الفصل السادس
السر الدفين !
-لقد غيرت رايى , فلننس الامر برمته 0
اختلجت هذه الكلمات على شفتى فانيسا وهى تواجه كال غرين على فرشة الجيدو , لكنها لم تستطع ان تنطقها ابدا . اخبرها ان الفرشة مصنوعة من التاتامى وهى عيدان نبات الارز بعد حصاده وتجفيفه . المعلومات غير مهمة بالنسبة لها , المهم وجودها اساسا فى هذا المكان . نظرت الى نفسها فى الرداء الابيض فادركت لماذا طلب منها كال ان ترتدى قميصا داخليا , ذلك ان الرداء كان فضفاضا بالرغم من الحزام الذى يشده حول خصرها . وعندما ربط لها الحزام , ابلغها ان السترة كثيرا ما تتمزق خلال التدريب , وطلب منها بابتسامة خفيفة الا تهتم , على الاقل فى المراحل الاولى 0
لاحظت فانيسا ان كال قد تغير بشكل يصعب تحديده . بدا وكانه انسان اخر تماما . فهو هادئ وواثق من نفسه بطريقة لم تعهدها فيه . نظر اليها وقال : اولا , وقبل كل شئ , يجب ان نحمى انفسنا , اى ان نعد عضلاتنا للحركة . فاريدك ان تراقبينى وتنفذى ما افعل بحذافيره . هل انت جاهزة ؟
-انا جاهزة 0
مررت فانيسا لسانها لترطب شفتيها الجافتين . عليها ان تركز على التدريب . فمهما كانت الاسباب التى تدفعه الى مساعدتها , لا شك انها ستستفيد من دروس الدفاع عن النفس , ولهذا السبب فقط يجب ان تعترف له بالجميل . بدات تكتشف ان حركات التحمية سهلة المتابعة , وسرعان ما شعرت بان عضلاتها لانت وارتخت خاصة عندما نفذت القفزات الامامية التى كانت تعتقد انها عاجزة عن القيام بها 0
-يكفى هذا , لننتقل الى المرحلة الثانية 0
توجه اليها وهو يقول : قفى منتصبة واريحى جسدك . اجل هكذا .. كلا , رقبتك ما تزال متصلبة . ارخيها تماما 0
كانت لمسته قوية دون قسوة ولا تحمل اى معنى شخصى . حركت فانيسا راسها استجابة لحركات اصابعه , وسمعته يقول : هذا افضل . والان , قبل ان اعلمك حركات جديدة , يجب ان تتعلمى السقوط الدفاعى بحيث لا تؤذين نفسك اذا ما سقطت 0
-انا مستعدة 0
استغربت كيف ظلت تحس دفء لمسته بالرغم من انه سحب اصابعه منذ فترة . اخذت نفسا عميقا لتسكن من روعها وتمنت فعلا لو انها تستطيع ان ترتاح كما يطلب منها . كم ستكون الامور اسهل اذا ما تناست شكوكها حول كال ، وركزت على ...
-هل تسمعيننى يا فانيسا ؟
-انا متاسفة 0
تضرج خداها بالدم لملاحظته , نظرت اليه فلم تر اية تعابير خاصة على وجه . جو العداء والتوتر ذهب الى غير رجعة , وكلامه كان هادئا ورصينا . لذلك شعرت بالراحة 0
-استلقى الان . ساقوم امامك بالسقطة الدفاعية 0
وسرعان ما استلقى على ظهره بحركة واحدة قوية 0
- والان راقبينى , اولا يجب ان تمارسى هذه الحركة , ثم تاتى حركة الانحناء البسيط المؤدية الى السقطة المريحة .. واذا ما نفذت الحركة بحذافيرها ستجدين ان بامكانك السقوط دون اى اذى 0
تابعت فانيسا مراقبة هذا الرجل , كان هناك شئ جذاب حوله , وهى تريد ان تتعلم بسرعة كى تثبت له انها تلميذة مجتهدة . وهكذا لاحظت حركاته , راقبته وهو يتدحرج على يمينه ويده ممتدة على طولها , لتقيه صدمة الارتطام بالارض ثم تاتي قدماه لاكمال الحركة . على وجهه امارات التركيز الشديد , لكن كلماته كانت هادئة طيلة الوقت وهو يخبرها عن تفاصيل السقطة الجانبية " يوكويوكومى " . وعن الاسماء اليابانية للعبة معروفة عالميا بحيث ان الناس الذين لا يعرفون الا لغتهم القومية قادرون على فهم التعابير كاملة 0
فجاة انتفض واقفا . جاء صوته عميقا وهو يقول: هيا , استلقى ارضا , لقد حان دورك 0
اطاعته فانيسا على الفور , واستلقى هو قريبا منها 0
-هذه هى الطريقة , الذراع ممدودة على طولها , حسنا , والان طبقى ما اقوم به 0
احست فانيسا بالضياع لفترة قصيرة . فقد كان هناك شئ غريب حول كال غرين وهو يلعب دور المدرب الغريب القادر على اداء مهمته بنجاح . فمع كل حركة وكل كلمة وكل لمسة منه كان جسمها يستجيب بسهولة . انها تريد اتقان اللعبة 0
وعلى حين غرة طلب منها ان تتوقف : هذا يكفى . دعينا ننتقل الى المرحلة التالية , فهل انت مستعدة ؟
-اعتقد ذلك . هل كنت على ما يرام ؟
اجابها بهدوء : لا باس بك 0
ولكنها شعرت بانه مسرور من ادائها بدون ان تدرى سبب هذا الشعور . جعلها تعيد تنفيذ السقطة الامامية , اولا من موقع الوقوف , مساعدا اياها على اخفاء راسها داخل جسمها وتقريب القدم اليسرى على اليمنى ثم من موقع الحركة ... وكل ذلك بدون ان تبدو عليه اية مشاعر او تعابير0
-يكفى الان , سناخذ قسطا من الراحة . اجلسى على الفرشة وساقوم امامك ببعض الحركات . بينما تريحين نفسك قليلا . فيجب ان لا تجهدى نفسك ، وارجو ان تخبرينى حين تشعرين بالتعب 0
ومع انها راقبت الحركات التى اداها خلال الدقائق القليلة التالية الا ان اهتمامها لم يكن مركزا فيها . لقد اخبرها قبل ان يبدا انه لن يعلمها اية سقطات غير السقطة الاولى , على الاقل فى هذه المرحلة , لكن لا شئ يمنع من ان يعرض امامها بعض الالعاب التى سياتى دورها لاحقا . وجدت نفسها معجبة بحركاته الرائعة . تعرف تماما انها لن تستطيع تنفيذ ما يقوم به , وهو بدوره لا يتوقع منه ذلك . ولكن الذى اثار اعجابها هو الرجل نفسه , فلقد كان انسانا مميزا .لم تكن ملابسه وحدها مختلفة .
