الفصل الرابع
- عشاء مع الغريمة 0
صعقت فانيسا عند سماعها كلام كال , واحست بالضياع لثوان خيل اليها انها ساعات ... لكنها استعادت رباطة جاشها بسرعة وتذكرت النصيحة الذهبية : الهجوم هو افضل وسيلة للدفاع 0
استدارت ببطء وقد زال الخوف من نفسها .. فهى لن تترك هذا الرجل يفسد عليها المخططات التى اعدت لها منذ مدة . بدا عليها الهدوء التام ، كيف لا وهى تملك اسلحة لم تستعملها بعد ولا تعتقد انه يستطيع مواجهتها . انوثتها هى اهم الاسلحة . ويمكنها دائما ان تستعمل سحرها النسائى حتى النهاية . ولكن الوقت لم يحن بعد . الان عليها ان تستفز مشاعر الغضب فى نفسها ردا على اتهاماته الباطلة . فهذا هو الموقف الصحيح لو كانت فعلا بريئة من تلك الاتهامات 0
وخرجت الكلمات قوية وهادئة : عفوا ؟ ماذا قلت ؟ هل جننت ام انك مجرد انسان وقح ؟
وقف كال قبالتها واضعا يديه فى جيبى سرواله وقال : محاولة جيدة . ادعاء الغضب يناسبك تماما 0
ارتفعت درجة التوتر عند فانيسا ، ولكنها جاهدت للحفاظ على هدوئها . من الافضل الا تفقد اعصابها . وعليها ان تستمر فى التمثيل لئلا تقول شيئا تندم عليه فيما بعد , خاصة اذا ارادت مواجهة هذا الرجل 0
كان كال يراقبها وقد تضرج خداها واخذت تتنفس بسرعة , لكنه لم يبد اية مشاعر , وظلت ملامح وجهه القوية الصلبة ساكنة وهادئة0
- لقد اطلقت اتهامات سخيفة , فهل يمكن ان توضح كلامك ؟
بدت ملامح ابتسامة على وجهه : طبعا , انت تذكرين تفاصيل لقائنا الاول ؟
- وهل يمكن ان انساه ؟ انت تشير اساسا الى الطريقة الفظة التى سألتنى فيها عن اسمى 0
- هل كنت فظا ؟ حسنا , ربما ... لكننى كنت غاضبا منك 0
فقاطعته بصوت ناعم : يظهر بانك تريد ان تخبرنى قصة حياتك ! فاذا كنت ....
- لا , لن اخبرك قصة حياتى . انت التى سالت . لم تستطيعى حتى ان تتذكرى اسمك 0
- لقد ذكرت لك السبب . فانا لا اخبر الغرباء عن ....
- دعك من هذا . اى غريب انا ؟ فقد انقذتك لتوى من موقف صعب . فلماذا يجب ان تخافى منى ؟
- كنت متوترة جدا . وساكون ممتنة اذا ما سمحت لى بانهاء جملة واحدة اقولها 0
واندمجت فى دورها الجديد مما اعطاها دفعة كبيرة من الثقة بالنفس 0
- لنقل اننى لم ارد ان اعطيك اسمى الحقيقى . هذا كل ما عندى من دفاع . انت اسوا انواع الناس , لانك تحتار الاوقات غير المناسبة حتى تطرح اتهاماتك السخيفة . هذا طبيعى منك , وانا اجد ان ملاحظاتك مهينة ولن ابقى هنا دقيقة واحدة , ويمكنك ان تستمتع بالمشهد وحدك 0
ثم استدارت وتركته خلفها مصممة على الرجوع الى السيارة , بل حتى السير الى
البيت اذا رفض نقلها بعربته . المهم ان تحافظ على مظهر الثقة . اذ حتى لو كانت ترتعد داخليا , فما دامت قادرة على اخفاء الامر , فان عندها فرصة كبيرة لربح المعركة . وهذه كانت معركة بالفعل , بين شخصيته الصلبة الاستفزازية وبين موقفها دفاعا عما تعرفه ويجهله هو 0
لحقها كال على الفور . لم ينتظر ابدا , بل قفز التلة بخطوات عريضة ثم امسك بذراعها وجمدها فى مكانها . ولم يكن امامها الا الوقوف . استدارت اليه وقد امتلات بالغضب الحقيقى هذه المرة 0
- ابعد يديك عنى ايها الخبيث 0
ضاقت حدقتا عينيه وهو قول : ان لك مزاجا صعبا للغاية 0
- معك انت ؟ اجل ... انت مقرف 0
فجاة اطلق ضحكة عالية مجلجلة . نزعت فانيسا ذراعها من قبضة يده باقصى ما تملك من قوة ، وصرخت : انت حقير ... حقير ... دعنى لوحدى 0
وانفجرت باكية رغما عن ارادتها , فاسرعت تركض نحو السيارة والدموع تجب عنها الرؤية الواضحة . كان كل شئ يسبح فى ضباب خفى وكانها فى حلم . انتظرت فى السيارة حتى ياتى كال ويسحبها الى الخارج . لم تعد تهتم بشئ . انه انسان حقير 0
احست به فى المقعد المجاور , دون ان تراه بسبب دموعها . وعندها قال : حسنا جدا . لقد اوضحت ما تريدين . بربك اوقفى هذا النحيب !
