسلوب مختلف عن تلك الطريقة الباردة التى كانت تشعرها بعدم الارتياح . كان كمن اكتشف شيئا جديدا . لكن ما هو هذا الاكتشاف ؟ وظل السؤال يحير فانيسا لفترة من الوقت . ثم جاءها الجواب ومعه الشعور بالانزعاج : لا شك انه عرف من هى فى الواقع ! وضعت الفنجان من يدها خوفا من ان تسكبه على نفسها بفعل الاضطراب . آه يا ربى نطقت هذه العبارة بصوت عال رغما عنها . انه يعرف . لم تكن تعلم كيفية اكتشافه للحقيقة , لكنها متاكدة من الامر . ولهذا السبب عليها ان ترحل فى اسرع فرصة , عليها ان تغادر دينستون هاوس الى الابد 0 ****************************** l