الفصل الثاني
فى البيت الكبير 0
اصيبت فانيسا بصدمة قوية عندما شاهدت الغرفة المخصصة لها . لكنها اخفت مشاعرها حتى غادر كال غرين المكان كى لا تعطيه فرصة الشماتة من دهشتها البالغة 0
كانت الغرفة جميلة جدا , عالية السقف وواسعة تماما , وتطل على مقدمة المنزل من خلال نافذتين عريضتين تكشفان الحدائق والسهول التي قطعتها فانيسا قبل قليل . اتجهت الى احدى النافذتين لتتامل المناظر البديعة الممتدة . ووقفت صامتة امام الستائر المخملية الخضراء . الليل اصبح اكثر حلكة , والعواصف الرعدية تزمجر في البعيد ... انهمر المطر غزيرا بحيث احست ان اخضرار الارض انعكس على الضوء الخافت فى الخارج . تركت فانيسا النافذة لتتامل اثاث الغرفة المصنوع كله من خشب السنديان المصقول . كان هناك مقعدان وثيران وسريرها المفروش بغطاء مزين بالورود . وفى احدى الزوايا استقرت ساعة حائط اثرية والى جانبها طاولة عليها مزهرية ... وكلها قديمة وغالية الثمن . ووجدت حتى جهاز تلفزيون احتل الزاوية المجاورة للنافذة 0
اثاث الغرفة يدل على ذوق راق واهتمام ملحوظ . فجاة شعرت ببعض الذنب ، لكنها تخلصت منه بسرعة . من غير المناسب ان تشعر بذلك ولم يمض على وجودها فى المنزل اكثر من خمس دقائق . لقد اتخذت قرارها نهائيا , وعليها ان تستمر في مهمتها ... من اجل ابيها 0
غطت وجهها براحتيها عندما احست بالم حاد . انه الالم الناشئ عن ادراكها بانها مهما فعلت , فان كل شئ قد فات الان . تنفست بعمق واتجهت الى مرآة تغطى خزانة بالقرب من السرير . فتحت الخزانة , فاذا بها امام حمام متكامل . لا شك ان كال غرين تعمد عدم الاشارة الى الحمام من اجل دفعها الى سؤاله وبالتالى احراجها . لكنها اسقطت هذه الفكرة من راسها فورا 0
كان الحمام يمثل جمال غرفة النوم . المرايا تغطى معظم الجدران , ما عدا النافذة التى تطل على غابات كثيفة . تلفتت فانيسا حولها بارتياح . كم كان جميلا لو انها فقط .. ! يجب ان لا تفكر بهذه الطريقة . خرجت من الحمام بحزم واغلقت الباب خلفها . سوف ترتب ملابسها وتستحم ثم تتهيا للعشاء 0
خيم جو من الهدوء والروعة على الغرفة عندما اضاءت الانوار الموزعة بشكل مناسب . اغلقت فانيسا الستائر , وفتحت حقيبتها وبدات عملية الترتيب 0
عندما نزلت الى القاعة الكبرى لم تسمع اى صوت سوى حركات رقّاص ساعة الحائط . اضيئت ثريا واحدة فاعطت نورا برتقاليا انعكس على الجدران والمقاعد الخشبية الثقيلة . كانت العاصفة الرعدية قد انتهت , ولم تتبق سوى بعض حبيبات من المطر تضرب النوافذ بين حين واخر . لذلك تشجعت وتوجهت الى الباب الخارجي وفتحته . القت نظرة متاملة على الحديقة المشبعة بالمطر . احست بقشعريرة عندما جاءها صوت من الخلف : لا اعتقد انك تفكرين بنزهة فى مثل هذا الوقت ؟
استدارت ببطء . عرفت صاحب الصوت على الفور . لم تسمع فى حياتها صوتا يشبه صوته الهادىء العميق مع تلك الرنة الساخرة التى تبدو واضحة عندما يخاطبها ... وهذا ما كان يزعجها , لكنها لن تظهر ذلك . اجابت : كنت اتامل فقط0
عادت اليها صورة شجارهما الاخير . ما زالت تحس بالوخز في ذراعيها حيث امسكها بقبضتيه القويتين . عليها ان تكون حذرة تماما مع السيد كال غرين , الان وكل اوان . كان قد غير ملابسه الى سترة مريحة مع سروال مناسب وقميص مفتوح عند الصدر . وادركت عند رؤيته – رغم شعورها نحوه- بانه جذاب للغاية , فالسترة اظهرت منكبيه العريضين , واستغربت كيف جاءها الانطباع الاول في المقهى بانه من النوع الذي يهرب من المشاكل . كان يبدو واثقا من نفسه تماما . نظرت فانيسا الى نفسها , لقد بدلت هى ايضا ملابسها الى زي ازرق اللون كان يشعرها بالارتياح دوما . كانت ممشوقة القامة بغير امتلاء , وقد ابرز اللون الازرق نضارة بشرتها الوردية . ارادت أن تبدو فى احسن صورة كى تستعيد ثقتها بنفسها , خاصة امام ذلك الرجل الذى ما لبث ان سالها : هل انت جائعة ؟ السيدة بانكس تريد ان تعرف 0
-اجل , لكننى لا اريد ان اشغلها ....