قطعت المفاجاة بكاءها . تمخطت بمنديل ورقى وقالت : لقد اجبرتنى ...
واخذت تبحث عن منديل اخر في حقيبة يدها 0
- هاك منديلى 0
فاخذته ومسحت به دموعها وانفها . وفكرت فى نفسها : كم اكرهه الان !
وجاهدت كى لا تطلق الجملة فى وجهه 0
سمعته يدير الة التسجيل , فانسابت موسيقى خفيفة فى السيارة . خفف كال الصوت قليلا وقال لها وقد التقت عيناه عينيها الدامعتين : حسنا ايتها القطة المتوحشة . خففى من روعك الان 0
وتساءلت فى نفسها عن رد فعله فيما لو ضربته بقوة . وكانت الرغبة عميقة بحيث اضطرت للتشبث بحقيبة يدها كى تمنع نفسها من الضرب . ولانه لم يتوقع جوابا منها , ادار محرك السيارة وانطلق بسرعة فائقة عائدا الى دينستون هاوس . واستقرت فانيسا فى مقعدها ويداها تضغطان على المنديل والحقيبة . انها منهكة للغاية وتريد بعض الراحة بالحاح 0
وعندما استلقت فانيسا فى سريرها ذلك المساء , وقبل الاستعداد لتناول العشاء , عادت الى ذاكرتها احداث اليوم بشكل مؤلم واضح . لقد استطاعت منع نفسها من التفكير بعد عودتها الى دينستون هاوس , اذ رفضت اقتراح كال باخذ قسط من الراحة وتركته فور دخولها البيت وامضت طيلة بعد الظهر فى المكتبة . وبحلول الساعة الرابعة احضر لها فنجان القهوة بنفسه وسالها اذا كانت تشعر بالالم , ثم تركها . كانت تعابير وجهه انذاك هادئة وخالية من القسوة التى ابداها عند التلة 0
لم تعد قادرة على التمثيل الان , فقد هاجمتها مخاوفها دفعة واحدة وهى مستلقية فى سريرها . من الواضح انه يشك فيها . لكن باية طريقة ؟ لقد قال – وجاهدت لتنظيم افكارها المشوشة - ماذا قال تحديدا ؟ انا اعرف ان اسمك ليس فانيسا كولينز .. فما هو اذن ؟ تنفست بعمق وهى تسترجع كلماته حرفيا , وكذلك تعابير وجهه التى رافقت تلك الكلمات . كان يتكلم بتهكم واضح , وفى عينيه نظرة تؤكد انه يعرف كل شئ ... بحيث زرع الرعب فى قلبها 0
واخذت تزن الامور بمنطق . ما قاله لا يعنى انه اكتشف الحقيقة فعلا . يمكن ان يعتقد انني امرأة متزوجة وهاربة من زوجها . والارجح انه يفكر هكذا . نظرت الى يدها , فلم تجد اثرا للخط الابيض الذى يتركه خاتم الزواج . وفجاة نهضت من السرير وتوجهت الى علبة مجوهراتها الموضوعة على طاولة الزينة وقلبتها بحثا عن خاتم ذهبى كانت تفتن به دائما . ولما وجدته وضعته فى اصبعها وابعدته عن وجهها لتتامله مليا . هذا الخاتم سيفى بالغرض وعليها ان ترتديه دائما منذ الان , وعندها لن يلاحظ غياب العلامات الصغيرة . وقبل ان تستعد للعشاء انتزعت الخاتم من اصبعها ودخلت لغسل يديها 0
تزينت جيدا وارتدت زيا رماديا فضفاضا وطويلا يبرز قوامها الرشيق ويجعلها تبدو اكثر اناقة وسحرا . حسها يقول لها بان كال سيثير الموضوع الليلة وقبل عودة جدها غدا , اذا كان فعلا سيواصل تحقيقاته عن شخصيتها .. والارجح ان يحدث ذلك على العشاء . فاذا ما بدت باحلى حالاتها , فستحصل على دفعة كبيرة من الثقة بالنفس هى بامس الحاجة اليها 0
وقفت امام المرآة لتضع اللمسة الاخيرة من ظلال العيون واحمر الشفاه . انها صارخة الجمال , ولكن جمالها لم يكن مصدر سعادة دائما , بل كثيرا ما سبب لها المشاكل بحيث وجدت نفسها تحسد صديقاتها ذوات الجمال العادى , فهن لا يواجهن مصاعب كثيرة , ومع ذلك لا يقدرون هذا الوضع . تنهدت مطولا وهى تضع احمر الشفاه . انها مستعدة للعشاء الان 0
