الفصل الخامس
5- المواجهة الاولى 0
خشيت فانيسا ان تظهر على وجهها اثار الصدمة التى اصابتها , فى حين وقف الرجل عند الباب بثوان معدودة . احست بانها ترى والدها مرة اخرى لكنه اكبر عدة سنوات . كل شئ بدا لها مالوفا : الطريقة التى يقف ويمشى فيها , الوجه النحيف ذو التقاطيع الحادة , والعينان الزرقاوان النافذتان تحت حاجبين كثيفين . واخيرا تكلم : ها انتما هنا معا 0
وحتى صوته بدا مالوفا بحيث شعرت برغبة فى القفز اليه واخباره عن شخصيتها ... لكنها تمالكت اعصابها ، فقد كان كال يراقبها , ثم استدار الى الرجل القادم ووقف له 0
سار اندرو ماكلين باتجاههما: صباح الخير يا كال 0
ثم حول نظراته الحادة الى فانيسا وقال: صباح الخير يا انسة كولينز 0
اضطرت فانيسا الى مصافحته عندما استدار نحو الطاولة ، فاعتذرت له لانها استعملت يدها اليسرى ... وكانت ساقاها ترتجفان0
-هل تريد فنجانا من القهوة يا سيد ماكلين ؟
ساله كال وهو يسحب له الكرسى حول المائدة 0
-طبعا . لقد شربت فنجانا فى غرفتى ولكن لن امانع من فنجان اخر 0
استدار نحو كال الذى انشغل بسكب فنجان القهوة , ثم التفت نحو فانيسا مرة اخرى0
-اعتذر لاننى لم اكن هنا لاستقبالك . واتمنى ان يكون كال قد قام بالواجب . هل جال بك فى البيت ؟
-اجل , شكرا لك . كنا نتحدث عن اهمية الكتب الموجودة فى المكتبة 0
-اذن انت تجدينها ملفتة للنظر ؟ هذا جيد لاننى اؤمن دائما بانه من الافضل للانسان ان يعمل فى المجال الذى يحبه . هل واجهتك اية مشاكل ؟
-كلا يا سيد ماكلين 0
كان عليها ان تنطق اسمه - او بالاحرى اسمها - فى وقت ما . وكلما بكرت كلما كان الافضل . وعندما فعلت لم تجد الامر صعبا كما كانت تتخوف 0
-لكن حادثا مؤسفا وقع ليدك ! انا متاسف لذلك 0
كان الاهتمام الحقيقى واضحا فى صوته 0
-كانت غلطتى فى الاساس . وانا متاكدة من انها ستتحسن خلال ايام قليلة ... والحادث لن يؤثر على استمرار العمل 0
اعتقدت فى البدء انها تستطيع التحدث اليه بشكل طبيعى ، لكنها استطاعت . وكانت ستجد الامور اكثر سهولة لو ان كال غير موجود , هذا الرجل غير المتوقع الذى خلق لديها شعورا بالذنب وعدم الارتياح والذى يبدو انه يستمتع بذلك 0
وهنا تدخل كال : لورى يساعد الانسة كولينز الان 0
-حقا ؟
اعطاها جدها ابتسامة خفيفة وقال : يظهر اننى اسات فهمه , لقد رفض فى البدء باعتبار انه مشغول جدا 0
-لعله اكتشف انه يستطيع تدبر امره فى اى حال 0
ولم يكن فى صوت كال اى معنى , لكن فانيسا فهمت مقصده وتمنت لو انه يغادر الغرفة . والان ، بعد ان زالت صدمة رؤية جدها لاول مرة , وجدت نفسها تراقبه فى محاولة لتبين ملامحه بعيدا عن اية مشاعر شخصية , كما لو انه غريب تماما . فهذا ما يجب ان تفعله اذا ارادت ان لا تنكشف قبل ان يحين الموعد الذى لم تحدده بعد 0
اكتفت فانيسا باحتساء قهوتها بينما كان اندرو ماكلين يسال كال عن احوال البيت وعن الضيفتين اللتين زارتاه امس 0
رد كال : لقد انزعجتا قليلا لانك لم تكن هنا ، لكننى حاولت جهدى ان اهتم بهما 0
التفت الى فانيسا مبتسما , فردت عليه بنظرة باردة 0
-ساتصل بهما هاتفيا فى وقت لاحق . لم يكن بالامكان الحضور امس , فالرحلات من باريس محجوزة كلها 0
ابتلع اخر رشفة من قهوته ووقف قائلا : يجب ان اذهب لاداء بعض الاشغال . اراك فيما بعد يا انسة كولينز0
وغادر الغرفة مثل جندي طويل يسير ثابت الخطى . خيم الصمت بعده للحظات , ثم نهضت فانيسا : يجب ان ابدا العمل 0
وفجاة خطر على بالها خاطر . التفتت الى كال وسالته : ماذا عن الغداء ؟
نهض ببطء وهو يقول : الغداء ؟ ماذا تقصدين ؟
كانت تود ان تقول له : انت تعرف تماما ما اقصد , لكنك تجد متعة فى لخبطة الامور بالنسبة لى 0
لكنها قالت : اقصد اين ساتناول الغداء , فى غرفتى ؟
رفع حاجبيه ببطء : هنا مثلما فعلت امس 0
تنفست فانيسا بعمق وهدوء : لقد عاد السيد ماكلين الان . كان لطفا منك ان تدعونى الى غرفة الطعام اول مرة ، لكننى مجرد موظفة فى هذا البيت واتوقع ان ….