بل تغيرت كل تصرفاته وتعابيره بطريقة جعلتها تشعر – واستغربت ذلك كثيرا- بالاحترام الشديد له . كان واثقا مما يقوم به , بالاضافة الى قدرته على افهام فانيسا طبيعة الحركات الصعبة .. فاستعادت ثقتها بنفسها بعد ثوان قليلة من نزولها الى الحلبة وبالتالى تمكنت من اتباع كافة التعليمات التى اعطاها 0
-هل انت مستعدة ؟
كان شعره مبعثرا وقد تدلت خصلة منه على جبينه . وجاهدت فانيسا كى تمنع رغبة راودتها بان تذهب اليه وترفع عن عينيه هذه الخصلة المتمردة . كانت الفكرة مضحكة . فماذا سيقول اذا ما نفذتها فعلا ؟
-اما زلت متعبة ؟
نظرت الى جبينه حيث ظهرت حبيبات من العرق . كان جو الغرفة دافئا . واحست فانيسا بحاجة الى كاس من الماء البارد , لكنها لم تتجرأ على الطلب . واجابته قائلة : اشعر بشئ من التعب , لكن لا شئ يهم ؟
ابتسم كال بهدوء ، وقال : يجب ان لا تجهدى نفسك . لا فائدة ترجى من التدريب اذا كانت عضلاتك لا تستجيب . فالمسالة تحتاج الى وقت 0
-انا متاكدة من ذلك , فانت مدرب ممتاز 0
لم تكن تنوى اطلاق هذا التعبير , لكن الكلام0 افلت قبل ان تفكر فيه 0
-شكرا لك , فلقد بدات التدريب باكرا 0
-انت تحمل الحزام الاسود 0
ولم تكن تنتظر جوابا لانه كان موجودا على خصره 0
-انا احمل الحزام الاسود , اما السيد ماكلين فيحمل الحزام البنى ... انه بارع فى اللعبة بالنسبة الى سنه 0
- لهذا السبب انت هنا ؟ اقصد كى تدربه ؟
هز راسه بالنفى وقال : لا ابدا . انا ضيف هنا فابى كان صديقا حميما للسيد ماكلين . ولذلك اخترت المكان لاقوم ببعض الكتابة...
تردد قبل الكلمة الاخيرة ثم تابع : كتابة بعض الاشياء الخاصة , وايضا جولات تدريبية فى الجيدو0
ادارت فانيسا راسها الى ناحية اخرى من الغرفة كى تخفى عن كال تعابير وجهها التى قد تكشف افكارها ... لكنها نسيت انه يقرا الافكار ايضا . احست باصابعه على ذقنها تعيد وجهها الى مكانه ونظر الى عينيها مباشرة وهو يقول : هيا , قولى ما تفكرين فيه !
-اقول ماذا ؟
-افكارك التى اخفيتها .. من اننى مجرد شخص كسول يمضى وقته متسكعا هنا 0
-لا تكن سخيفا 0
حاولت ان يخرج صوتها واثقا وقويا , اخر شئ تريده الان الدخول فى جدال معه . ليس الان , فهما فى حالة جيدة ومن العيب افساد كل شئ
-لا الومك اذا فكرت بتلك الطريقة . وفاجاها بقوله هذا . انا سافكر بالطريقة نفسها لو كنت مكانك . لكننى فعلا اشتغل فى اعداد كتاب0
-رواية ؟
ندمت لانها سالت مرة اخرى . فبقدر ما تبتعد عن تفاصيل حياته الخاصة بقدر ما تمنعه من العودة الى طرح الاسئلة المحرجة . وهو الشئ الذى لا تريده مطلقا . ولكن السؤال كان تادبا 0
-ليس رواية , انه كتاب عن الرحلات . لقد عدت للتو من جولة اوروبية واسعة , واريد ان اكتب انطباعى عنها 0
واكتفت بوضع علامة تعجب على وجهها وقررت ان تعود الى التدريب بسرعة . فالشئ الوحيد الذى تفكر به حاليا هو ابعاده عن التساؤل حول سبب وجودها فى دينستون هاوس . قالت : هل يمكن ان نعود الى التدريب ؟
-بالطبع . الان وقد تعلمت السقطة الدفاعية - وبشكل ممتاز بالنسبة لشخص مبتدئ - فسنقوم ببعض الحركات المشتركة . سوف ارميك.. لكنه توقف عندما لاحظ خوفها من هذه العبارة واوضح قائلا : ليس بالمعنى الكامل , اذ ساوقف الحركة قبل الوصول الى الارض . انها استمرار لما كنت اقوم به منفردا 0
امسك كل منهما كم الاخر وهما يواجهان بعضهما البعض 0
-احكمى قبضتك على كمى مهما حدث , وثقى بى 0
وفجاة , احست بقبضته تشتد فى حين بدا جسمه يتحرك . راته ينحنى على اطراف اصابعه , ولم تشعر الا وهى فاقدة التوازن . ثم دخل كتف كال تحت ذراعها وازداد جسمه انحناء . وبحركة واحدة منه وجدت نفسها مرمية من فوق كتفه 0
وفى لحظة رعب ادركت انها فقدت اتصالها بالارض , لكن دفعة لطيفة منه اكملت الحركة والقتها الى الفرشة . ودون ان تدرى نفذت السقطة الامامية , واصطدمت بالارض دون اية صعوبات . وعندما نهضت , رات كال يبتسم بعمق . كان شعورها مزيجا من الاعجاب والارتياح والضيق . فقد احست , رغم انه تصرف معها بلامبالاة , بشئ خاص فى لمساته ... آه كم كان قويا فى حركته 0
-مرة اخرى ؟ لم تكن الحركة سيئة على الاطلاق!
اخذت نفسا عميقا وقالت : لم تكن سيئة . فقد شعرت اننى ساطير 0
-قلت لك ان تثقى بى . واضاف بلهجة هادئة : لا اظنك تعتقدين اننى ساتركك تقعين بالفعل !