القت نظرة اخيرة على الغرفة ثم اطفات الانوار ونزلت الى غرفة الطعام . وجدت كال في الغرفة مع اناس اخرين هذه المرة . استعادت رباطة جاشها بسرعة بعد صدمة المشاهد الاولى . على الاقل لن يقدم على خلق المشاكل امام الناس . كانت هناك امرأتان , ام وابنتها على الارجح , تجلسان الى الطاولة التى اعدت لاربعة اشخاص . شاهدها كال فنهض لملاقاتها 0
- ها قد وصلت اخيرا 0
قال العبارة وكانه انتظرها طويلا . ثم توجه نحوها لمرافقتها الى المائدة . تنفست فانيسا بعمق لان شيئا ما اشعرها بوجود جو عدائى فى الغرفة موجه ضدها شخصيا0
- السيدة ماكرى , هيثر , هذه فانيسا كولينز . وهاتان صديقتان للسيد ماكلين0
تقدمت فانيسا نحوهما ويد كال على ذراعها . لم يتردد عندما نطق اسمها , بل ذكر اسمها الاول وكانه اعتاد عليه . مدت يدها اليسرى للسلام لان اليمنى ما زالت
مضمدة . تاملتها السيدة ماكرى مليا بعينيها الزرقاوين الحادتين وسط وجه جميل جذاب 0
- كيف حالك يا انسة كولينز, لقد تاسفنا للاصابة التى لحقتك اليوم . هل تشعرين بتحسن الان ؟
كانت ترتدى فستانا فضفاضا من الساتان السميك بلون بنفسجى فاقع , وتساءلت فانيسا فى نفسها اذا كانت هذه السيدة تعرف ان اللون لا يناسبها ابدا . اما الابنة فقد كانت مختلفة تماما . وعندما التفتت فانيسا اليها ادركت على الفور من اين جاء هذا العداء ضدها . لم تكن هيثر ماكرى مجرد شابة جميلة , فتفاصيل وجهها الاشقر كانت كاملة ابتداء من العينين الناعستين تحت رموش كثيفة حتى الشفتين المكتنزتين الحمراوين , وقد تركت شعرها الاشقر الطويل منسدلا على كتفيها وعقدته بربطة حريرية زادتها انوثة وشبابا . كما ساهم ثوبها الزهرى المفتوح فى ابراز هذه الصورة 0
ابتسمت لفانيسا .. وكان لسان حالها يقول : حسنا , انا لا احبك !
قالت بنعومة وحياء : مرحبا , لقد اخبرنا كال .... ونظرت الى الرجل الطويل الواقف الى جانبها : ... عن الحادث الصغير الذى وقع لك . انه حادث مؤسف0
لكن المعنى وراء هذه الكلمات كان واضحا بالنسبة لفانيسا التى بدات تتمنى لو انها بقيت فى غرفتها . المعنى يقول بوضوح : ان كال لى انا , فراقبى تحركاتك . وانا مسرورة جدا للحرق الذى اصاب يدك 0
ردت فانيسا بابتسامة مصطنعة : شكرا لك 0
لقد اعتادت على مثل هذه المواقف العدائية , اما اذا اعتقدت الشابة الشقراء ان فانيسا تريد الاستيلاء على كال فهى مخطئة تماما . على الاقل , كال خصم على مستوى ما , وهو افضل من هذه الشقراء النحيفة التى تبدو اكبر من فانيسا بحوالى السنة , والتى ينبئ شكلها عن الثراء الفاحش الذى يحمل الثقة المبالغ فيها الى بعض الناس 0
توجه كال الى خزانة الحائط ثم التفت نحو فانيسا وسالها : ماذا تشربين ؟
اجابته قائلة : عصير التوت رجاء 0
آه لو يظل لطيفا كما هو الان , فالحياة تكون رائعة عندها . ولن تجد فانيسا ما تشكو منه 0
دخلت السيدة بانكس حاملة طبق الحساء . وامضى الجميع دقائق في ترتيب مقاعدهم . ثم ادركت فانيسا ان السيد ماكلين يجب ان يكون هنا على العشاء والا فكيف تفسر حضور هاتين الضيفتين . وقد تاكد ظنها من خلال الحديث الذى جرى على العشاء بين كال والسيدتين فى حين ظلت فانيسا مستمعة . فقد قررت بينها وبين نفسها ان تتصرف بهدوء وان لا تتكلم الا اذا خاطبها احد الحضور. فهي غريبة هنا ومجرد موظفة , والاخرون كما هو واضح يعرفون بعضهم جيدا . لو انهم يعرفون الحقيقة لذابت الابتسامة على شفتى هيثر 0