-موظفة ؟ يا لها من طريقة رائعة للتعبير عن الذات ! صحيح انك موظفة , لكن هل تعتقدين ان ذلك يعنى دعوتك الى المطبخ لتناول الطعام فى احدى زواياه ؟
احست بان دمها يغلى وهى تكبح جماح غضبها . يا له من رجل مكابر عنيد0
-انا متاكدة انك تعرف ما قصدت . انت ضيف هنا , ولا اعتقد انك تقدر موقفى 0
-الا اقدره فعلا ؟
وضاقت حدقتاه بغضب وهو يضيف: ستفاجاين اذا عرفت ان السيد ماكلين سيندهش , بل سيغضب , اذا ما اقترحت تناول طعامك فى اى مكان اخر 0
ولم يعد فى يدها حيلة . كيف يمكن ان تخبر رجلا كهذا بانها لا تريد ان تاكل معه لانه يخيفها ؟ انها لا تستطيع , وعليها قبول الواقع . وبدون ان تتفوه بكلمة استدارت خارجة من الغرفة . وقبل ان تصل الى الباب كان هو هناك اولا , وقال لها:اسمحى لى ان افتح لك الباب 0
-شكرا لك 0
وخرجت بسرعة بدون ان تنتظر لترى ما اذا كان يلحقها , قاصدة المكتبة لتبدا العمل . فهناك , وهناك فقط , ستجد نفسها قادرة على التفكير فى الرجل الذى التقته لاول مرة اليوم , الرجل الذى هو جدها ولكنه لا يعرف ذلك 0
اغلقت الباب وراءها ورمت الحقيبة على احد المقاعد . ارتدت الرداء الواقى وتساءلت عما اذا كان لورى سياتى لمساعدتها , ومتى ؟ احست ان الحادث الذى جرى بينهما اصبح من الماضى , مع انه وقع بالامس فقط 0
وكم تتمنى الان لو انه لم يحدث ابدا ! لقد عمل بنشاط وقدم مساعدة قيمة , لكنها بغنى عن اية اشكالات جديدة قد تزيد فى اضطرابها الداخلى . ولذلك قررت ان تقمع على الفوراية محاولة جديدة منه , اذ تكفيها المشاكل مع كال وظهور جدها المفاجئ ...
كانت منهمكة فى العمل عندما قرع لورى الباب ودخل , حيته بابتسامة صداقة وقالت : صباح الخير يا لورى 0
-صباح الخير 0
ركز نظره على يدها المصابة وقال : كيف حالك اليوم ؟
-افضل قليلا , شكرا لك 0
لكنهاعادت وتساءلت : كيف عرفت ؟
-اذا قضيت وقتا طويلا هنا فستكتشفين ان الاخبار تنتقل بسرعة فى البيت . على كل , الطاووس يفزع كل الناس . المهم ان تكونى حذرة فيما يتعلق بيدك , وانا ساقوم بكل ما يلزم 0
-شكرا لك . يجب ان نعمل اولا على الكتب التى انزلتها , اذ انني كنت بطيئة بالامس 0
من الافضل لها ان تركز الحديث على العمل والكتب . ووجدت فانيسا الفرصة لتكتشف الجانب الاخر من لورى الغارق فى غبار العمل . انه يحب الكتب فعلا , كما انه يجهد للتصرف بشكل طبيعى وكانه احس مزاجها المتعكر اليوم 0
مضى قبل الظهر بسرعة , بحيث فوجئت فانيسا عندما فتح الباب ودخل جدها المكتبة . وعندما شاهده لورى توجه للسلام عليه 0
-صباح الخير يا سيد ماكلين . ان شاء الله كانت رحلتك موفقة ؟
-اجل , وشكرا يا لورى . يظهر انك مشغول ايضا . هل تعرف كم الوقت الان ؟
واندهشت فانيسا عندما عرفت ان الساعة تجاوزت الواحدة , وعليها ان تغتسل بعد . نهضت عن الارض وهى تقول : انا اسفة , لقد استغرقنا فى العمل 0
-اعرف ذلك , لكن يجب ان تاكلى يا ابنتى . فهيا بنا . الكتب ستظل هنا عندما تعودين !
وانتظر على الباب حتى خرجا 0
حمل لورى سترته ووقف ينتظر خروج فانيسا لكن كم الرداء الواقى علق بالضمادة , بحيث اضطر لورى الى مساعدتها 0
-شكرا لك 0
وادركت فانسيا ان شيئا مما دار لم يفت جدها . قطعت المسافة الى غرفتها ركضا ثم غسلت وجهها وفكت الضمادة عن يدها وعادت مسرعة الى غرفة الطعام لتجد ان الرجلين على وشك الانتهاء من الحساء 0
-انا اسفة 0
لكن اندرو ماكلين قاطعها باشارة من يده وقال : لا ضرورة للاعتذار . من الجميل ان نجد انسانا يحب عمله الى الحد الذى ينسى معه الوقت . ثم نظر الى كال وقال : ما رايك انت ؟
-طبعا .. طبعا 0
كانت عيناه ترقبان فانيسا وكانهما تسخران منها . ثم اضاف فجاة: هل عملت من قبل فى مثل هذا المجال ؟
-كلا 0
لقد رددت القصة المختلقة فى ذاكرتها لاكثر من اسبوع , والان سترى ان كانت ستبدو معقولة فى نظر الاخرين . يجب ان لا تظهر شعورها بالقلق 0
-عملت سكرتيرة لمدة عامين , ثم قررت التغيير بسبب بعض المشاكل في العمل0
حتى الان القصة حقيقية تماما , ولكنها لن تخبرهما عن طبيعة المشاكل التى واجهتها:اخبرنى صديق يعمل فى مكتب محاماة يدعى مورتون وسميث وكيمبل0 وترددت امام هذه الاسماء كى تبدو غريبة عنها , ثم تابعت : عن ان سيدا اسكتلنديا هو انت واشارت الى السيد ماكلين مبتسمة : يريد ان يعيد ترتيب مكتبته . وقد تقدمت الى هذه الوظيفة لاننى احب الكتب 0
وضع جدها ملعقة الحساء من يده وتناول قطعة خبز وقال :اذن انت تعرفين شخصا يعمل فى مكتب المحاماة ؟
-اجل . انها السكرتيرة . ليست صداقة حميمة بقدر ما هى معرفة عادية 0