قاطعها قائلا : لن تشغليها , فالعشاء جاهز 0
اجابت بنعومة واضحة مع انها لم تكن تريد ذلك : قل لى , هل تترك احدا يكمل كلامه ؟
اجاب ضاحكا: ليس هناك وقت للكلام الفارغ , اذا كنت تقصدين ذلك . فانا اريد ان اطرق لب الموضوع مباشرة 0
وافقت بهزة خفيفة من راسها : فهمت ماذا تعنى , وعلى ان اتذكر ذلك . لكنى سارى كيف تكون ردة فعلك عندما يقاطعك احد ما 0
رفع كال حاجبيه مستغربا : لا شك ان الجوع يجعلك عصبية المزاج . هيا بنا الى غرفة الطعام , فستشعرين بالراحة بعد الاكل 0
ولمس ذراعها خفيفا وهو يدلها على الطريق 0
ابعدت فانيسا ذراعها بهدوء وقالت: شكرا لك , فانا لست طفلة . ساتبعك الى المائدة اذا ما تقدمت الطريق 0
اغلق الباب خلفه بسرعة : حسنا , من هنا الطريق 0
سار امامها متجها الى يمين القاعة , وعبر عدة ابواب مغلقة حتى وصل الى غرفة طعام واسعة فيها طاولة تكفى لحوالى خمسة وعشرين شخصا . غاص قلبها بين ضلوعها : هنا ستتناول عشاءها , بالنسبة اليها كان يكفى طعام خفيف في غرفتها . لكن الاسوا على الطريق , فعلى احد طرفى الطاولة شاهدت كرسيين فقط 0
-كرسيان ؟ ونظرت اليه 0
ابتسم وقال :نعم , كرسيان . واضاف متابعا : لم اكن لاسمح لك بتناول الطعام وحيدة .. اليس كذلك ؟
اجابت بلهجة غير مبالية :الا تستطيع فعلا ؟ كنت اعتقد ان الامر سيروق لك !
-انا مضيفك الان وحتى عودة السيد ماكلين0
نبهت الى رنة سخرية خفيفة في صوته العميق . تنفست بعمق وردت ببرودة واضحة : اي كرسى لى ؟
سحب الكرسي القريب منها وقال : تفضلى واجلسى 0
وما ان استقر بهما المكان حتى دخلت امرأة قصيرة القامة ذات شعر اشيب ، ترتدي فستانا اسود اللون , وهي تدفع عربة الطعام امامها . حدقت في فانيسا قبل ان تخاطب كال : هذا هو الحساء . من الافضل ان تتناوله ساخنا 0
-انني اعرف ذلك ، ابتسم لها بعذوبة ادهشت فانيسا ، ثم قال : هذه فانيسا كولينز التى ستشرف على ترتيب المكتبة 0
هزت السيدة بانكس راسها وعلى شفتيها ظلال ابتسامة : حسنا جدا . لقد مللت من الكتب التى تملا المكان . حدقت مرة اخرى بفانيسا قبل ان تضع الصحون على المائدة ثم تغادر الغرفة . ولاحظت فانيسا ان لهجتها عامية واضحة 0
كان الحساء المصنوع من عصير الطماطم طيب الطعم للغاية . انتظرها كال حتى بدات قبل ان يتناول ملعقته : ان كلامها اقسى من افعالها 0
قال وكانه لاحظ أستغراب فانيسا 0
-انها لم تقصد الملل من الكتب بل من عدم ترتيبها 0
-طبعا ... طبعا 0
رفعت حاجبيها بدهشة مصطنعة فلم يكن وحده قادرا على افتعال الاستغراب 0
-انا لم اتصور عكس ذلك 0
وانحنت مجددا نحو الحساء 0