امسكت فانيسا عقال لسانها وتناولت حساءها بحذر بالغ متذكرة ما حدث عند الظهر ... ونظرت الى كال فوجدته يحدق فيها 0
اتسعت عيناها تعجبا , ترى ما هذا التعبيرعلى وجهه ؟ خيل اليها انها ترى معنى محيرا , لكن المعنى اختفى عندما قال : الحساء ليس ساخنا كالمرة السابقة ؟
اغتصبت ابتسامة وقالت: كلا 0
كان يعمل جاهدا كى يلطف الجو . ومن خلال نظراته الى الفتاة الاخرى لم يكن الامر صعبا . من الواضح ان هناك شيئا ما بينهما خاصة النظرات الدائمة التى كانت تلقيها هيثر باتجاه كال , والبسمات التى حرصت على ان تلحظها فانيسا دائما . اما كال فقد لعب دور المضيف بنجاح فى غياب السيد ماكلين . وكان يبدو على السيدة الكبيرة اعجابها بكلام كال بحيث طغت ضحكاتها على العشاء كله . وتساءلت فانيسا عن الوقت المناسب الذى يمكنها فيه ان تنسحب الى غرفتها . فهى متأكدة من انهم لا يريدونها , كما انها لا تريد ان تبقى معهم ايضا . لكن تبين ان الهروب مستحيل ، فما ان انتهوا من تناول الجبنة والبسكويت حتى اقترح كال ان يتوجهوا الى الصالون لتناول القهوة . همهمت السيدة ماكرى موافقة , فى حين ابتسمت هيثر لكال بنعومة بالغة... اما فانيسا فقد قالت بهدوء : اظنكم ستعذروننى لعدم تمكنى من البقاء !
ضاقت عينا كال وهو يسالها : ولكنك ستتناولين القهوة معنا ؟
- لا شكرا . العشاء كان ممتازا ... لكنني لا استطيع السهر 0
ابتسم بهدوء وقال : يجب ان لا نغضب السيدة بانكس . فهى لن تقبل بان تجد فنجان قهوة غير مشروب على الطاولة , باعتبار انها فخورة جدا بالقهوة التى تصنعها 0
شعرت فانيسا برغبة طفولية فى ان ترد عليه قائلة : يمكنك ان تشرب الفنجان بنفسك . لكنها لم تفعل بالطبع . واكتفت بالقول : هل يمكن ان اخذه الى غرفتى اذن ؟
تدخلت هيثر بصوت ناعم قائلة : بالطبع يا كال . فلا شك ان فانيسا متعبة بعد حادث اليوم 0
والتفتت الى فانيسا وكانها تقول : حظك سئ .. على كل حال نحن لا نريدك ايضا0
استغربت فانيسا , وهم يسيرون فى المر المؤدى الى الصالون , كيف ان كال فظ معها بينما هو ناعم جدا مع هيثر . وقالت لنفسها : كم ان الرجال اغبياء ! يكفى ان ترف تلك المرأة جفنيها حتى يسرع كال للركوع بين يديها . على كل هما مناسبان لبعضهما ... واعتقدت ان هذه النتيجة ستعزيها قليلا , ولكن هذا لم يحصل0
وعندما دخلت السيدتان الى الصالون تمهل كال ليفسح الطريق امام فانيسا ... لكنها توقفت قليلا . استدارت نحوه وقالت: السيدة ماكرى على حق . يدى اتعبتنى . ولذلك ساستاذن بالانصراف واوي الى فراشى . وانا متاسفة على فنجان القهوة 0 رات عضلات فكه تتقلص وتشتد , فادركت انه غضب من شئ ما . اعطاها هذا الاحساس بعض الارتياح ومكنها من ان تضيف بسرعة : واعتقد ان وجودى غير مرغوب فيه فى هذه السهرة ... كما ان التلفاز سيعرض فيلما جيدا 0
ودون ان تنتظر جوابه دخلت الى الصالون وتوجهت حيث جلست السيدتان وقالت: ارجو المعذرة ... تصبحون على خير 0
ولم تنظر الى كال وهى تغادر الغرفة , لكنها شعرت بانه على وشك ان يلحق بها ويوقفها مثلما فعل فوق التلة بعد الظهر 0
اغلقت باب غرفتها والقت بجسمها عليه وتنهدت بعمق . انتهى كل شئ . و فكرت بارتياح : اذا ما التقيت هيثر العزيزة مرة اخرى فلن ازعج نفسى بمحادثتها .