ولم تكن فانيسا كاذبة , اذ ان بات جونز تعمل سكرتيرة فى المكتب , وهى لا يمكن ان تفضح حقيقتها ... مع ان المعلومات الحقيقية جاءت من السيد مورتون نفسه 0
-وهل اخبرتك عن اشياء اخرى ؟
اطلق هذا السؤال اتجاهها فى حين كان كال يراقبها . صحيح انه لم يكن ينظر اليها مباشرة , الا ان تركيزه على سماعها كان واضحا للغاية 0
وقالت اول كذبة: لا . لكنني لم افهم , هل تقصد اشياء اخرى عن العمل ؟
حك اندرو ماكلين خده وقال : لا . لا شئ . والان اخبرينى يا فانيسا ، لا مانع عندك بان اناديك باسمك المجرد ؟ كيف ترين الكتب ؟ اقصد هل هناك تلف ؟ استمعت اليه بتمعن . اسئلة كانت معقولة وموزونة ومركزة حول العمل الذى تقوم به ... لكنها احست بجو خفى من التوتر يسيطر على الغرفة , وهى تعرف مصدره . كان كال يفكر بعمق . اية اسئلة او اجوبة سيطرحها هذا الرجل ؟ مهما كانت طبيعتها فانه لن يلقيها الان . بل سينتظر الفرصة المناسبة للايقاع بفانيسا كما فعل فى اليوم السابق . راقبته بحذر . يجب ان تكون مستعدة له فى المرة المقبلة . لكن متى سيكون ذلك ؟
اخبرها جدها فى وقت لاحق من اليوم نفسه انها حرة يوم السبت . كانت الساعة الثالثة تقريبا عندما دخل عليها المكتبة وهى وحدها , اذ ان لورى لم يكن قد عاد من الغداء بعد . ولانشغالها فى العمل لم تنتبه الى دخوله , لكن سعلة خفيفة منه جعلتها تلتفت لترى وجهه النحيف . وكما فى كل مرة تراه احست برعشة من الاشمئزاز ممزوجة بمشاعر الخوف . ماذا لو اكتشف الحقيقة قبل ان تكون مستعدة ؟
قالت وهى تضع القلم من يدها:انا اسفة . هل تريدنى ؟ لم اكن ادرى انك 0
-لقد دخلت بهدوء حتى لا ازعجك 0
وابتسم لها , انها ابتسامة ابيها بالذات . ثم تابع يقول : ثم وقفت اتامل باعجاب النشاط الذى تمارسين به عملك 0
نظرت فانيسا الى لائحة الكتب الموضوعة على الطاولة . لم يكن عندها ما تقوله , اذ ان عقلها تحول فجاة الى لوح ابيض فارغ . وفكرت انها ستفشل حكما اذا ظلت على هذه الحال خلال الايام القليلة المقبلة 0
لم ينتبه اندرو ماكلين الى صمت فانيسا بل تابع قائلا :انت حرة غدا , وبالطبع الاحد ايضا . اعرف ان وسائل الترفيه غير متوفرة فى المنطقة ,
لكن ارجوك ان لا تترددى فى استعارة اى كتاب تودين الاطلاع عليه 0
عندها زال الجمود عن فانيسا وتذكرت 0
-اجل , هناك مجموعة من الجرائد القديمة موضوعة فى صندوق كرتونى دلنى عليها لورى ... واتمنى ان اطلع على البعض منها 0
تغير وجه ماكلين القوي بسرعة . وبدت على ملامحه تعابيرالانشراح والسرور الطفولى 0
- يا الله ... الجرائد . انها بحاجة للترتيب ايضا . هل تعرفين ان لدى نسخا عن صحيفة تدعى اوكسفورد غاريت يعود تاريخها الى العام 1665 . الحقيقة اننى نسيت كل شئ عنها 0
وهز راسه متابعا:اتمنى ان تقومى بترتيب هذه المجموعات ايضا . لا شك ان سنوات عديدة مضت منذ….
واطرق فجاة , وبدت على وجهه ملامح الحزن . لم تشا فانيسا ان تخرق جو الصمت لانها شعرت بوجود هذا الحزن المفاجئ ... فحبست انفاسها وانتظرت , فهى تعرف لماذا !
-مضى زمن طويل .. طويل !
مرت لحظات الحزن وعادت الامور الى طبيعتها 0
-بالطبع . افعلى ما يحلو لك . واذا اردت ان تحملى بعضها الى غرفتك ، فكال….
والتفت نحو الباب حيث كان كال واقفا 0
-لقد كنت اقول لفانيسا انها تستطيع استعارة اية صحف . فهل لك ان تحمل الى غرفتها كل الصحف التى تريد ؟
-بالطبع 0
ونقل كال نظره من فانيسا الى جدها واضاف :انا اسف للدخول عليكما هكذا , لكن السيد ماكرى على الهاتف , وقد حولت الخط الى مكتبك 0
-شكرا 0
وخرج اندرو ماكلين من المكتبة تاركا فانيسا وكال معا . استدارت بسرعة الى عملها لانها لم ترد ان يرى وجهها خوفا من ان يلحظ المشاعر التى اختلجت فيها قبل قليل ... كما انها تحتاج الى وقت للتفكير 0
قاطعها الصوت العميق الناعم:هل تريدين الصحف الى غرفتك الان ؟
-لا . شكرا لك 0
لم تلتفت اليه . لكنها احست بحركاته وهو يتوجه نحوها ، ثم ادركت انه بات خلفها تماما 0
-هل تريد شيئا منى ؟
-كلا , اتامل ما تقومين به فقط 0
كان الصوت ينبعث من وراء كتفيها . واحست فانيسا بانها تخطئ بجمودها هذا , لذلك طوت اللائحة بسرعة واستدارت لمواجهته 0
قالت :اننى اسجل الكتب يا سيد غرين 0
سحب كرسيا مجاورا وجلس قبالتها وفى عينيه نظرة سخرية واضحة:السيد غرين ؟ الا تفضلين اسم كال ؟
-ليس بالضرورة . فانا لا اعرفك تماما 0
اجابته بهدوء , لكنها تعجبت مرة اخرى كيف يشعرها هذا الرجل بالضعف عندما يكون الى جانبها ... تماما كما هو حاصل الان0
قال وهو يحرك يديه فى جيبتى سرواله : لكنك تنادين لورى باسمه الاول فقط !