-لست ادرى ما يمكن ان اعتقد بشانك 0
مرة اخرى ندمت لان لسانها سبق عقلها . لقد فات الاوان , اذ تغيرت تعابير وجهه قليلا , ثم ابتسم : اعرف ذلك فالشعور متبادل , انا ايضا لا ادرى ما اعتقد بشانك0
- كم مضى على وجودنا هنا ؟
- حوالى الساعة . لماذا ؟ هل اكتفيت ؟
كان يراقبها بتمعن , وقد بدا جو التوتر يهيمن مجددا على الغرفة . خافت فانيسا من الوضع وارادت ان تهرب منه بسرعة : ان قدمى متعبتان قليلا 0
اعترفت بدون الحاجة الى الكذب , فالتعب قد حل بها فعلا 0
- اذن سنتوقف . لقد طلبت منك ان تبلغينى متى تعبت , على كل سنتابع الدروس غدا . عندها ستكون الامور افضل . وتستطيعين تعلم الحركات اسرع بعد تمارين اليوم 0
فكرت فانيسا بطريقة تخرجها من هذه الورطة . ثم ادركت ان هناك متسعا من الوقت لتفكر فى اعذار اذا وجدت ذلك ضروريا . وكان كال متعبا الى حد ما فلم يلحظ ترددها فى الاجابة 0
- اجل , الموعد غدا سيكون ممتازا 0
- بعد الظهر , حوالي الثالثة ؟
- موافقة . يجب ان اذهب الان . سابدل ملابسى فى غرفتى . وساعيد لك البزة فيما بعد 0
اجابها : احتفظى بها للغد , فستحتاجين اليها كثيرا 0
- شكرا على الدرس 0
نطقت هذه العبارة وهى تدخل الى غرفة تغيير الملابس لتاخذ صندلها . وانتظرت حتى اختفى فى الغرفة الثانية , ثم اطلقت ساقيها هربا الى غرفتها 0
لم يخبرها احد ان هيثر ووالدتها ستكونان على العشاء تلك الليلة , ولذلك احست بانها خدعت عندما دخلت غرفة الطعام ووجدتهما مع كال وجدها وهم يتحدثون ويضحكون . كان كال مشغولا فى حديث هامس مع هيثر , بينما جدها يضحك لعبارات اطلقتها السيدة ماكرى . ترددت فانيسا فى الدخول كى لا تحطم ما اعتبرته جوا مكتملا , وفكرت فى العودة من حيث اتت . لكنها تاخرت , لان كال سمعها , فاستدار قائلا : ها هى فانيسا 0
استدار جدها ايضا وقال : تعالى يا فانيسا , تعالى . لقد تعرفت اليها يا آن على ما اعتقد ؟
ابتسمت السيدة ماكرى ملء فمها وقالت : كيف حالك يا عزيزتى ؟
- على احسن ما يرام . شكرا لك يا سيدة ماكرى 0
ردت فانيسا التحية باحسن منها . فهذه الامرأة الطف كثيرا من ابنتها. وتاسفت لان ذوق السيدة ماكرى فى الملابس ضعيف جدا . كان ثوبها الطويل غير مناسب لها ، لونه الاصفر الفاقع انعكس على وجهها فزاده ضعفا وشحوبا . اما جدها فقد كان شديد الاهتمام بهذه الامرأة , وشاهدت فانيسا فى عينيه نظرة دفء وهو يرنو اليها , وفكرت فانسا فى سرها : لا شك انه يحبها واحست بشعور غريب لهذه الفكرة . هل كال على علاقة حب مع الابنة ايضا ؟ وهل هذا السبب الذى جعلها تبقى ؟
وسرعان ما وجدت نظراتها تلاحق الاثنين اللذين وقفا بالقرب من النافذة . من الصعب ان تفهم عرقتهما , فرجل مثل كال يستطيع ان يخفى كل مشاعره اذا اراد ، ولكنه الان لا يظهر الا الاهتمام الشديد بهذه الفتاة الجميلة . راته يشعل لها سيكارتها , ولاحظت ان يدها لامست يده لثوان وهو يقرب الولاعة من السيكارة . استدارت فانيسا بسرعة وسمعت جدها يقول : والان يا فانيسا , حدثينا عن درسك الاول اليوم ؟
احدث السؤال جوا من الصمت فى الغرفة . وبدا لفانيسا ان هيثر اصغت بكل جوارحها . والان كيف تستطيع الاجابة على السؤال بدون ان تزيد فى عداء الشقراء الجميلة لها ؟ كم تتمنى لو انها لم تات ابدا !
-كل شئ كان على ما يرام . شعرت بعد انتهاء الدرس ببعض التصلب , لكنه زال بسرعة 0
واضافت تقول لنفسها : ارجوكم , دعونا نغير الموضوع برمته 0
تساءلت آن ماكرى بصوتها الواضح العالى : اى درس تقصد يا اندرو؟
ضحك اندرو ماكلين وهو يقول : يعتقد كال ان فانيسا تحتاج الى بعض الدروس فى الدفاع عن النفس , لذلك اخذها الى غرفة الرياضة هذا الصباح وعلمها بعض الحركات 0
التفتت السيدة ماكرى ببطء الى فانيسا التى احست بقلبها يغرق بين اضلعها 0
- حقا ؟
انه شئ ممتع . وتابع الصوت البارد يقول : اخبرينى , هل وجدت الامر صعبا , اقصد اليست الدروس قاسية عليك ؟
وبدت علامات الاشمئزاز على وجهها عندما طرحت السؤال الاخير 0
- لقد تعلمت اولا السقطة الدفاعية , هذه كانت سهلة الى حد ما 0
عندها لاحظت فانيسا تعابير هيثر , حيث الغضب المكتوم يزار فى العينين الجميلتين . ليس لديها شئ تخسره فهى لم تباشر الحديث ولذلك فليتحمل الاخرون مسؤولياتهم , فتابعت تقول : ثم علمنى كال شيئا مختلفا تماما وهو عبارة عن رميى الى الارض بدون الاصطدام بها .. كانت الحركة ممتازة 0
ولم تعرف لماذا التفتت الى كال وابتسمت له , كما لم تعرف ما الذى يدفعها الى هذا الموقف . غدا ستفكر فى الامر , اما الان فهى لا تهتم ابدا . هز كال راسه بدون ان يظهر اى تعبير وقال : كانت حركة سهلة للغاية . وعما قريب ستستطيعين اتقان الاصعب 0
- انك مدرب رائع 0
كان الجميع يراقبونها : جدها باهتمام ملحوظ , والسيدة ماكرى بامتعاض بالغ , وهيثر بعداء سافر ... اما كال , فقد بدا وكانه يتمتع بالموقف كله 0
.. وقوى جدا ايضا 0
ابتسمت بعمق وهي تنظر الى هيثر . فكرت فى نفسها : فلتعتقد ما تشاء حول الدروس واذا ما صدقت توقعاتى فان كال سيواجه المتاعب فيما بعد . انها غير مهتمة ابدا . تابعت وهى تنظر الى جدها ولكن الحديث موجه الى هيثر الجميلة :
فما ان رفعنى حتى رمانى ثم انزلنى بلطف الى الارض , وكل ذلك دون ان يتركنى . كان الاحساس عميقا ومخيفا الى حد ما , ولكننى لم ارتعب 0
هز اندرو ماكلين راسه انفعالا وقال : كم اتمنى لو اننى كنت هناك !