تناولت فانيسا قطعة من الخبز المحمص الذى احضرته السيدة بانكس مع الحساء . كان الخبز طازجا وساخنا , والرائحة الشهية تنبعث منه . وادركت كم هي جائعة ، وقررت في نفسها ان لا تدع كال غرين يفسد عليها وجبتها مهما قال او فعل . وللحقيقة كان كال منشغلا بنفسه بحيث لم يرفع نظره اليها . استطاعت ان تراقب بحذر وجهه وهو منحن نحو الحساء ، وقد انعكس ضوء الشمعدان النارى على شعره . هناك شئ مؤثر في ذلك الوجه . ولم تستطع فانيسا ان تفسر لماذا لم تره قويا من قبل . لعل النظرة الاولى خادعة دائما , وهذا بالفعل ما حدث . فالطريقة التي تعامل بها مع الشابين تؤكد قوته . وفجاة خطر على بالها شئ جعلها تضطرب . انه لم يكتف بعدم الخوف منهما بل كان يستمتع بالقتال معهما . عادت الى صحن الحساء لتخفي اضطرابها , اذ تذكرت ما حدث لها معه في الممر العلوى . اين فرصتها في التغلب على رجل مثله ؟ لقد هددها بالفعل عندما حذرته من انها ستركله بقوة . لعله كان على حق . وشعرت بشئ يرتعش داخل جسمها ... شئ من الحقيقة , مع شعور اخر لم تستطع تحديده جعل قلبها يخفق بسرعة . ومهما يحدث الان فقد حذرها سلفا . عليها ان لا تحاول التورط معه ابدا . ومع انها وصلت الى هذه القناعة , الا ان سؤالا اخر الح عليها : هل سيكون الامر صعبا ؟
-وهذه غرفة زجاجية خاصة للنباتات0
كان كال غرين يريها انحاء المنزل . لم تجد فى تصرفاته ما يمكن ان يعطيها مجالا للشكوى 0
رددت الغرفة صدى صوتيهما وهما يدخلان اليها . كان الجو دافئا ورطبا . شاهدت العديد من النباتات الغريبة الموضوعة في احواض فخارية مختلفة الاحجام , وكذلك كرمة عنب كبيرة تتسلق الحائط وتمتد على امتداد مساحة السقف الزجاجى . نظرت الى اعلى فلمحت عنقودا من العنب يختبىء تحت الاوراق الخضراء . قالت بصوت خافت :انه رائع 0
وافقها قائلا : رائع جدا . كنت متاكدا من ان المكان سيعجبك . سخرية خفيفة فى صوته , لكنها شعرت بها باى حال . يا له من رجل كريه . نظرت اليه . عليها ان تحافظ على هدوئها , لانها اذا اضطربت سوف ...
-اتمنى أن ارى المكتبة 0 قالت بنعومة : الن تقودنى اليها ؟
كان العشاء ممتازا بالرغم من بطء الخدمة . وقبل ان يتناولا القهوة في الصالون الكبير اصر كال على ان ياخذها في جولة على البيت 0
- طبعا . المكتبة هي خطوتنا المقبلة 0
شاهدا معا الصالون الكبير والمطبخ الفسيح , والعديد من الغرف الصغيرة ... احداها تستعمل كمكتب عمل واخرى تضم الة كاتبة واوراقا مختلفة . منعها كال بادب من البقاء طويلا في هاتين الغرفتين فحبست في نفسها عدة اسئلة ستطرحها في وقت لاحق 0
انبعث هواء حار عندما فتح باب غرفة النباتات وخرجا منها الى الممر . سمعته يغلق الباب خلفه ثم يقول: سنتجه شمالا عند اخر الممر 0
غريب كيف يحس الانسان اتجاه شخص لا يحبه . كان خلفها تماما , احست بنخزات في ظهرها وكانها تتوقع منه ان يهاجمها ...