-هذا شانى وحدى 0
ونظرت مباشرة الى كال غرين وهي تبتسم بهدوء وشماتة . انها تدرك تماما ان ذكر لورى ماكينزى يثير غضبه بشكل سريع وفعال . اضافت تقول : ان امورنا تسير على ما يرام 0
ارتفع حاجباه الاسودان , لكن وجهه الاسمر ظل دون تعابير واضحة : بالطبع , اما امورنا نحن فليست كذلك ؟
-لا اعتقد 0
راقبته وهو يفتح علبة سكائر , وعندما قدم لها سيكارة هزت راسها بالرفض وقالت : كلا . شكرا لك . ثم اضافت: الحقيقة انك تحاول دائما ان تكون قاسيا وفظا معى0
وتابعت فى نفسها تقول : بينما المطلوب منى ان اظل هادئة 0
قال:اعتقد انك تتحدثين عما جرى بعد ظهر امس !
اشعل سيكارته من الولاعة التى اضاءت جانبا من وجهه , فبدا الجانب الاخر اكثر سمرة وصرامة 0
-اجل 0
من الافضل ان تنقل المعركة الى معسكر الخصم , فلا شك انه يعد شيئا ما لوقت لاحق . ففى المكتبة , تشعر فانيسا لسبب من الاسباب بانها على ارض امنة , اكثر امنا من تلك التلة الخضراء المشمسة التى اشعرتها بانها ضعيفة للغاية خاصة بعد احتراق يدها . وانهت كلامها بالقول : لقد كنت فظا بشكل يفوق التصور خاصة اننى كنت فى حالة يرثى لها بسبب يدى . واعتقد انك تعمدت ذلك 0
-اجل , تعمدت ذلك 0
تعجبت . كانت تتوقع منه ان ينفى . لا ان يعترف بسهولة , رمته بنظرة حادة , وظلت للحظات عاجزة عن الكلام , ثم اطلقت لسانها : اذن , كان موقفك سخيفا وغبيا 0
-انا اوافق 0
سحب نفسا عميقا من السيكارة , والتفت يبحث عن منفضة ولما وجدها وضعها الى جانبه , ثم قال : لكن لدى اسبابى الخاصة 0
-حقا , وهل لى ان اعرف ما هى هذه الاسباب ؟
اجابها بهدوء مثير:انت تعرفينها تماما , اليس كذلك ؟
وعاود فانيسا الشعور البغيض بانها على وشك ان تفقد السيطرة على نفسها . لكنها هى التى بدات المعركة وعليها ان تستمر فيها : هل تعتقد اننى لصة او اى شئ مماثل ؟
- لصة ؟ ردد الكلمة وكانه يفكر فيها . ثم ابتسم ببطء شديد لا , ليس كذلك , على الاقل لم اعتبرك لصة ... حتى الان 0
اشتعلت بالغضب بفعل الطريقة التى اطلق فيها الكلمة الاخيرة . وخرجت التعابير من فمها قوية قاسية : وماذا بعد ؟
اجابها قائلا : لست ادرى , ولكنى سوف اعرف !
ردت عليه بلهجة امرة : لماذا لا تغادر هذه الغرفة فورا وتركنى لوحدى ؟
لست مضطرة لسماع اهاناتك , بل لست مضطرة لسماع اى شئ منك هل تفهم ؟ وقفت فى وجهه وعيناها تقدحان شررا , وتمنت لو انها رجل لتلقنه درسا لا ينساه . ويبدو ان بعضا من افكارها وجد صدى لديه بحيث وقف فى مواجهتها بدون ان يتخلى عن هدوئه . والان عليها ان تنظر الى اعلى كى تراه , وهذا شئ تكرهه لان طوله الاضافى يشعرها بانها اصغر منه واضعف ايضا: اذهب من هنا ارجوك . فهذا مكان عملى ، ولا استطيع ان اعمل ما دمت انت هنا 0
- لا ضرورة للغيظ . سوف اذهب .. لكن بعد لحظات . ستكونين مجنونة اذا فكرت بطردى بالقوة 0
- لو كنت رجلا لفعلت 0
تسارعت نبضات قلبها غضبا واضطرت الى الابتعاد عنه لانها لم تعد قادرة على مواجهته . لكنه وضع يده على ذراعها واعادها الى مكانها 0
- قولى لى ….
لم تدر ماذا كان فى صوته , لكنها قاطعته وهى تلوى اصابعه بشدة حتى اطلق سرحها 0
- اياك ان تلمسنى . انا اكرهك واكره لمساتك 0
- فهمت , تحبين لمسات لورى فقط ؟
- كيف تجرؤ….
قاطعها قائلا : دعك من هذا . لا تقولى لى انه لم يعانقك قبل لحظات من دخولى عليكما….
- صحيح !!