توجهت نحو النافذة واسدلت الستائر المخملية . ثم ادارت جهاز التلفاز وغرقت فى الكرسى الوثير الذى يواجهه . شعرت بالندم لانها لم تنتظر قليلا لتحضر فنجان القهوة معها . ولكنها لن تنزل لاحضاره بل تفضل ان تشرب الماء بدلا من القهوة0
ملات موسيقى البرنامج الكوميدى الذى يعرضه التلفاز جو الغرفة فى حين انهمكت فانيسا فى فك سحاب فستانها ... عندما ارتدت الفستان لم تجد صعوبة فى رفع السحاب . لكنها اضطرت الان لاستعمال يديها الاثنين لان السحاب تعرقل عند الرقبة تماما . فكرت للوهلة الاولى بان تتسلل دون ان يراها احد الى المطبخ وتسال السيدة بانكس ان تساعدها . اسقطت هذه الفكرة وهى تبتسم لسخافتها . الافضل ان تبحث فى الغرفة عن شئ يساعدها مثل مبرد اظافر او مقص . واخذت تقلب كل الاحتمالات المعقولة وغير المعقولة . اسهل احتمال كان ان تنزل وتسال السيدة ماكرى ان تساعدها ... اسقطته عندما فكرت كيف ستكون ردة فعل هيثر . فجاة سمعت قرعا على الباب , ودون ان تلتفت قالت : ادخلي 0
لا بد ان كال قد طلب من السيدة بانكس ان تحضر لها القهوة . لكن الصدمة كانت كبيرة عندما التفتت من فوق كتفها لتجد كال نفسه حاملا لها فنجان القهوة ومعه بعض الشوكولاتة : آه , هذا انت ؟
وضع الصينية التى كان يحملها على الطاولة المجاورة للباب 0
- من توقعت ؟ لورى؟ سالها بجفاف وقد اسود وجهه ، وتابع : لماذا تحاولين ازاحة هذا الكرسى ؟
- حتى استطيع مشاهدة التلفاز براحة . ثم تذكرت ضرورة ان تشكره فقالت : اشكرك لانك احضرت لى القهوة 0
اجابها مضيفا: ... والشوكولاتة بالنعناع ايضا 0
ثم اقترب من الكرسى وحمله على الرغم من ضخامته وثقله وقال لها : قولى لى اين تريدينه ؟
- آه هنا .. الى اليمين قليلا .. ممتاز , شكرا لك .. لقد , لقد اعتقدتك السيدة بانكس !
ورفع احد حاجبيه وقال : صحيح ؟ انا متاسف لانني خيبت ظنك 0
بلعت ريقها وهى تقول : كنت اريد عليها ان تتحرك الان والا فات الاوان 0
- لم استطع ان افك سحاب فستانى واردت ان ...
ترى لماذا لم يقاطعها كعادته ؟ يا له من رجل خبيث . اما هو فقد ظل واقفا يراقبها بهدوء بانتظار انتهاء كلامها . وتابعت تقول : كنت ساسال السيدة بانكس ان…
من الاكيد انه سيرفض مساعدتها . واخيرا ابتلعت كبرياءها وقالت : ارجوك , هل لك ان تساعدنى فى حل عقدة سحاب فستانى بالقرب من العنق ؟
- بالطبع . لم اعرض المساعدة اولا لئلا يساء فهمى 0
ادارت ظهرها وهو فى طريقه اليها . خيم جو من الصمت على الاثنين ، فاحست فانيسا بانه يتمتع بالاحراج الذى اصابها من جراء طلبها . كانت يداه باردتين وسريعتين . حل عقدة السحاب من الاعلى , تردد قليلا , ثم كمل سحبه الى الاسفل . احست بنفسه يلفح رقبتها وهو يقول : هل يكفى هذا ؟
- لست… ، امتدت يداها الى الخلف لتجس السحاب , فالتقتا كفيه للحظات قليلة كانت كافية لبث تيار كهربائى فى جسدها0
- الى الاسفل قليلا ، ارجوك 0
يا الله , ماذا حل بها ؟ فقد كانت ترتجف مثل ورقة شجر فى مهب الريح . ابتهلت فى داخلها : ارجوك ارحل الان 0
واحست بالسحاب ينحل اكثر 0
- هذا افضل . شكرا لك 0
واستدارت بسرعة خوفا من ان يحاول ان يحله اكثر مع انها تعرف انه لن يفعل , فاصطدمت به . اسرع كال بوضع يديه حول كتفيها لمنعها من السقوط ، وللحظات وقفا صامتين واحساس بالتوتر يهيمن عليهما لادراكهما بان شيئا غريبا يحدث فى الغرفة 0
- حسنا , يجب ان اذهب الان لانضم الى الضيوف 0
حطم كلامه الصمت بينهما فاستدارت فانيسا بعيدا فى حين سار كال نحو الباب مغادرا الغرفة . فتح الباب , تردد قليلا قبل ان يقول : تصبحين على خير 0