ثم قفزت وهي تصرخ عندما احست بلمسة على ظهرها , اخذ يضحك : هل افزعتك ؟ انت ذاهبة في الاتجاه الخاطىء . من هنا رجاء 0
تجاوزها وهو يمسك بذراعها ليدلها على الطريق . استدارت بخضوع . قالت لنفسها : صرت اضطرب كهرة صغيرة كلما كان قريبا منى . يجب ان اوقف هذه المهزلة واسيطر على نفسى ... والا سيعرف الحقيقة 0
فتح احد الابواب . دخلت الى المكتبة ونظرت في كل اتجاه . احست بقلبها يغرق من شدة القرف . ماذا توقعت هنا , مكتبة منظمة حيث الكتب تحتل رفوفا جميلة ؟ الامر ليس كذلك في هذا البيت . مئات ومئات من الكتب المبعثرة في كل اتجاه , والتي تصل بالسقف بفوضى مرعبة 0
-هذه هي المكتبة . ماذا كنت تتوقعين ؟
كان يراقبها , ولاحظت في عينيه اللامعتين شعاعا من السخرية والتشفى 0 هزت فانيسا راسها باستسلام واعترفت : كنت اعتقد ... الواقع انها اكبر قليلا مما تصورت 0
بدت ابتسامة خبيثة على شفتيه : الحقيقة انها اكبر بكثير . في كل حال يبدو انك قادرة على التعامل معها , لكنك بحاجة الى ملابس قديمة لان بعض الكتب مغطى بالغبار منذ سنوات 0
كان هناك نوع من التشفي في نبراته 0
نظرت اليه بحدة . انه يستغل قرارها بعدم الانجرار الى مواجهة معه كى يثير اعصابها , وهو يدرك تماما ان تصرفاته تجعل الامور اسوا ... ومع ذلك بلعت ريقها بصمت 0
-سوف ابدا غدا . اجابته بثقة اؤكد لك ان بعض الغبار لم يزعجني ابدا 0
ابتسمت وهي تنظر اليه من اسفل الى اعلى , وتتصوره غارقا في غبار مئات الكتب . سيبدو مثيرا للضحك ... لكنها لم تجرؤ على ذلك 0
- حسنا جدا رفع احد حاجبيه وتابع قائلا : هيا بنا , ساريك القبو الان ثم نتناول القهوة . يجب ان لا نترك السيدة بانكس تنتظر اكثر 0
-القبو ؟
هل يعتقد انها تريد رؤية الفحم او مواد التموين ؟ وامسكت ضحكة كادت تفلت منها 0
-صدقيني سيعجبك المكان جدا . هيا بنا من هنا 0
تقع السلالم المؤدية الى القبو في الجهة الخلفية للمنزل . وكانت فانيسا تشعر بالضياع طيلة جولتها في البيت الكبير ... فهذا بيت ابيها ... هنا ولد وترعرع ولعب ...
-ساسير في المقدمة . فالسلالم ضيقة وشديدة الانحدار . هل ترين طريقك ؟
-نعم , شكرا لك 0
الجدران مطلية بلون ابيض . والسلالم حجرية مغطاة بسجاد سميك بحيث لا تكاد تسمع وقع خطواتهما . سارت فانيسا خلف كال حتى وصلا الى ممر تضيئه انوار خفيفة شاحبة وتطل عليه عدة ابواب كلها مغلقة 0
تلفتت حولها بسرعة عندما خطرت على ذهنها فكرة انه قد يحتجزها في الفبو . الفكرة غير معقولة بالطبع , لكن مع مفاجات هذا الرجل كل شئ محتمل 0
-من هنا . هذا الباب ما اردت ان اريك اياه 0
فتح كال الباب البني الواقع الى الشمال . وترددت فانيسا في الدخول لكنها عندما فعلت اصيبت بدهشة شاملة . اذ ما ان اضاءت الغرفة حتى شاهدت شيئا لم تكن تتوقعه ابدا , ولم تجد ازاءه سوى الدهشة 0
وجدت نفسها في غرفة رياضة واسعة مزودة بالحبال والقضبان الحديدية واحصنة القفز وادوات رفع الاثقال . وفى احدى الزوايا دراجة ثابتة للتمارين البدنية . استدارت فانيسا نحو كال وقد زالت من نفسها للحظات كل العداوة تجاهه ، وقالت : انها رائعة جدا 0
-السيد ماكلين رياضى مداوم . ياتي الى هنا مرتين او ثلاث مرات اسبوعيا 0
تقدم كال نحو فراش اسفنجى فى احد جوانب الغرفة وقال : هذا فراش لرياضة الجيدو . السيد ماكلين يجيد هذه اللعبة ايضا 0
نظرت اليه وتساءلت : هل انت مدربه ؟
هز راسه نافيا وقال : كلا . انا لم ادربه . لكننا نتمرن سويا . انه في حالة ممتازة بالنسبة لسنه 0
فانيسا تعرف كم يبلغ جدها من العمر . عرفت ذلك من ابيها . انه في السادسة والستين . لكن من المفروض ان تجهل ذلك , وقد تكشف هويتها الحقيقية اذا لم تكن حذرة في مثل هذه الامور 0
-كنت اعتقد ان السيد ماكلين عجوز جدا 0
نقلت نظرها بين الفراش وبين كال , ولاحظت الحدة فى نبرته عندما اجابها : انه في منتصف الستينات على ما اعتقد , وهذا لا يعني انه عجوز جدا 0
لماذا نظر اليها بهذا الشكل ؟ لقد بدات تشعر بعدم الارتياح . هل هو شعور المجرم بانه سينكشف بين لحظة واخرى؟
وغيرت فانيسا مجرى الحديث لاخفاء اضطرابها وقالت : الان فهمت عرضك بتدريبي ... فكل شئ موجود هنا !