ثم تكلمت هيثر بهدوء , لكن فانيسا شعرت بالغضب الكامن فى داخلها : لم تخبرنى يا كال بانك خبير فى لعبة الجيدو0
-لم اعتقد انك مهتمة بهذه الناحية يا عزيزتى 0
كم هو يختلف الان عن مدرب الجيدو البارد الاعصاب الذى كانه قبل ساعات 0 دخلت السيدة بانكس بالطعام المكون من السمك المشوى والعجة والبطاطا , فتوجه الجميع الى مقاعدهم .. وهدات ردود الفعل . لماذا كان عليها ان تثير غضب هيثر الى هذا الحد ؟ خاصة ان الامسية ما تزال فى اولها . قررت ان تذهب الى غرفتها فور انتهاء العشاء . وعندما ابلغت جدها عن رغبتها فى الاستئذان والانصراف وافق على ذلك عن طيب خاطر . وادركت انه لا يريد اية مشاكل باعتبار ان هيثر ووالدتها صديقتان مقربتان , وخاصة الام 0
امتلات نفس فانيسا ببعض مشاعر الحزن وهى تصعد السلالم , ولما وصلت الى غرفتها احست بالوحدة تجتاحها بعمق .. وظلت تسيطر عليها صورة المجموعة التى ما زالت تمضى الليل فى الصالون ضاحكة ومستانسة . لقد كانت الغريبة غير المرغوبة بينهم 0
لم تستطع ان تقرا ايا من الكتب التى استعارتها . ولا ان تشاهد برامج التلفاز المنوعة . وبعد نصف ساعة من التنقل بين مسلسل تلفزيونى قديم , وكتاب بوليسي ممل , رمت الكتاب على السرير بنزق واقفلت الشاشة الصغيرة . ثم تذكرت فجاة الصحف القديمة فى المكتبة . يمكن ان تقضى مع هذه الصحف ساعة او اكثر , تذهب بعدها الى النوم بسهولة 0
فتحت فانيسا باب غرفتها وتمهلت قليلا للاستماع الى الاصوات المنبعثة من تحت . الاضواء الخفيفة تنير السلالم والقاعة الكبرى فى حين تردد فى الصالون اصداء اصوات وضحكات خافتة . لن يسمعها احد الان اذا ما نزلت الى المكتبة .. وحتى لو سمعوها , فهذا غير مهم 0
اضاءت احدى الثريات فى المكتبة وتوجهت بهدوء الى المكان الذى وضعت فيه الصحف . وتساءلت اذا كان الافضل لها ان تحمل الصندوق كله الى غرفتها او تكتفى ببعض الاعداد . ففى هذه المجموعة اشياء كثيرة للقراءة , ولذلك فان بعضها يكفى . ولكن من ناحية اخرى يجب العمل على ترتيبها زمنيا وهذا يعنى اخذها كلها . لذلك قررت حمل المجموعة كاملة للعمل على ترتيبها اولا ومن ثم تقراها , فهذا يوفر عليها الوقت فيما بعد . لم يكن الصندوق ثقيلا جدا , ولكنها عندما انحنت لحمله اوقعت احد الكتب على الارض محدثة صوتا عاليا 0
اضطربت قليلا , ثم وضعت الصندوق ارضا كى تلتقط الكتاب وتعيده الى مكانه . وفجاة طغى ضوء ساطع على الغرفة فالتفتت لتجد كال واقفا فى الباب . وشعرت كانها اعتقلت بالجرم المشهود 0
سار باتجاهها وهو يبتسم : حسنا , حسنا .. ماذا تفعلين ؟
استعادت فانيسا رباطة جاشها بعد لحظات الاضطراب الاولى وقالت: قررت ان احمل الصحف القديمة الى غرفتى للاطلاع عليها .. هذا كل شئ !
كانت قد تجنبت النظر اليه مباشرة وهما فى غرفة الطعام , لكنها فعلت الان . والواقع ان لا خيار لها سوى النظر الى هذا الرجل الجذاب فى بدلته السوداء الفاحمة وقميصه الابيض وربطة عنقه السوداء ايضا . والذى يتناقض تماما عما كان عليه فى الصباح . بدا وجهه غامضا ومظلما لان الضوء الاساسى كان ينبعث من خلفه . استدارت فانيسا بقلق وانحنت تلتقط الكتاب لتعيده الى الرف 0
قال : ساحمل لك الصندوق الى غرفتك 0
- لا حاجة الى ذلك , فاصدقاؤك سيتساءلون عنك بعد قليل 0
لم تقصد ان تثيره بهذا الكلام , لكنها فعلت اذ لاحظت على وجهه ابتسامة غاضبة وهو يتجاوزها نحو الصندوق 0
اجابها بجفاء واضح: الجو بارد جدا هناك , والفضل فى ذلك يعود- بدون شك - الى التفاصيل التى رويتها عن دروس الجيدو 0
امتزجت فى نفس فانيسا احاسيس هى خليط من الشعور بالذنب لانها ورطت كال , وايضا الشعور بالظلم لانها لم تكن البادئة فى الحديث حول الموضوع . استعادت هدوءها وقالت : مهما كان الامر , فلم اكن انا التى اثرت الموضوع فى الاساس . وعليك ان تتذكر هذا الواقع 0
تضرج خداها بالدم وراح صدرها ينتفض بفعل الغضب , وما لم تنتبه له انذاك انها كانت تبدو جميلة ومثيرة للغاية . والشئ الوحيد الذى خطر على بالها وجه هيثر المنفعل عند سماعها القصة ..
- اهداى الان ايتها القطة المتوحشة 0
بدا كال مستمتعا بغضب فانيسا وهو يحمل صندوق الصحف القديمة . اما فانيسا فلم تكن راغبة فى مواصلة الحديث , لذلك استدارت خارجة من المكتبة ، وتركته مع الصندوق .. فاذا اراد حمله فليكن , والا فالا الجحيم هو والصحف 0
هرعت راكضة طول الطريق الى غرفتها , وعندما وصلتها تمهلت تستمع لوقع خطواته . الاكيد انه لن ياتى ! سيضع الصندوق ارضا ويهز كتفيه العريضتين ويقول : الى الجحيم انتِ ايضا... ثم يعود الى صديقته التى تنتظره 0
- اياك ان تهربى منى مرة ثانية 0
دخل الغرفة وراءها واغلق الباب بقدمه . وجه اليها النظرة الباردة نفسها ثم وضع الصندوق على الكرسى وقال : هل تهربين من الناس دائما عندما يحمى وطيس النقاش 0
اتسعت عينا فانيسا دهشة وهى تقول : انا اهرب ؟ لا شك انك تمزح . اى نقاش تتحدث عنه ؟ لقد قلت لك ببساطة 0
- رواية متوازنة بسيطة حول التمارين الصباحية , اجل , سمعت ذلك وشاهدت وجهك , كنت تستمتعين بردة الفعل , اليس كذلك ؟
سارت فانيسا نحو الباب لتفتحه وبدات تقول : هل تسمح ؟
لكنه اوقفها واعادها الى مكانها بسرعة 0
- كلا . لن اغادر الغرفة , ليس قبل ان اكون مستعدا 0
امسك ذراعها , ومع ان قبضته لم تكن قوية الا انها كانت حازمة بما فيه الكفاية 0
- هل تستعمل اسلوب القوة الجسدية دائما مع النساء اللواتى لا يوافقنك اراءك ؟ لا بد انك ربحت العديد من المناقشات بهذا الاسلوب 0
ثم سحبت يدها بقوة وقالت : دعنى لوحدى فورا 0
- لن اتركك . على كل , النساء لسن مثلك كلهن , فانت تملكين طباعا حادة جدا , تذكرنى بشخص….