انتزعت وسادة السرير وصفقت الباب بعنف . خيل اليها سماع ضحكته فى الممر . فوقفت فى مكانها وصدرها يغلى بالغضب .لكنها لم تكن غاضبة تماما , فالشعور الذي ملا صدرها كان جديدا عليها ... انه مخيف ومثير فى آن واحد 0
اعتقدت فانيسا انها ستاوى الى فراشها باكرا . وبعد ان خلعت ملابسها جلست فى المقعد الوثير تحتسى قهوتها مع الواح الشوكولاتة بالنعناع . احست بالتعب فقررت ان تنام فور انتهاء الفيلم التلفزيونى . ومع مضى الوقت وجدت نفسها قلقة وغير قادرة على النوم . كانت تسمع صدى اصوات تنبعث من الطابق السفلى بدون ان تعرف ما هى . ترى ماذا يفعلون هناك ؟ يتحدثون ؟ يلعبون الورق ؟ وعندما انتهى الفيلم الذى كان مملا وسخيفا مفسحا المجال للاعلانات , قامت فانيسا نحو النافذة وازاحت الستارة . امام الباب وقفت سيارة رولز رويس فخمة . من الذى يسوقها ؟ الام ام الابنة ؟ على كل حال هما ما زالتا فى البيت 0
وفى لحظة غضب ازاحت فانيسا الستائر بعنف واطفات التلفاز وتوجهت الى السرير . استلقت فى فراشها من دون ان تستطيع النوم . وازداد الالم تدريجا فى يدها بحيث لم تعد قادرة على الاحتمال فتوجهت الى الحمام وتناولت حبتين من الدواء الذى اعطاها اياه الطبيب . وبينما هى عائدة الى سريرها سمعت همهمات تصدر من اسفل النافذة فتوجهت اليها فورا . رفعت الستارة بحذر شديد ونظرت الى الباحة التى اضيئت فجاة فانعكس النور على لون الرولز رويس الذهبى , وهناك وقف ثلاثة اشخاص : السيدة ماكرى وهيثر وكال . كانوا يتحدثون , واحدهم يضحك عاليا . لمست هيثر ذراع كال الذى انحنى نحوها كانه يريد سماع كلمات خاصة منها ... ومع ان فانيسا ارادت ان تبتعد عن النافذة الا انها لم تستطع 0
واخيرا لوحت السيدة ماكرى بيدها , ففتح كال باب السيارة الخلفى لها . دخلت هيثر خلفها بعد ان تمهلت لتتبادل عناقا قصيرا مع كال . اغلق باب السيارة , فانزلت هيثر الشباك وقالت شيئا ما لكال الذى رد بضحكة طويلة . اذن هناك سائق خاص لقيادة السيارة ؟ ولماذا لا ؟ راقبت فانيسا السيارة وهى تتحرك باتجاه الباب الخارجى . وكانت على وشك ان ترخى الستارة , لكنها ترددت قليلا لتتامل كال الذى انعكس ظله على الباحة الامامية . كيف اعتقدت انه ليس قويا ؟ انه يبدو الان كحيوان شديد القوة ملئ بجاذبية لا يمكن انكارها ابدا . وفجاة استدار والتفت الى اعلى ... مباشرة باتجاه فانيسا . نظر اليها لثوان قبل ان يبتسم ويختفي داخل البيت . قفز قلب فانيسا بشدة وهى تبتعد عن النافذة . لقد شاهدها الان , فماذا يفكر فى ذلك ؟
اعتقدت انها لن تنام بسرعة , لكن حبتى الدواء اعطتا مفعولهما الفورى . وغرقت فى كوابيس مزعجة دارت كلها حول وجهين , احدهما لرجل عجوز لم تره بعد والاخر لشاب قوى الملامح اصبح مالوفا لديها تماما 0
استيقظت باكرا , لكنها ظلت مستلقية تسترجع احداث اليوم الماضى . وفجاة اعترتها رعشة باردة فانتصبت جالسة . لقد تذكرت انها ستلتقى جدها بعد ساعتين تقريبا . لن تستطيع ان تتراجع الان فقد فات الاوان . وداهمها شعورا اخر بالانزعاج عندما فكرت فى كال . فهذا الرجل سيراقبها بدقة , اذ انه يشك فيها بدون ان يعرف لماذا . لعله حدس وجود شئ غير طبيعى فى تصرفاتها ، ولذلك عليها ان تتصرف باعصاب باردة وهدوء تام . فهل تستطيع ان تنجح فى هذه المهمة ؟ حاولت ان ترخى اعصابها وهى تغسل وجهها وترتدى ملابسها . انها تحتاج لكل ما تختزن من ارادة , خاصة خلال اليومين المقبلين , وستراقب كال غرين بحرص بالغ فى هذه الفترة .