لكنها ندمت على كلامها لانها كانت تحاول نزع تلك الفكرة من راسها 0
-ما زلت تتذكرين العرض هل تريدين الدرس الاول الان ؟
تجاوزت الامور الحد . حاولت فانيسا ان تبتسم بصعوبة وهي تقول : بالطبع لا .. فانا لا اتوقع ...
قاطعها بهدوء : خائفة ؟
-لقد شاهدتك خلال قتال حقيقى , وهذا يكفى . لربما شطت بك حماستك بعيدا . اقصد , لا اريدك ان تشعر بالذنب اذا ما حدث ... ان كسرت ذراعى مثلا 0
ابتسم برقة وهدوء وقال : اؤكد لك اننى ساكون حذرا جدا 0
-انا متاكدة من حرصك , لكننى لا اريد الان 0
استدارت فانيسا متجهة نحو دراجة التمرين . فوجئت بكال يمسك بذراعها ويوقفها بسهولة 0
نظرت الى اصابعه القوية حول ذراعها وقالت بحزم : ارفع يدك عنى !
-اجبرينى على ذلك 0
رمقته باستغراب شديد , فيما كان يتابع قائلا : لو كنت احمل نوايا سيئة اتجاهك لما صمدت لحظة امامى . عليك بتعلم بعض اسس الدفاع عن النفس , وسيكون هناك عنصر مفاجاة يكفى لانقاذك منى 0
ظلت فانيسا جامدة في مكانها للحظات , ثم قالت: لماذا انت مصمم على تدريبى ؟
-لانك واجهت وضعا خطيرا جدا في طريقك الى هنا, اذ ليس لديك اية فكرة عن سبل المواجهة ... وايضا فانا لا احب النساء اللواتي لا يستطعن الدفاع عن انفسهن0
ورفع قبضته عن ذراعها تاركا لها حرية الذهاب , لكنها لم تتحرك , ففي كلامه كثير من الحقيقة . وبالرغم من عدم الاعجاب المتبادل الا انه يعني ما يقول 0
قالت بعد تردد : انني استطيع حماية نفسى . اذا هاجمتنى لان فسوف ارفع قدمى واركلك بشدة ....
قاطعها قائلا : ... سوف تجدين نفسك ملقاة على ظهرك قبل ان تصل قدمك الى هدفها 0
ولما راها مترددة وغير مصدقة تابع قائلا : تريدين اثباتا ؟ اذن هيا جربى ... هيا 0
اندهشت وقالت باضطراب : ربما ... ربما اؤذيك 0
اجابها ضاحكا : سوف اغامر ... هيا جربى 0
هزت راسها موافقة لانها تدرك انه يقول الحقيقة :لا اريد ان اجرب . اننى اصدقك0
والتفتت الى الخلف حيث فراش الجيدو . وارتجفت عندما فكرت بانه سيرميها الى الفراش بلمحة البصر 0
قال لها وكانه يقرا افكارها : لن ارميك بقوة . بل لن تشعري بذلك ابدا . وهذا شئ اخر يجب ان تتعلميه : ان تتقنى طريقة السقوط بدون التعرض للاذى 0
-سوف افكر في الامر جديا 0
وابتعدت باصرار عنه . الفكرة كلها سخيفة . لم تسمح له ان يعلمها كيف تدافع عن نفسها , بل لن تسمح له بان يلمسها ... ولكنها شعرت برعشة خفيفة عندما خطرت هذه الافكار في ذهنها 0
طردت الفكرة من راسها ووقفت تتامل دراجة التمرين وعدادي السرعة والمسافة الملحقين بها , والذين يؤشران للمسافة التى قطعها الراكب والسرعة التي سافر بها . سيكون من الممتع بعد نهار طويل من العمل بين الكتب والغبار , ان تنزل الى الغرفة لتسافر عدة اميال على الدراجة . اغتصبت الابتسامة التى اوجدتها الفكرة عندما رات كال غرين يراقبها 0
-هل هناك شئ اخر تريد ان ترينى اياه ؟
قالت بسرعة لان نظراته تلك اشعرتها بعدم الارتياح 0
-الحمامات هنا , وغرف تغيير الملابس الى جوارها ... هذا كل شئ 0
-حسنا , هل يمكن الان ان نذهب لتناول القهوة ؟ انني متعبة جدا من جراء السفر واريد ان اوى الى فراشى باكرا اذا امكن !