ادركت على الفور ان خديها تضرجا بالدم , مما جعل كال يضحك 0
- لقد كان الامر واضحا تماما . عناق صغير عابر . لنرى كيف تقارنين ذلك العناق بهذا !
وقبل ان تستطيع الحراك وضع ذراعيه حولها . وفجاة اصبحت الغرفة مظلمة لانه صار قريبا جدا منها , الى حد انها ضاعت بين ذراعيه . احست بالدفء فى صدره . كان لطيفا وهادئا بعكس ما توقعت . وطالت لحظة العناق بدون ان تبدى مقاومة . وادركت على الفور انها مرتاحة للامر , فاعتراها الخوف بحيث استجمعت شجاعتها وابعدته عنها 0
-ايها المتوحش 0
ورفعت يدها الى وجهها تريد حماية نفسها من هجوم اخر وشيك . غابت عيناه الزرقاوان خلف سحابة سوداء , ولم تستطع فانيسا ان تفهم تعابير وجهه . ظلا للحظات ثقيلة صامتين فى مواجهة بعضهما البعض قبل ان يغادر كال الغرفة . واخيرا اصبحت لوحدها . وظلت واقفة فى مكانها لعدة ثوان . فالصدمة منعتها من الحراك , وفى الوقت نفسه جعلت ساقيها ترتجفان بشدة . واخيرا استعادت روعها ورمت نفسها فى اقرب مقعد . تشاغلت ببطاقة مرمية على الطاولة لكن فكرها كان فى ذلك العناق والشعور الذي ملاها خلاله . لم تكن مستاءة او متضايقة حسب ما توقعت . فالعناق كان جميلا جدا ... هذا هو الوصف الوحيد المناسب له 0
تمتمت بصوت منخفض : لا شك اننى مجنونة!
الموقف سيكون محرجا اذا عرف تفكيرها . انها لا تستطيع ان تفعل شيئا الان . كان عليها ان تصفعه حينها كرد فعل طبيعى من امرأة ترفض العناق بالقوة . لم تصفعه ، ليس لخوفها من ردة فعله , بل لانها لم ترد ذلك 0
قررت العودة الى العمل فورا وتناسى ما قد حدث . النتيجة الايجابية الوحيدة كانت انه توقف عن طرح اسئلته المحرجة . لا شك انه سيعيد طرحها فى وقت لاحق , لكن متى ؟ اكدت لنفسها هامسة : ساكون جاهزة له المرة المقبلة ! ساكون مستعدة تماما 0
وتساءلت عما اذا كانت تحاول اقناع نفسها بهذا القرار 0
انتهى يوم العمل وحان وقت العشاء . تمنت فانيسا لو ان كال وجدها يقرران تناول الطعام خارج البيت .. ولكن المعجزة لم تحصل , وعندما وصلت الى غرفة الطعام وجدت الرجلين يتحدثان وهما بانتظارها . استدار جدها مبتسما وهى تدخل الغرفة0
- ها انت هنا اخيرا . كنت ساقول لكال….
قطع كلامه عندما وقعت عيناه على الفستان الرمادى الذى ترتديه 0
- تبدين جميلة جدا فى هذا الفستان . هل تريدين تناول اى شئ ؟
- شكرا لك . اريد كوبا من عصير التوت من فضلك 0
- بالطبع , وانت يا كال ؟
كان كال قد توجه الى الطاولة لتناول الكوب . وراقبته فانيسا وهو يعد كوبا لها واخر له . ماذا حمل فى نظراته اليها عندما دخلت الغرفة ؟ ستعرف فورا , فقد انهى اعداد الكوب واستدار نحوها ليقدمه لها . كان لا مباليا تماما , ولم يظهر شئ على ملامحه يمكن ان يعطيها فكرة عما يفكر . فقط ايماءة مؤدبة وهو يقدم لها الكوب: تفضلى يا انسة كولينز 0
- شكرا لك 0
رد بانحناءة خفيفة من راسه , وقد كانت خفيفة بحيث لم تشعر فانيسا بها , وانما لاحظت طرف ابتسامة ساخرة لم تستمر الا للحظات , قبل ان يستدير لمتابعة الحديث مع الرجل العجوز. بعد ذلك دخلت السيدة بانكس تدفع امامها عربة الاكل فتوجه الجميع الى المائدة . حبذا لو لم يكن موجودا لكانت مهمتها اسهل بكثير . لكنه سيبقى فى البيت لفترة غير محددة , ومن الافضل لها ان تعتاد هذا الواقع 0
جلسوا لتناول الطعام وهم يتبادلون الاحاديث العامة المسلية . وفكرت فانيسا كم ستكون الامور مختلفة لو انها موظفة حقيقية وليست حفيدة صاحب البيت . فهى قد بدات تتمتع بعملها فى الكتب الى جانب اعجابها بالبيت . لكنها هنا فى مهمة وستواصل لعب دورها تنفيذا لوعد قطعته على نفسها من اجل والدها المتوفى . نظرت مبتسمة لترد على سؤال وجهه كال بدون ان تظهر اى مشاعر تعتمل فى نفسها , كان سؤاله عما قررته بالنسبة الى عطلة نهاية الاسبوع 0