عليها ان تتناول الافطار بسرعة وتبدا عملها فى المكتبة لان الكتب ستساعدها على التفكير المستمر فى كال وجدها . كانت تتوقع ان تكره المكتبة خاصة انها قبلت الوظيفة كوسيلة لتنفيذ ماربها . لكن هذا لم يحدث . لقد وجدت متعة فائقة فى التعامل مع الكتب الانيقة وقراءة عناوينها والرجوع الى الماضى كما كان , اذ ليس افضل من كتاب يعيد احياء الماضى بلحظات . كما كانت هناك مئات الصحف القديمة التى دلها عليها لورى فى احدى الزوايا , وبعضها يعود الى اوائل القرن الثامن عشر . وقد تشوقت فانيسا للعمل فيها وترتيبها حسب التسلسل الزمنى . ولا شك ان هذه المجموعات قيمة جدا , لكن هل يعرف جدها قيمتها الحقيقية ؟ هذا ما ستعرفه قريبا 0
وبينما هى تنزل السلم متمهلة باتجاه الطابق السفلى سمعت بابا يفتح , فتوقفت . هل هذا باب غرفته ؟ لقد سمعت صوت محرك سيارة وهى تستحم , لكنها لم تشاهد شيئا امام المنزل عندما نظرت من النافذة . وفجاة اعتراها شعور بالضياع والارتباك 0
-صباح الخير 0
داهمها الصوت بحدة وهى تنزل الدرجات الاخيرة وتلتقى مواجهة مع الرجل الاتى من الصالون . ارتاحت قليلا عندما رات انه كال . كان يرتدى صديرية بيضاء فوق قميص ابيض ايضا . بدا لها جذابا اكثر من ذى قبل ، وعرفت على الفور لماذا اعجبت هيثر بهذا المخلوق القوى . ابتسم لها , فاعادها فورا الى حالة الترقب والاستنفار 0
-اعتقد ان السد ماكلين لن يكون معنا على الفطور , لكنك سترينه لاحقا 0
-الم يحضر بعد ؟
-اجل , لقد حضر0
بدت عيناه الخضراوان بلون رمادى غامق من تاثير الضوء القوى . لكن فانيسا كانت مهتمة اكثر بالنظرة المتمعنة التى اطلقها نحوها . وتذكرت انه راها مساء امس وهى واقفة على النافذة . نزلت الدرجة الاخيرة وسارت باتجاه غرفة الطعام . ولان ساقيه كانتا طويلتين فقد تمهل فى سيره كى يبقى فى موازاتها 0
-كيف حال يدك اليوم ؟ هل تشعرين بتحسن ؟
-نعم شكرا لك 0
-هل طلب منك الدكتور اينيس مراجعته مرة اخرى ؟
خففت سيرها ونظرت اليه . كانا قد وصلا تقريبا الى باب غرفة الطعام . قالت : طلب منى ان اغير الضمادة يوميا , وان ابلغه على الفور باى طارئ . ولا اتوقع حدوث التهابات لان جراحى تلتئم بسرعة 0
-ممتاز . وهل تستطيعين لف الضمادة ؟ الا تريدين اية مساعدة ؟
-لا , شكرا 0
وابتعدت عنه . اذ بدا لها للحظة وكانه سيمسك ذراعها , وهى لا ترد ان يمسها ابدا0
لم تكن السيدة بانكس فى احسن حالاتها فى تحضير الفطور . لعل ذلك بسبب عودة صاحب البيت , فربما هى مهتمة باعداد فطور خاص له ليتناوله فى غرفته . وتساءلت فانيسا عن المكان الذى كان فيه جدها . من المحتمل انه كان مسافرا . انها لا تعرف طبيعة الاعمال التى يقوم بها , خاصة ان اباها تكتم جدا فى هذه الناحية 0
-هل انت قادرة على تقسيم قطعة الجبنة ؟
فاجاها سؤاله : ماذا ؟ آه , اجل استطيع تدبر امرى 0
وقالت فى سرها : وكاننى ساسمح لك بان تقوم بالمهمة عنى . وتساءلت عما سيحدث فى عطلة نهاية الاسبوع , هل سيطلب منها العمل خلالها ؟ من الممكن ان تقبل العمل صباح السبت , اما بعد الظهر ويوم الاحد فلا . قررت الخروج فى سيارتها الى نزهة غير بعيدة , بعد ذلك ستقرا , ثم تكتب رسائل الى الاصدقاء او تكتفى بمشاهدة التلفزيون فى غرفتها ... على الاقل ستكون هناك فى مامن من ايحاءات كال ونظراته الباردة المتحدية 0