تجمدت فى مكانها . اتضح الان السبب الذى جاء من اجله , وسينطق بالكلمة فى اية لحظة ...
عليها ان تفعل اى شئ لتغير الموضوع . اى شئ لابعاده عن الموضوع السرى الذى تكتمه , فجاة صرخت الما , ولاحت الدموع فى عينيها , هذه الدموع التى تستطيع سكبها ساعة تشاء : انك تؤلمنى .. اترك معصمى...
اطلق سراحها فورا , ثم رفع ذقنها الى الاعلى ونظر فى عينيها بحدة : يا الهى .. وتعرفين فن التمثيل ايضا !
- لست ادرى .. لست ادرى ما تقصد 0
بدات تعتاد دورها بسهولة , ما دام قد ابتعد عن الموضوع الاساسى 0
اجاب ضاحك : انت تعرفين تماما . يا لك من امرأة . ثم ضربها بلطف على ذقنها واضاف : وداعا يا سارة برنار, كما تعرفين انا لا احتمل منظر الدموع , لذلك ساعود الى تحت حيث الجو اكثر برودة من هنا. ولا شك اننى استطيع التعبير عن نفسى بسهولة هناك بدل المشاكل هنا 0
وابتسم لها بعمق قبل ان يستدير خارجا 0
وقفت فانيسا فى مكانها تراقب الباب المغلق قبل ان تتحرك باتجاه صندوق الصحف . ترددت قليلا , ثم حملته الى طاولة صغيرة تحت النافذة وبدات بفرز الصحف0
اخرجت حوالى مئتى صحيفة من الصندوق , بعضها كان فى حالة رثة وقد اصفرت اوراقه تماما , والبعض الاخرى ما زال فى حالة جيدة . المجموعة تحتاج الى عمل متواصل وطويل , ولكن فانيسا تدرك بانها ستجد فيها اشياء اكثر اهمية مما فى الكتب . رفعت حزمة من اعداد جريدة التايمز تعود الى العام 1854 ووضعتها على الطاولة . كانت الاوراق صفراء مهلهلة وقد علاها الغبار , وتساءلت فانيسا عن المدة التى ظلت فيها هذه الصحف مهملة منسية فى الصندوق . وفجاة اكتشفت شيئا مهما 0
الورقتان اللتان وجدتهما كانتا فى قعر الصندوق تقريبا . رفعتهما فانيسا بادئ الامر بدون ان تعرف مضمونهما وكانت على وشك ان تضعهما جانبا عندما لاحظت الاسم المكتوب على اعلى كل ورقة .. فتوقفت ..
تردد اسم اندرو ماكلين ما لا يقل عن ثلاثين مرة بالنمط نفسه , وكان شخصا ما كان يحاول التمرن على توقيع جدها . قربت فانيسا الورقة من الضوء للتمعن فى التواقيع فانكشفت الورقة الثانية بما تضمه من كتابة . كانت عبارة عما يشبه رسالة باستثناء كون الكتابة تبدا من منتصف الورقة . لم تكن فانيسا راغبة فى قراءة رسائل الاخرين لكن شيئا ما دفعها لذلك , فوجدت نفسها تمضى قدما فى القراءة0
الرسالة المكتوبة على الورق كانت على الشكل التالي : انا الموقع ادناه , اخول حامل الرسالة جون ماكلين قبض الشيك المرفق ، وايضا سحب محتويات صندوق الودائع الخاص بى والذى يحمل الرقم….
لم تعد قادرة على القراءة اكثر . فقد ادركت فورا السبب الذى من اجله تكرر توقيع جدها على الورقة الثانية . قربت الورقتين من بعضهما . لاحظت ان الرسالة ممهورة بتوقيع هو نسخة مطابقة للتواقيع الموجودة على الورقة الاولى . لا مجال للشك الان ان هناك شخص ما تمرن على تقليد توقيع اندرو ماكلين حتى اتقنه , ثم كتب رسالة التوكل والشيك طبعا ... ولسبب غير معروف وجدت الورقتان طريقهما الى الصندوق .. ولكن من هو الفاعل ؟ ليس هناك سوى جواب واحد ، ففانيسا لا تعرف الا شخصا واحدا يدعى جون ماكلين .. انه ابوها ...
خرجت فانيسا الى نزهة صباحية فور الانتهاء من الاستحمام وارتداء ملابسها . موعد الفطور بعد الساعة التاسعة كما كان يوم الاحد الماضى ، لكنها لم تكن تشعر بشهية للاكل . فالاكتشاف الذى وقعت عليه مساء امس اثقل عليها نفسها وجسدها ولم يترك مجالا للطعام او الشراب . لا تريد ان تاكل شيئا . وتشعر الان وكانها لن تاكل مرة اخرى في حياتها . تسللت من الباب الامامى بعد ان ارتدت معطفا ثقيلا , ذلك ان الهواء كان باردا ومشبعا بالرطوبة , والضباب يخيم على البساتين والغابات . استدارت يسارا وسارت فى الممر الطويل مطاطاة الراس واضعة يديها عميقا فى جيبى معطفها , بدون ان تنتبه الى الرجل الذى كان يراقبها من احدى نوافذ البيت 0
ولانها لم تنم امس الا نوما متقطعا قلقا , فقد اظهرت الظلال الداكنة التى تركها السهر تحت عينيها بياض وجهها اكثر من المعتاد . تفرع الممر الذى تسير عليه الى اتجاهين . اخذت الاتجاه الذى يمر خلف المنزل ثم يمتد مسافة ميل تقريبا. وسارت دون ان تعى ما يدور حولها , ودون ان تعرف الى اين 0
لم تعد فانيسا ترى سوى ورقة تحمل تواقيع مزورة – الارجح من قبل ابيها - وهذا ما يجعله مجرما , ان لم يكن فى الواقع فعلى الاقل بالنية . هل مضى والدها قدما فى عمليته ؟ وهل نجح فى التزوير ام اكتشفوه ؟ لن تجرؤ على سؤال احد ، ابدا . وادركت الان سبب مجيئها الى ينستون هاوس , مع كل الاسباب الموجبة لذلك , من يستطيع القول الان ان والدها كان على حق فى كل ما اخبرها به من ان جدها كان قاسيا ومجحفا بحق ابنه الوحيد ؟ ربما كانت له اسبابه المعقولة ؟ لقد صدقت فانيسا كل القصص التى حدثها بها والدها عن معاملة اندرو ماكلين السيئة , عن بخله فى المال , عن رفضه السماح له باختيار شريكة حياته , وعن اشياء اخرى كثيرة .. بحيث اضطر اخيرا الى ترك المنزل وتاسيس حياة خاصة به . لكنه لم يشر ابدا الى التواقيع المزورة , وربما ترك اشياء كثيرة اخرى دون ان يبوح بها .. وتذكرت فانيسا ادمان والدها على المقامرة وكيف كان يطلب منها اختيار اسماء احصنة السباق . كان الامر طريفا وهى طفلة , طفلة تحب والدها حتى الجنون .. لكن هذه الطفلة لم تعد قادرة على فهم دموع امها . او نقاش والديها حول المال . وفجاة طغت على ذهنها صورة واضحة تماما , مثل صورة نصف مكتملة جاءت الاجزاء الناقصة لترسم معالمها الجلية . تابعت السير وكانها تحاول الهرب من سيل الذكريات المزعجة .. ثم جاء صوت مفاجئ : صباح الخير . اليس الوقت مبكرا على النزهات الصباحية ؟