طيلة فترة العشاء كانت فانيسا تراقب جدها بدون ان يلاحظ ذلك , تتامل حركاته وتصرفاته والطريقة التى يتكلم بها . حاولت ان تبعد عن ذهنها الصورة المسبقة التى رسمتها له من خلال احاديث ابيها . لم تكن المسالة سهلة , فقد تصورته رجلا قاسيا متوحشا , لكن اندرو ماكلين هذا غير الصورة تماما , فهو لطيف معها - هي الموظفة - الى حد انه يصر على ان تتناول طعامها الى مائدته 0
وقبيل انتهاء العشاء اختلست نظرة الى جدها . سمعوا رنين جرس الهاتف من بعيد , ثم دخلت السيدة بانكس وابلغت السيد ماكلين ان هناك مخابرة هاتفية عاجلة له 0
- من يطلبنى ؟
- قال ان اسمه ماكوليامز0
وتنحنحت عندما لفظت الاسم , وكانها تريد ان تقول انه غير حقيقى 0
تصلب وجه اندرو ماكلين عندما سمع الاسم . وخيل لفانيسا انها شاهدت لمحة من الغضب لم تدم الا لحظات . اشتدت عضلات فكيه وهو ينظر الى كال . ساله هذا الاخير بهدوء: هل تريدنى ان ارد ؟
- كلا 0
جاء الجواب مختصرا امرا وعاليا , ثم خرج من الغرفة . ركزت فانيسا نظرها فى صحنها , لكنها لم تستطع منع نفسها من النظر الى الرجل الجالس قبالتها . كان يراقبها بدون ان يظهر اية مشاعر . وفجاة خفق قلبها بفزع لا تفسير له ... فهى لا تستطيع ان تفهم معنى نظراته عندما يكون هكذا . ففى عينيه عمق سحيق من الصعب كشفه بسهولة , وقد ادركت ذلك منذ اليوم الاول للقائه . احست بخفقات قلبها تتسارع , فقالت بدون وعى اول كلمات خطرت لها : لماذا تنظر الى هكذا؟
اجابها بصوت ناعم وساخر : هل النظر ممنوع ؟
اجابته : انت تحدق فى , وانا لا احبذ ذلك 0
- لسوء الحظ , هناك اشياء كثيرة لا تحبينها فى لكنك ستتعلمين التاقلم اذا ما بقيت هنا0
ولاحظت انه شدد كثيرا على كلمة اذا 0
رفعت فانيسا حاجبيها وقالت: لا تخف , انا باقية هنا ما دام عملى منتجا وناجحا , وانا متاكدة منه . على الاقل السيد ماكلين لا يشكو منى , وهو وحده صاحب العمل0
وقالت فى سرها : ولذلك يجب ان تسكت نهائيا 0
ابتسم كال قائلا : انا اكيد ان عملك ممتاز من خلال ما رايت حتى الان . لقد تاثرت بنشاطك , لكننى اعتقد انك تعرفين تماما ما انت بصدده 0
فى هذه اللحظة عاد جدها الى الغرفة , فتوقف الحديث بينهما عند هذا الحد . نظر السيد ماكلين باتجاه كال وبدا على وشك ان يقول شيئا لكنه بذل جهدا للسيطرة على نفسه . شعرت فانيسا بانه غاضب , وادركت انهما - لولا وجودها - لكانا قد تحدثا عن الاتصال الهاتفى . نظرت الى الساعة ونهضت . لقد انتهوا لتوهم من العشاء , وتريد ان تترك الرجلين وحدهما للتباحث فى امورهما , وهى تعرف انهما يرغبان فى الانفراد ايضا 0
وعندما استاذنت للانصراف بعد لحظات , لم يبد احد منهما اى اعتراض . هرعت الى غرفتها بهدوء وخفة , ولما وصلتها تذكرت ما قاله كال عن انها تعرف تماما ما هى بصدده . الاكيد انه لم يكن يقصد عملها فى المكتبة . كم اصبحت تكرهه الان0
مرت عطلة نهاية الاسبوع على احسن ما يرام . ففى يوم السبت اخذت فانيسا خريطة احضرها لها جدها ووجدت قرية جميلة تقع على الطرف الاخر من الوادى , وهناك امضت فترة بعد الظهر تراقب اطفالا صغارا يلعبون فى حديقة تمتد طرفها حتى الشاطىء . رجعت الى دينستون هاوس وقت العشاء وقد انعشتها مناظر الريف الخلابة . وبعد تناول الطعام شاهدت التلفاز مع جدها . كانت تفضل الا تكون معه , لكنه لم يترك لها الخيار. وبالرغم من شعورها بالانزعاج فى بادئ الامرالا انها موجئت عندما احضرت السيدة بانكس القهوة بان الساعة قد شارفت على منتصف الليل 0
كان كال قد غادر البيت بعد العشاء مباشرة . صعدت الى غرفتها لتحضر حقيبتها فسمعت صوت محرك سيارة يزار نزولا باتجاه مدخل البيت . تساءلت عما اذا كان ذاهبا للقاء هيثر الجميلة . الارجح انه سيفعل . وفجاة وجدت نفسها تتساءل ايضا عما اذا كان يعانق هيثر بالطريقة التى عانقها فيها اليوم . ابتعدت عن النافذة بنزق وحملت حقيبتها ونزلت الى الصالون . يا لها من افكار سخيفة تضج فى راسها 0
كانت مستلقية فى فراشها عندما سمعت صوت محرك الجاكوار امام البيت . ومن خلال اشعة القمر الفضية المتسللة عبر الستائر المرفوعة تبينت فانيسا ان الساعة تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل . ولشدة استغرابها , اكتشفت انها ظلت تنتظر حتى سماع هذا الصوت . والان ، بعد ان اطمانت الى عودته , يمكنها ان تذهب الى النوم ... وهكذا صار 0