-بالطبع . فالقيادة الطويلة متعبة جدا 0
سارا معا باتجاه الصالون . التوتر كان مخيما عليهما , ومن الممكن ان ينفجر في اية لحظة اذا لم تكن حريصة , خاصة ان شعورهما بعدم الاعجاب المتبادل يجعل الامور اكثر خطورة . وتساءلت عن السبب في هذا الشعور وهما لم يلتقيا الا منذ ساعات قليلة 0
قبل ان تاوى الى فراشها قررت فانيسا ان تنظر الى الامور من زاوية مختلفة صباح الغد , انها متعبة , ولم تكن كاذبة عندما قالت لكال غرين ان السفر قد انهكها . فالحادث المشؤوم الذى كاد يقع لها خلق ردود فعل عديدة . هناك اشياء كثيرة يجب ان تشكره عليها , لكنه جعل الامر صعبا للغاية . رتبت وضع وسادتها ودخلت الى فراشها بعد ان اغلقت الباب باحكام . كانت القهوة بانتظارهما في الصالة عندما عادا من غرفة الرياضة , ولم يكن هناك من اثر للسيدة بانكس او زوجها . لعلهما لا ينامان في القصر . يعنى ... ضحكت فانيسا في سرها وهي تسحب الغطاء الى كتفيها . فكال غرين غير معجب بها ، ولن يحاول بالتالى ان يتسلل الى غرفتها . استلقت على ظهرها وحدقت في السقف طويلا . رات شقوقا متشعبة تتفرع فى كل اتجاه . حاولت ان تتصور اشكالا في هذه السقوف ، لكنها لم تستطع لان الخطوط بدات تغيب عن ناظريها . رفعت يدها وجذبت الخيط الذى يتحكم بالانوار ... اطفاته ونامت 0
استغربت فانيسا عندما استيقظت باكرا , ما الذى جاء بها الى هذا المكان الغريب ؟ لكن سرعان ما عاد اليها سيل الاحداث التي وقعت بالامس . نقلت عينيها فى انحاء الغرفة تستكشفها على ضوء الفجر الباكر . كل شئ يبدو مختلفا ، والنور المنسكب من خلف الستائر اظهر اتساع الغرفة وتناسقها الجميل . غادرت فراشها واتجهت الى النافذة 0
كان الضباب الكثيف يغطى الارض , فظهرت الاشجار والزهور وكانها غارقة في بحر من الدخان الابيض . السكون يلف المكان . عادت الى سريرها واستلقت عليه برهة . في هذه الاثناء كان الضوء يشتد في الغرفة , وادركت فانيسا انها لن تستطيع العودة مجددا الى النوم خاصة ان عقلها ملىء بالافكار المتضاربة 0
بلغت الساعة السادسة والنصف . وقد ابلغها كال امس ان طعام الافطار سيقدم عند الساعة الثامنة والنصف . وهذا يعنى ان هناك متسعا من الوقت للاستحمام وارتداء ملابسها والذهاب في نزهة قصيرة 0
ملات فانيسا المغطس بالمياه الساخنة وهي تفكر ان نزهة قصيرة حتى الابواب الخارجية لحديقة المنزل ستساعد على فتح شهيتها للافطار وتعدها للعمل المتعب في غبار المكتبة . ولكن من الافضل ان تاخذ حماما ساخنا بعد عناء النهار ؟ لعل حمام المساء افضل ؟ في كل حال تستطيع ان تستحم مرة اخرى . فقد اخبرها كال ضمن ما اخبرها امس , ان المياه الساخن جارية بشكل دائم فى المنزل ... فالمجرى المائي الذي ينبع من سفح الجبل يؤمن للمنزل احتياجاته من الماء , بالاضافة الى انه يسير المحرك الذي يولد الكهرباء ايضا 0
وعندما استلقت فانيسا في المغطس الساخن ، استعادت ذكرى السهرة القصيرة التى امضتها مع كال امس حول فنجان القهوة . ورغم كل شئ , لا تستطيع ان تنكر انها كانت هدنة سلمية وسط نهار ملىء بالمواجهات . لقد حاول جهده ان يكون ساحرا ولطيفا , وربما تعمد ذلك لكنها ليست متاكدة . واستطاعت ان تشاهد جانبا اخر غير متوقع من شخصيته 0
ارتدت ملابسها وهي تفكر كيف سيكون نهارها الاول هنا . ولانها خافت من البرودة فى الخارج بعد حمامها الساخن , وضعت على كتفيها معطف الفرو الناري اللون وتسللت بهدوء من غرفتها الى الطابق الاسفل 0