رفعت راسها لتجد لورى واقفا امامها , والى يمينها الابنية الريفية الرمادية0
- صباح النور . كنت بحاجة الى نزهة صباحية 0
سالها لورى باهتمام : هل انت على ما يرام ؟
عاد القلق الى نفسها خوفا من ان يكشف فيها شيئا غريبا : كل شئ طبيعى , فماذا تقصد بسؤالك ؟
- وجهك شاحب اللون , ويؤسفنى ان اقول انك كمن خرج لتوه من صدمة عنيفة . فاذا كنت تشعرين بالانزعاج , فانا على استعداد للبقاء معك قليلا 0
جاهدت فانيسا كى تبتسم له : شكرا يا لورى , لا ضرورة لذلك فسوف اعود الى البيت بعد قليل , على فكرة , ماذا يوجد فى نهاية هذا الممر؟
- لا شئ مجرد بحيرة صغيرة , وبعض الاشجار وبيت ريفى مهجور , فالممر يستمر لمدة ميل تقريبا ثم يعود الى البيت الرئيسى من الجهة الاخرى . هل تريدين ان اخذك اليه ؟
- لا , شكرا لك0
احست بدوخة خفيفة عندما هزت راسها بالنفى . مد لورى ذراعه لها وقال : تعالى معى , فليس فى البيت غير امى وهى ستعد لك فنجانا من الشاى 0
اغراء الشاى كان كبيرا , لكنها لم تكن راغبة فى الوقت الحالى بمقابلة اى انسان . تريد فقط ان تكون لوحدها وتفكر بكل شئ .. وهى غير مستعدة لمحادثة احد 0
- شكرا يا لورى , ساعود الان الى البيت , فارجوك ان لا ترافقنى .. صدقنى انا بحالة جيدة 0
-حسنا , انا ذاهب بالاتجاه نفسه فى اى حال , فهيا بنا0
لا مجال الان للهرب منه , والافضل ان تلجا الى غرفتها باسرع ما يمكن0
ابتسمت بعمق هذه المرة وقالت : حسنا يا لورى . لكننى اؤكد لك باننى لن اسقط خلال المشوار!
رد بابتسامة اكبر : هذا يدعو للاسف , فساكون مسرورا اذا حملتك طول االطريق الى البيت0
سارا لعدة لحظات وسط صمت مطبق , في حين كان الضباب يذوب تدريجيا بفعل اشعة الشمس التى بدات تطل من الشرق واعدة بيوم دافئ جميل0
قال لها وهما يقتربان من البيت : ساتى الى المكتبة غدا صباحا0
- حسنا جدا0
لن تاتى على ذكر الصحف القديمة الا اذا سالها فى حالة ملاحظته اختفاء الصندوق . لقد اخفت الورقتين فى قعر احد ادراج طاولة الزينة , علها تجد تفسيرا بريئا .. وسيكون الامر مستحيلا اذا ما اتلفتهما . ومع انها تعرف تماما ان لا امل يرتجى الا انها اصرت على التمسك بالسراب0
- فانيسا ؟
- نعم !
- قلت , هل انت على ما يرام ؟
- طبعا .. طبعا .. انا اسفة . شكرا لك يا لورى , اراك غدا0
كانا قد وصلا الى مدخل البيت , فاستدار لورى مبتعدا . قالت فانيسا باستغراب: الن تدخل الى البيت ؟
- لا . كنت اريد الاطمئنان عليك فقط. فهيا اذهبى وتناولى افطارا شهيا , وستشعرين على الفور بالتحسن0
لمست ذراعه اعرابا عن الشكر وقالت : انا ممتنة لك يا لورى . فشكرا جزيلا على كل شئ0
استدارت ودخلت البيت مسرعة . وما ان وطات قدمها عتبة البيت حتى اجتاحها شعور بالحزن العميق . تمهلت للحظة كى تسيطر على احاسيسها وتحاول تناسى كل ما حدث . ولكنها لم تستطع . فهذا بيت ابيها وبيت جدها , ولا فائدة من تناسى الماضى واحداثه . ابتلعت بعض الدموع التى انحدرت على خديها واسرعت باتجاه غرفتها 0
استلقت على سريرها وتركت لدموعها العنان , فاحست بها ساخنة حارة ومؤلمة ... ثم دفنت وجهها فى المخدة وانفجرت منتحبة 0
ولم تسمع قرع الباب , كما لم تسمع الصوت الذى ناداها . وظلت على حالها حتى فتح الباب ودخل اندرو ماكلين الغرفة. نهضت وقد انعقد لسانها وملكتها الدهشة , ولم تدرك للوهلة الاولى , بسبب الدموع التى منعتها من الرؤية الواضحة , ما اذا كان هذا جدها او كال 0
ثم جاء صوت جدها: ماذا بك يا ابنتي العزيزة ؟
لم تحر فانيسا جوابا عندما اقترب منها . ضاعت كل الكلمات من ذهنها . فاكتفت بهز راسها بلا وعى 0
وضع ذراعه على كتفها وقال : ما الامر؟ هل فعلنا شيئا اساء اليك ؟ بحق السماء يا فانيسا اوقفى هذا النحيب , فانا لا استطيع ان اراك باكية ! ارجوك اهداى 0
وتدريجيا اثر رجاؤه فيها . فاستطاعت من بين شهقات البكاء ان تجيب : انا اسفة ! لا , لم يصدر عنكم ما اساء الى . لا استطيع ان اخبرك السبب . المسالة خاصة جدا0
جلس على المقعد قبالتها وقال : فى هذه الحالة لن اكرر السؤال . لكن ارجوك , دعينى اساعدك اذا امكن . لم تتناولى افطارك بعد , اليس كذلك 0
- كلا 0
- اذن ستحضر لك السيد بانكس بعض الطعام . واصر بعد ذلك على ان تنزلى الى الصالة فنتحدث قليلا حول فنجان القهوة0
نظرت اليه فانيسا وقالت: ولكنك يجب ان تذهب الى اشغالك هذا الصباح !