الايام القليلة التالية كانت ايام عمل بالنسبة لفانيسا ولورى . وبقدر ما وجدت نفسها غارقة فى الكتب , وجدت افكارها مشغولة ايضا بالرجل المستحيل الذى اسمه كالوم غرين . اما مشاعرها اتجاه جدها فكانت متضاربة . لقد شاهدت منه ملامح من الوصف الذى اعطاه والدها الراحل , لكنه فى معظم الاحيان الرجل الطيب المرح . بدات تشعر بالارتباك الداخلى ليتها تستطيع الثقة باحد كى تطلب منه النصح . وفى بعض المرات كانت تجتاحها موجات من الندم , ولكنها لا تستطيع ان تبدل شيئا. الشخص الوحيد الذى يعرف سبب وجودها فى دينستون هاوس موجود فى لندن , ومن الصعب ان يتعاطف معها . فقد رفض السيد مورتون فكرتها من الاساس , والارجح انه سينصحها بترك المكان او بالابلاغ عن الحقيقة قبل فوات الاوان . لكنها قطعت شوطا بعيدا جدا بحيث لم تعد قادرة على التراجع 0
ترددت وهى ترجع كتابين قديمين جدا الى المكتبة , وقد اعتراها شعور غريب بالوحدة والانعزال . كان الوقت بعد الظهر من يوم جمعة بارد ومظلم وليس كالايام التى سبقته . الغيوم الداكنه تلبد وجه السماء واعدة بالمطر الغزير وتمنت لو ان لورى يعود من الغداء بسرعة , خاصة انه يرافقها يوميا فى عملها فى المكتبة 0
لقد اقامت مع لورى علاقة صداقة محببة خلال اسبوع من العمل اليومى المتواصل . ومع ذلك لم تكن متاكدة من انه اهل للثقة , اذ شاهدته عدة مرات وهو ينظر اليها نظرات تعرف معناها جيدا ولم تكن مهتمة للامر , فقد اصبحت قادرة على التاقلم كونها غير مهتمة به كرجل . وباصرار شديد ابعدت صورة كال عن ذهنها ... كال الموجود دائما والذى يراقبها دون ان يبدو عليه ذلك 0
دخل كال الى الغرفة فى هذه اللحظات بدون ان يصدر اى صوت , وفوجئت فانيسا بوجوده فسقطت الكتب من يدها 0
اقترب نحوها وانحنى يلتقط الكتب : يجب ان لا يرى الجد هذه الحادثة. فالكتب قديمة جدا ومهمة وسلم الكتب الى فانيسا وهو يضحك 0
- شكرا لك واستدارت نصف دورة وهى تقول : لو لم تتسلل الى المكتبة لما اسقطت الكتب 0
- هل كنت اتسلل ؟
نظر الى حذائه المطاطى الخفيف واضاف قائلا : لربما يجب ان انتعل حذاء التسلق عندما ادخل الى هنا . صحيح انه سيزعجنى , لكنك ستعرفين اننى هنا . الا تفضلين هذا الحل ؟
- بدون سخافات ارجوك !
حاولت الوصول الى كتاب فى الرف العلوى فلم تستطع رغم طولها , وكان هو اسرع منها اليه فناولها اياه 0
سالها بعد ان تناولت الكتاب مستعملة يدها المصابة : يبدو ان يدك افضل اليوم ؟
- اجل . هناك ندوب حمراء فقط ستزول مع الوقت 0
- ستزول خلال اسبوع تقريبا . هل تستطيعين الان اخذ اول درس من تمارين الدفاع عن النفس ؟
لم تستطع مقاومة العرض , ولم تكن ترغب فى القبول ايضا لكن الكلمات خرجت تلقائيا : هل الدروس للدفاع عن نفسى ضد اناس مثلك يريدون عناقى بالقوة ؟
ضحك كال غرين عاليا , فبانت اسنانه البيضاء اللامعة وسط وجه كان كل ما فيه يضحك , واعترف قائلا : هذه فكرة ممتازة , ويجب ان اراقب نفسى جيدا , اليس كذلك ؟
شعرت بالضيق من استمرار الحوار , لذلك ابتعدت عنه لمتابعة عملها وهى تقول : اعتقد ان هناك اشياء كثيرة تحتاج الى ترتيب , لذلك يجب ان….
وقاطعها قائلا : .... وخائفة ايضا ؟
ومع ان صوته كان ناعما , الا انه اوقفها فى مكانها 0
ابتسمت بافضل ما تستطيع وقالت: منك انت ؟ ابدا0
كانا يحدقان ببعضهما وقد خيم جو من التوتر الذى ينذر بالانفجار فى اية لحظة .
واعتقدت انه سيثير موضوع شخصيتها الحقيقية لذلك سارعت الى القول : اذا كنت تريد تدريبى , فانا اقبل . لكننى لست افهم سبب الحاحك !
- لقد شاهدت تعابير وجهك عندما هرعت الى سيارتى الاسبوع الماضى . كنت عاجزة تماما !
-حسنا , كنت خائفة بالطبع . لكن….
- لن تكونى فى مثل هذه الحالة ابدا عندما انتهى من تدريبك . فمتى نبدا ، غدا صباحا ؟
وسالته بنعومة : الست مشغولا ؟ اقصد غدا السبت !