رفعت عينيها فجاة فوجدته يحدق فيها ، وتشابكت نظراتهما للحظة فى حوار صامت غريب . حبست فانيسا انفاسها . ما هو المعنى الذى تحمله نظراته ؟ هناك شئ لا تستطيع فهمه . لم يكن العداء الذى عهدته منه , وحتى لو كان كذلك فانه عداء خفى ... والى جانبه تعبير لم تتعوده من قبل , اذ لم يكن هناك ذلك الاعجاب الواضح الذى يظهر في نظرات معظم الرجال . اعادت نظرها الى صحن الجبنة وتشاغلت بالاكل . ستريه انه لا يستطيع ازعاجها 0
قالت له : ساباشر العمل فى المكتبة بعد الفطور 0
ونظرت اليه مباشرة بعد ان استعادت رباطة جاشها 0
-ممتاز . واعتقد ان لورى سيكون هناك للمساعدة . على فكرة كيف تسير امور العمل ؟
-على ما يرام . وهو يساعدنى كثيرا , لقد اكتشفت ان ترتيب الكتب امر مثير للاهتمام اكثر مما كنت اتصور 0
وقطعت جملتها . لماذا تزعج نفسها باخباره عن العمل ؟
ابتسم وكانه يشجعها على المضى فى حديثها : اذن انت مستمتعة فى عملك ؟
انه قادر على استفزازها بمجرد كلمة يقولها او تعبير يظهره ... والاسوا من ذلك انه يعى قدرته تلك . وقد ادركت فانيسا انه تعمد الاستفزاز الجديد 0
-ولماذا لا ؟ فالكتب مثيرة للاهتمام . وتابعت ببرود : ام انك لا تجدها مهمة فعلا ؟
هز راسه موافقا :انا مهتم جدا , خاصة بالكتب التى تتحدث عن الدول الاجنبية .. والتى ستجدين عددا كبيرا منها فى المكتبة 0
اجابته وقد نسيت استفزازه السابق : لقد فرزت عددا منها من بين الكتب التى احصيتها حتى الان 0
وفكرت فى نفسها انه يبدو جذابا جدا فى بعض الاحيان . وتابعت: احد هذه الكتب قديم جدا وبحالة سيئة للغاية 0
-ان بعض الكتب قديمة ومغطاة بالغبار . لذلك اقترح عليك ان تبقى الضمادة الى ما بعد انتهاء العمل ثم تغيريها مساء 0
نظرت الى يدها وقد اعجبها الاقتراح . قالت : سافعل ذلك 0
-ولا تحاولى ان تحملى الكتب بيدك المصابة , ليس خلال اليومين المقبلين فى اى حال 0
-لن افعل . اريد ان اسال : هل تعرف ما هى ساعات عملى غدا باعتبار انه السبت ؟
-لا . على كل ستتفاهمين مع السيد ماكلين حول ذلك ، فهو ليس من اختصاصى . لكننى لا اعتقد انه سيصر اذا ما اردت الراحة غدا . هل هناك مكان محدد تريدين زيارته ؟
نظرت اليه : تقصد زيارة احد ما ؟ لا , فانا لا اعرف احدا هنا . لربما خرجت فى نزهة لاستكشاف الريف الاسكتلندى ... وهذا كل شئ 0
رفع احد حاجبيه وهو يقول : وحدك ؟ حتى بعد الذى تعرضت له مؤخرا ؟
-لا اعتقد اننى سالتقي الشابين مجددا , على الاقل ليس فى الجوار 0
واعترف قائلا : معك حق , فلم يحصل ان حدثت مثل هذه الامور فى المنطقة . لكن من الممكن ان تضيعى فى الريف الواسع !
ابتسمت وهى تقول :هل لديكم خريطة ؟ صدق او لا تصدق , لقد جئت من لندن الى هنا مستعينة بالخريطة فقط . والواقع اننى خبيرة فى قراءة الخرائط واشارات السير 0
وابقت الابتسامة على شفتيها لكى تشعره بانها لا مبالية 0
ضحك كال عاليا :انا متاكد من خبرتك 0
ثم رفع وعاء القهوة وسالها: مزيد من القهوة ؟
-نعم 0
وراقبته وهو يسكب القهوة ثم يضيف الحليب . وفجاة انفتح الباب ودخل رجل فى الستينات من العمر , طويل القامة واشيب الشعر 0
لم تكن فانيسا بحاجة لمن يخبرها بان هذا الرجل هو جدها 0
*********************************
l