وحدها ساعة الحائط الاثرية كانت مستيقظة من خلال دقاتها الرتيبة . وما عدا ذلك لم تسمع فانيسا اى شئ في البيت الذي بدا مهجورا . انها السابعة وعشر دقائق من صباح احد ايام يونيو( حزيران) , واليوم سترى جدها لاول مرة . سوف تراه وتتحدث اليه كانه غريب . هو لن يعرف الحقيقة حتى اليوم الاخير , وعندها يكون الاوان قد فات لانها ستغادره 0
احست بالعرق البارد يتصبب من راحتى يدها , فاسرعت تغادر البيت الى الهواء الطلق . وقفت لحظة امام الباب تستقبل الهواء البارد المشبع بالرطوبة وهو يلفح وجهها . لقد انقشع الضباب قليلا واصبح الطريق المعبد مرئيا نوعا ما , بالرغم من ان الاشجار كانت ما تزال فى بحرها الابيض الساكن . ابتسمت بعطف وهي تشاهد الارانب تهرب من الطريق عائدة الى الاشجار . لو ان هذه الارانب الجميلة تعرف انها لا تريد بها شرا ؟
من الواضح ان الجو ينبىء بطقس مشمس جميل هذا النهار . شعرت فانيسا بقشعريرة تسرى في جسمها . ها هى هنا الان ملتزمة بانهاء ما عزمت عليه- بغض النظر عن النتائج- ولا يمكن ان تتراجع ابدا 0
هل هي نادمة لانها تركت عملها ؟ الزمن وحده سيجيب . كان عليها ان تترك العمل فى اى حال خاصة ان رئيسها اصبح مزعجا مضجرا , وباتت لا تحب ان تدخل الى مكتبه لتلقي التعليمات منه . أطبقت عينيها قليلا . ان كال غرين على حق فيما يتعلق بمسالة الدفاع عن النفس . منذ ان بلغت السادسة عشرة , وتحول جمالها الطفولى الى فتنة نسائية طاغية , والرجال يحومون حولها دائما مما سبب لها الكثير من المتاعب . صحيح انها ترتاح لقدرتها على التاثير في الجنس الخشن , لكن هناك جانب اخر للجمال فشل جميع من عرفتهم في فهمه والتعامل معه . فالجمال يسبب التعاسة والغيرة والشك لدى المعجبين الكثر , وايضا لدى صديقاتها اللواتى اخذن يتجنبنها ويحاولن ابعاد رجالهن عنها مهما كلف الامر 0
والان ، لاول مرة فى حياتها , وجدت الرجل الذي لم يقع تحت تاثيرها ... بل هو معاد لها , حتى ان احدا من الذين عرفتهم لم يعاملها كما عاملها كال غرين . معاملته ليست فقط مزعجة بل متحدية ايضا ... واشياء اخرى كثيرة لم يجرؤ احد من قبل على التعامل معها بهذا الشكل , خاصة عندما واجهها بعنف في الممر امس . قد هددها بالفعل . فهى اعتادت على الاعجاب العميق من الجميع بحيث شكل لها اسلوبه الفظ صدمة عنيفة , كم كان مرعبا معها , وفجاة , عادت فانيسا الى الواقع على صوت عواء حاد ... شاهدت امامها كلب حراسة ضخما وقد تحفز للهجوم 0
تجمدت فانيسا فى مكانها . تعرف من خبرتها ان عليها عدم القيام باية حركة . فجاة سمعت صوت رجل موجود فى مكان ما بين الاشجار : لا تتحرك يا شيبا 0
اجتاجتها موجة عارمة من الارتياح . ولم تعد قدماها قادرتين على حملها وهى ترى رجلا طويل القامة في ثياب سوداء يتجه نحوها . كان فى مقتبل العمر ، قوى القامة له ملامح الغجر السمراء . ابتسم عندما التقت نظراتهما , وقال بلهجة مؤدبة : صباح الخير 0
لهجته الاسكتلندية كانت مليئة بالاحترام ولاحظت فانيسا نوعا من الخجل فى تعابيره وتصرفاته : صباح الخير . هل هذا كلبك ؟
-نعم 0
ثم خاطب الكلب قائلا : الان يا شيبا عد الى البيت 0
نظر الكلب الى صاحبه ثم اطاع الأمر وسار بعيدا . تنفست فانيسا بارتياح عميق 0
اعترفت قائلة : كنت ... متوترة الى حد ما 0
-انت تعرفين ان شيبا لم يتوقع ان يرى احدا فهذه المنطقة خاصة ..