- لا شئ يستحق الذكر . واضاف بلطف واضح حسنا , ساراك فى غرفة الرياضة بعد ساعة من الافطار 0
وتساءلت باهتمام ملحوظ : ماذا يجب ان ارتدى ؟
لاح خيال ابتسامة على شفتيه وهو يقول : يمكنك ارتداء بذة التدريب الخاصة بالجيدو . هناك مجموعة منها ساحضر لك واحدة عند الصباح , فذلك افضل من تعريض ملابسك للشد والتمزيق . ومع ذلك يجب ان ترتدى قميصا داخليا تحت ملابس الجيدو 0
قالت وهي تضع الكتب على الطاولة : حسنا , هل يمكن ان اتابع عملى الان ؟
- اجل . لقد جئت لابلغك اننى والسيد ماكلين سنتناول العشاء فى الخارج . وهو يسالك اذا كنت ترغبين فى تناول العشاء فى غرفتك ؟
- افضل ذلك 0
ولكنها كانت تفكر بتردده عندما نطق اسم السيد ماكلين ، اذ بدا وكانه على وشك ان يضيف شيئا ثم توقف . فماذا يريد ان يقول ؟ ما هو الشئ الذى يخفيه حتى الان ؟
ولم تاخذها افكارها الى ابعد من ذلك . فمن غير المعقول ان يعرف شخصيتها الحقيقية . ترى هل يمكن ذلك ؟
وعلى الرغم مما كان يدور فى ذهنه , فانه لن يلح الان , اذ هز راسه مودعا وغادر الغرفة . ظلت فانيسا شاردة الذهن تراقب الباب المشرع . تساءلت وهى تعض على شفتها السفلى عن المازق الذى وضعت نفسها فيه وعما تخبئه لها الايام المقبلة 0
اطل صباح يوم السبت مشرقا ودافئا , بعد ان رحلت غيوم الامس بعيدا. استيقظت فانيسا وهى تحس بقلق خفى وغريب . ثم تذكرت ان كال غرين سيعطيها اول درس فى الدفاع عن النفس اليوم . لم تعد قادرة على الثقة فيه فباتت تشك بكل ما يقوله او يفعله. ما هى خلفيات هذا العرض ؟ وظل السؤال يلح طيلة الوقت الذى امضته فى الاستحمام وارتداء ملابسها . عليها ان تستعد لاية اسئلة محرجة قد يطرحها , خاصة انهما سيكونان وحدهما فى غرفة الرياضة 0
ارتدت سترة صوفية بيضاء على فستان ازرق سماوى ، وانتعلت صندلا خفيفا , ثم تركت شعرها الاسود حرا منسدلا ... واخيرا لمسة من احمر الشفاه , وها هى جاهزة الان . كانت الساعة الثامنة والنصف عندما نزلت الى غرفة الطعام . تعمدت النزول باكرا كى تتناول افطارها وحيدة اذا امكن , لكن كال غرين كان قد سبقها , بل على وشك انهاء فطوره . حياها قائلا : صباح الخير 0
- صباح النور 0
وتناولت قطعة من الخبز بعد ان جلست فى مواجهته 0
رفع عينيه اليها وقال : تريدين بعض البيض واللحم ؟
- لست جائعة كثيرا 0
سالها بنغمة هادئة: هل انت متوترة الاعصاب ؟
نظرت اليه ببرود وقالت: متوترة الاعصاب ؟ كلا . ولماذا التوتر ؟
- لا شئ . لكن يبدو لى انك – اعذرى كلامى - شبه ضائعة 0
- لا بد ان خيالك يزين لك الامور 0
وتابعت حديثها بحذر بالغ لان عينيه بداتا البحث فى تعابير وجهها : لكن الحكمة تقضى بان لا اثقل معدتى قبل بدء التمارين 0
- صحيح . انه موقف سليم جدا . ولذلك قررت البدء بالتمارين بعد ساعة من الاكل0
- حسنا جدا . وبالنسبة الى البدلة الرياضية فارجو ان لا تزعج نفسك باحضارها لى . سارتديها تحت عندما انزل , فهناك مكان لتغيير الملابس , اليس كذلك ؟
- عظيم . ساجهز لك واحدة , والان اسمحى لى ان اذهب لاستعد 0
وقف واعاد الكرسي الى مكانه , ثم اضاف :لن يفطر السيد ماكلين معنا فقد اضطر الى مغادرة البيت باكرا . اذن ساراك حوالى ... واختلس نظرة الى الساعة وتابع حوالى العاشرة الا ربعا فى غرفة الرياضة ؟
- اجل 0
راقبته وهو يغادر الغرفة ثم سكبت لنفسها فنجانا اخر من القهوة . كم كانت غبية عندما قبلت عرضه فى الاساس!
وفى تمام الساعة العاشرة الا عشرين دقيقة توجهت فانيسا الى غرفة الرياضة . وبعيدا عن ملامح الهدوء لمرتسمة على وجهها , كان داخلها يعتمل بمشاعر التوتر والقلق والترقب . فمهما حدث , يجب ان تخفى احاسيسها الداخلية كى لا يشمت كال بها . لا تراجع الان . ترددت قليلا امام الباب , اذ بمجرد دخولها الى الغرفة عليها ان تستمر فى اللعبة حتى النهاية . استجمعت انفاسها وفتحت الباب بسرعة 0
المكان غارق فى سكون عميق , فكال غرين لم يات بعد . تمعنت فانيسا في فرشة الجيدو الموضوعة وسط الساحة وهى تتجه الى غرفة تبديل الملابس . وقبل ان تدخل تمهلت , اذ انها سمعت ما بدا لها وكانه صوت امام الباب الخارجى . وعندما لم يتكرر الصوت استدارت لتدخل , فاصطدمت مباشرة بالرجل الذى خرج لتوه من غرفة تغيير الملابس . امتدت يدا الرجل لاسناد فانيسا . كان يرتدى ملابس الجيدو البيضاء , التى طالما شاهدتها فى الصور وعلى شاشة التلفاز لكن ليس فى الواقع . وبسرعة لاحظت التغيير الذى طرا عليه . فقد اظهرت الملابس قامته الممتلئة وكتفيه العريضين .. ومن خلال فتحة السترة بان القسم الاعلى من صدره الكثيف الشعر 0
حاولت فانيسا استعادة توازنها بعد هذه الصدمة . ولو كانت قادرة على الهرب فورا لما ترددت , لكنه امسك بها بقوة ولم يتركها الا عندما هدات 0
- هذا انا ! كان صوته نقيا , وعيناه مركزتين عليها . ملابسك فى الغرفة الثانية , والافضل ان اعلمك كيف تربطين الحزام حول خصرك . فهيا بنا 0
ابتعد عن الباب ليفسح لها مجال الدخول . وكمن يساق الى ساحة الاعدام , دخلت فانيسا الغرفة الثانية ببطء وهى مطاطاة الراس0
******************************l