ابتسم وقال : يمكننى تاجيل اعمالى هذا الاسبوع . فلن اغادر البيت واتركك على هذه الحالة دون ان اعرف السبب . كما اننى اتردد فى سؤال كال لانه مشغول فى الكتابة ... والى جانب ذلك 0
وتوقف عن الكلام فجاة 0
فحثته قائلة : ماذا ؟
ابتسم متابعا : لدى انطباع بانكما اشعلتما النيران فى انفسكما0
قاطعته بتنهيدة احتجاج وانكار , فضحك قائلا : لا تغضبى يا عزيزتى , انا افهم الوضع تماما . كان من الطبيعى ان تصطدما ببعضكما البعض . فكال رجل عدائى جدا , اما انت فانطباعى عنك انك امرأة ذات ارادة قوية , انا احب مثل هذه المرأة . واعتقد ان دروس الجيدو ستعطى مفعولا قويا عندما تقطعين مرحلة منها0
وعلى الرغم من كل شئ ابتسمت فانيسا لكلام جدها : انا اسفة , لم ادرك….
قاطعها واقفا : لا تهتمى ابدا . انا اتمتع بوجود الشباب حولى . والان , اقترح عليك ان تغسلي وجهك بينما اطلب من السيدة بانكس اعداد فطورك ... وبعد الطعام اراك فى الصالون0
غادر الغرفة واغلق الباب خلفه بهدوء 0
ملات فانيسا الحوض بالماء البارد وغمست وجهها فيه مع ابقاء عينيها مفتوحتين . انها خدعة تعلمتها منذ سنوات لترطيب العينين وازالة الاحمرر منهما . وبينما هى تنشف وجهها سمعت السيدة بانكس على الباب , فدعتها الى الدخول 0
الافطار الذى جاءت به السيدة بانكس يتكون من بعض الخبز المحمص الى جانب البيض المقلى مع الفطر ثم الزبدة والعسل ... وطبعا فنجان قهوة 0
قالت فانيسا : شكرا جزيلا لك يا سيدة بانكس0
ردت مدبرة المنزل وهى تسعل : لقد طلب منى ذلك , قال انك لست على ما يرام0 -لم اكن مرتاحة . لكننى ساشعر بالتحسن عندما اتناول هذا الافطار الشهى 0
هزت السيدة بانكس راسها وكانها غير مقتنعة بما قالته فانيسا : حسنا ساتركك الى طعامك الان 0
وذهبت . وتنهدت فانيسا وتساءلت عما اذا كانت ستخترق تحفظ هذه المرأة فى يوم من الايام . لكنها لن تستطيع , لانها غير باقية هنا طويلا خاصة بعد اكتشافها الليلة الماضية . فكل خطط الانتقام التى رسمتها ضد جدها تلاشت , حطمتها حقيقة الورقتين القديمتين , واخذت تفكر بالوقت المناسب لمغادرة البيت . صحيح ان هناك عملا كثيرا فى المكتبة لكنها لا تستطيع تحمل البقاء هنا طيلة هذا الوقت محتفظة لنفسها بالسر الذى اتضح لها . كما انها لا تستطيع مصارحة جدها بالحقيقة , كيف تجرؤ على ايذائه ؟ لقد استطاع تجاوز آلام السنوات الماضية , فهل يجب عليها ان تفتح له الجراح الملتئمة ؟ من الافضل ان تنسحب بهدوء ... ولا تعود ابدا 0
بعد فترة من الزمن سيخف شوقه لحفيدته المجهولة . فكرت ان تخبره عن حقيقتها , لكنها اسقطت الفكرة فورا , اذ كيف يمكن ان تعترف بالخدعة التى خططت لها ؟ وبانها قررت ان تخبره حقيقة شخصيتها قبل ان تخرج من حياته مرة اخرى والى الابد ؟ اما بعد ان تعرفت اليه فلن تتمكن من اخباره . ليس الان , فقد فات الاوان .. فات الاوان نهائيا 0
لورى يستطيع ان ينجز العمل فى المكتبة . ولم لا ؟ فهو يعمل بنشاط وقادر على متابعة المهمة . بالاضافة الى ذلك يحب الكتب , خاصة الكتب القديمة , مثله مثل صاحب البيت0
جلست الى الطاولة بعد ان رفعت عنها الكتب والجرائد , وبدات تقلب فى ذهنها طرق اقناع لورى بمواصلة العمل بعد ان ترحل . انه ات الى المكتبة يوم الاثنين ، ورغبته فى العمل معها يوميا واضحة كما انها مقبولة من جميع المعنيين . وهذا سيكون ترتيبا معقولا ولا يسبب اية ازمات . والمهم فى النهاية ان يتم ترتيب وفهرسة الكتب 0
وبدات فانيسا تشعر ببعض التحسن وهى تتناول طعامها . هذا التحسن الخفيف يكفى الان على الاقل0
لكن مشاعرها عادت اليها فى وقت لاحق من النهار عندما نزلت الى غرفة الرياضة . شاركها اندرو ماكلين الغداء فى حين كان كال خارج البيت . وقد حاول جدها كما فعل طول النهار ان يسليها ويرفه عنها . ابلغها عن بعض ارتباطاته واشغاله ... ورغم كل شئ بدات تحس باعجاب متزايد اتجاهه . وجدت انه شغوف بعمله , وله مصالح متعددة منتشرة من ابردين الى لندن , تدفعه الى التنقل كثيرا بين بريطانيا واوروبا . وبعيدا عن شؤون العمل اكتشفت حساسية مرهفة فى طباعه . ومع ان والدها وصف لها جدها بانه قاسى القلب , الا ان الحقيقة كانت مختلفة ..