كان يستعمل لهجته المؤدبة فى محاولة لايضاح الموقف دون اتهامها بالتسلل الى البيت 0
-اعرف ذلك . اننى اقيم هنا 0
فجاة شاهدت في عينيه نظرة تحد : اذن انت ... الانسة التى جاءت لتنظيم المكتبة ؟ -نعم 0
واضطرت الى مواجهته بغضب عندما انفجر ضاحكا . لكنه استدرك بسرعة وقال :
انا اعتذر . انني اضحك لانهم طلبوا منى ان اعطي بعض الوقت للمساعدة في تنظيم المكتبة ... وقد حاولت التملص من ذلك 0
ثم اضاف مبتسما : لكننى تاكدت الان من اننى اخطات بالرفض 0
كان هناك شئ جذاب في هذا الرجل ... وشئ اخر بدا مالوفا . لكن فانيسا استبعدت الامر . لقد ارتاحت لانها التقت رجلا لا يتعمد ان يكون فظا 0
-انا متاسفة ايضا 0
ثم اضافت باستغراب: تساعدنى فى ماذا ؟ لا اعتقد ان الامر يحتاج الى ....
قاطعها قائلا :اساعدك في الكتب . اقصد انزالها عن الرفوف العليا . فهناك اماكن يصعب على المرأة الوصول اليها 0
هزت راسها موافقة : آه ... لم افكر فى ذلك 0
-اذن متى ستبداين العمل ؟
-اليوم . لكن اليس عندك عمل اخر؟
-بالطبع . انا البستانى ، واعمل هنا مع ابى وعمى ... وهما سيتدبران الامر من دونى 0
لم يكن فى طول كال غرين , لكنه كان اضخم بنية واقوى مظهرا , اقترب من فانيسا ووقف امامها قائلا : انا لورى ماكينزى 0
من الواضح انه ينتظر سماع اسمها , ومع ذلك لم يسال مباشرة . ليس مثل كال الذى طالبها باسمها . لكن لماذا تعود هذه الافكار لتزعجها الان ؟
-انا فانيسا كولينز 0
كانت يده دافئة وقوية 0
سوف اذهب الان , انسة كولينز , لكننى ساعود الى البيت الكبير فى وقت لاحق ... سوف تباشرين العمل بحدود الساعة التاسعة , اليس كذلك ؟
-اعتقد ذلك , فالسيد ماكلين لم يحضر بعد , والسيد غرين هو المسؤول في هذا الوقت 0
لم يكن هناك سبب لقول هذه الجملة , لكن لعلها ارادت ان تعرف شيئا ما عن الرجل الذي ستقابله هذا النهار 0
-آه .. انه هو 0
رنة صوته كانت غريبة , وللحظة اعتقدت انه يقصد جدها , لكن كلامه اللاحق بين لها خطاها 0
-سوف اتى مباشرة الى المكتبة واساعدك . فذلك الرجل سيطلب منى مغادرة البيت اذا ما شاهدنى 0
وكان على وشك ان يضيف شيئا اخر ، لكنه توقف0
-السيد غرين ؟ لماذا ؟
ضحك لورى ماكينزى: لقد قلت ما فيه الكفاية . فالى اللقاء يا انسة كولينز 0
ورفع يده مودعا , وقفل عائدا من حيث جاء ... واختفى بين الاشجار . سارت عائدة الى البيت وهى اكثر فضولا من ذى قبل 0
راقبت فانيسا كال غرين على مائدة الفطور . ارادت ان تشير الى لقائها بلورى ماكينزى , لكنها خشيت ان يعرف كال ان لورى سوف ياتي الى مساعدتها فى المكتبة . لذلك التزمت الصمت , ارادت ان تعرف لماذا يكره لورى كال الى هذا الحد ؟ وهل المشاعر متبادلة بين الرجلين ؟ ولم تكن لتدرك ان الجواب سياتى قريبا جدا , وبطريقة غير متوقعة 0
*********************************