ذهبت فانيسا الى غرفة الرياضة واحاسيس متضاربة تختلج فى نفسها , وتمنت لو تجد كال غرين قبل ان يرتدى بزة الجيدو لتطلب منه ان لا يزعج نفسه بذلك . والواقع انها لا تريد ان تمضى وقتا طويلا معه , فعيناه الحادتان قادرتان على اختراق افكارها والوقوف على مشاعرها ... وهذا ما لا ترغب به الان 0
الصمت يخيم على غرفة الرياضة , عبرت فانيسا باتجاه غرف تغيير الملابس وهى تنادى : كال ! وادركت بعد فوات الاوان انها نادته باسمه الاول , فعضت شفتها السفلى ندما . ومع ذلك ليس هناك مجال اخر , فمناداته باسم سيد غرين ستثير سخريته دون شك 0
- ساكون معك خلال دقيقة 0
اذن هو فى الداخل . بعد لحظة خرج اليها وعلى وجهه علامة استفهام . فانيسا تعرف ان احداث الصباح تركت اثارها على وجهها بحيث لا يمكن للماكياج ان يخفيها 0
قالت وهى تجهد دون جدوى لاخفاء مشاعرها : كنت اتساءل اذا كنت هنا , فالمكان كان صامتا تماما 0
نظر اليها باندهاش , فخشيت ان يكون جدها قد اخبره عن دموعها ونحيبها هذا الصباح , لم تكن متاكدة من ذلك , لكنها تمنت ان لا يكون جدها قد فعل 0
اجابها بهدوء : انا هنا , فهل انت مستعدة ؟
ترددت لحظة قبل ان تقول: اجل , لن اتاخر فى تغيير الملابس كثيرا 0
تجاوزته ودخلت الى الغرفة . ماذا بعد ؟ لم يكن لديها خيار . عليها ان تستمر بالرغم من شعورها بالضعف والاعياء 0
بعد دقائق كنا بمواجهة بعضهما البعض فوق فرشة الجيدو . وسرعان ما ارتاحت فانيسا بفعل حركات التحمية التى ادياها معا ، بالاضافة الى انه لم يثر اية تساؤلات0
طلب منها ان تكرر السقطة االدفاعية التى تعلمتها امس عدة مرات . واستغربت كيف انها استطاعت تنفيذها دون صعوبة تذكر، بحيث ان كال نفسه علق على ذلك فيما بعد قائلا : هل تعرفين ان حركتك طبيعية ؟
التفتت اليه بسرعة متوقعة ان تجد ظل السخرية وجهه ولكنها وجدت ابتسامة عذبة , وتابع يقول : اننى اعنى ما اقول , فانت طرية العود وممشوقة القوام 0
ردت بابتسامة عادية : شكرا لك 0
فى كل حال , انها ايام قليلة وتتخلص نهائيا من تساؤلاته المحرجة المستمرة , وكذلك من خوفها عندما يكون موجودا 0
وفجاة سالها : هل انت على ما يرام ؟
صدمها السؤال , فقالت متلعثمة : لماذا , انا .. اننى بخير , لكن لماذا تسال ؟
- تبدين شاحبة , ويجب ان لا تواصلى التدريب اذا كنت متعبة او منزعجة من شئ ما 0
ثم سالها دون مقدمات : هل ازعجك لورى ؟
رفعت فانيسا راسها باتجاهه دون ان تفهم ما الذى قصده بالسؤال : لورى ؟ انا لا افهم ما تقول ؟
- لقد ذهبت هذا الصباح لمقابلته ... وعندما عدت كنت فى حالة يرثى لها 0
هزت راسها وقد غامت الدنيا عن نظرها : لا ابدا لم يكن هو . كان….
ثم توقفت ونظرت اليه قائلة : ارجوك لا اريد الخوض فى هذا الموضوع0
ودون ان تشعر تراجعت عدة خطوات عن كال الذى لاحظ الامر فورا 0
سالها بقسوة : لا تقولى اننى اخيفك ؟
- لا .. فقط عندما ....
توقفت مرة اخرى وقد تسللت مشاعر الضيق مرة اخرى الى صدرها فكادت ان تخمد انفاسها . قالت: لا . ارجوك دعنا نواصل الدرس 0
قال : لا استطيع تدريبك وانت فى هذه الحالة , ليس وانت خائفة منى بشكل واضح0
انفجرت فى وجهه صائحة: لست خائفة منك . ليس عندما تدربنى ، فانت رائع عندها . لكن عندما تبدا بطرح اسئلتك فانى ... فانى لا اريد….
واختفى صوتها فى حنجرتها . لم يعد هناك مجال , فهو لن يتركها الان . ليس قبل ان تخبره الحقيقة كلها , او الاصح قبل ان يجبرها على الاعتراف بالحقيقة . لكن ابدا ... ابدا ... حدقت فيه بقوة ثم تراجعت مرعوبة . واستدارت راكضة الى غرفة تغيير الملابس . وقبل ان تغلق الباب وراءها كان هو هناك ليمنع اختفاءها 0
قال : بحق السماء ايتها الفتاة , ما الامر؟
- اذهب عنى . اريد ان اغادر المكان فورا ثم همست: ارجوك دعنى 0
- ليس قبل ان تخبرينى عن سبب خوفك. انا لا استطيع ان اتركك على هذه الحال0
- لا اريد ان اتحدث اليك . اذهب عنى 0
وحاولت يائسة ان تبعده عن الباب , فكانت كمن يناطح جدارا . لم يتحرك قيد انملة , لكنه وضع ذراعه حولها كى يسندها 0
- لن اذهب . والان اخبرينى ما القصة . لقد امضيت النهار كله فى البكاء والنحيب , اليس كذلك ؟
لم تجبه . حدقت فى عينيه مباشرة , لكنها اضطرت الى تحويل نظرها بفعل تاثير نظراته الحادة . الافضل ان لا تنظر اليه , وهو بالتالى لن يمسكها الى ما لا نهاية . ليست مضطرة للكلام . انه لا يستطيع اجبارها على ذلك . لكن التوتر اخذ يتزايد خاصة انهما كانا ملتصقين فى ذلك المدخل الضيق , فحاولت الافلات من قبضته 0
طالبها امرا : الم تمضى نهارك بالبكاء ؟ هيا اخبرينى 0
- اجل .. اجل .. لقد بكيت طول النهارثم ارتدت اليه قائلة : والان ما الذى ستفعله حول ذلك ؟ ماذا يعنيك الامر فى اى حال ؟ لا شئ . انت مجرد انسان فضولى .. فدعنى اذهب فورا . لا يحق لك ان تمسكنى رغما عن ارادتى .. اننى اكرهك ... اكرهك 0
- لا . انت لا تكرهيننى . وانا فضولى جدا لان بكاءك يتعلق بسبب وجودك فى هذا البيت , اليس كذلك ؟
كيف عرف هذا الامر ؟ لم تستطع ان تخفى دهشتها لانه لامس الحقيقة المجردة , وفى اية لحظة الان يمكن ان ... استجمعت شجاعتها المتناثرة وحررت نفسها من قبضته , ثم استدارت وحملت حذاءها وملابسها العادية قائلة : الان ساغير ملابسى , هل تسمعنى ؟ الان !
سالها بنعومة : ما هو اسمك الحقيقى ؟
- فانيسا كولينز . سبق ان قلت لك ذلك0
كان الجواب سريعا , ولكن ليس بما فيه الكفاية 0
..- وسميث ايضا , اتذكرين انك اخبرتنى ذلك ؟ لكنى لا اصدقك !
- لا يهمنى اذا صدقت او لم تصدق . فاذهب الى الجحيم . لا اريدك ان تعلمنى شيئا . انت حيوان ضخم فقط , وانا اكرهك0
خيمث ثوان من الصمت المتوتر على الاثنين الذين وقفا فى مواجهة بعضهما البعض دون ان يتفوه اى منهما بكلمة . وفجاة استدار كال خارجا واغلق الباب خلفه , اضطرت فانيسا التى اصبحت داخل الغرفة وحدها الى الجلوس لان قدميها ما عادتا تحملانها . من الواضح انه لم يستسلم بعد . ولذلك عليها مغادرة دينستون هاوس باسرع ما يمكن . فلو طالت مدة بقائها فى البيت , فان كال سيجد طريقة او اخرى لاكتشاف سرها الدفين 0
*************************************