الفصل الثامن
من خاف سلم
انقضت صلاةُ التراويح في ليلة ملأها السكونُ، وانصفَّ المصلون كذلك في سكون، وجاءني أحمد يَحمل في يَمينه كُتيِّبًا صغيرًا، سلم ثم قال: ما رأيُك في هذا الكتاب الجميل؟ تناولته منه، وما أنْ وقع بَصَري على عنوانه حتى انفرجت أساريري، لقد كان عنوان الكتاب "شرح الأسباب العشرة الموجبة لمحبه الله"، رد عليَّ ابتسامتي بابتسامة مُشرقة قائلاً: هذا هدية تُعينك على زيادة مَحبة الله في قلبك، قلت: أنا في غاية السُّرور، هذه أجمل هدية تلقيتها، أشكرك من كلِّ قلبي، قال أحمد: أرجو من الله أن تنتفع به كخُطوة على طريق حب الله، ولكن اسمح لي أنْ أسأل عن أيِّ عبادة قلبية نتحدث اليوم؟
أجبته: نتحدَّث عن "سوط الله الذي يسوقُ به عبادَه إلى المواظبة على العلم والعمل؛ لينالوا بها رتبة القُرب من الله - عزَّ وجلَّ - وهو سراج القُلوب، به يُبصَر الخير من الشر، نتحدَّث عن الخوف الذي هو تألُّم القلب واحتراقه؛ بسبب توقع مكروه في المستقبل، قال أحمد: ولِمَ أعَرِّض نفسي للخوف الذي يُؤلم قلبي؟ إذا أحسست بالخوف سأهرب، قلت: وهذا ألطف سر في الخوف - يا أحمد - أنَّ كل أحد إذا خفته، هربتَ منه، إلاَّ الله - عزَّ وجلَّ - فإنَّك إذا خفت منه، هربتَ إليه، فالخائفُ هارب من ربِّه إلى ربه، لا يخاف لمجرد الخوف؛ بمعنى أنَّه ليس المقصود أن نخاف من أجل أن نخاف، بل نخاف؛ ليكونَ الخوف وسيلة لتصلح أحوالنا، فمن خاف اليوم أمن غدًا، ومن أمن اليوم، خاف غدًا.
قال أحمد: وهل هنالك حدٌّ لهذا الخوف؟ أجبته: نعم، نعم، يا أخي، وحدُّ الخوف الواجب هو ما حَمَل على أداء الفرائض، واجتنابِ المحارم، فإنْ زادَ على ذلك بحيث صار باعثًا على التشمير على نوافل الطَّاعات، كان محمودًا أيضًا، فإنْ تزايد الخوف بحيث أدَّى إلى مرضٍ، أو هَمٍّ لازمٍ، أو قعود عن العمل، لم يكن خوفًا محمودًا، وهذا هو حد الخوف.
قال أحمد: فلنفترض أنَّ العبدَ مستقيمٌ ملتزم، فمن أيِّ شيء يخاف؟ أجبته: إن هذا العبد المستقيمَ يخاف أكثر من غيره، فكلما ازدادت معرفة العبدِ بربِّه، ازداد خوفُه من مولاه - سبحانه - قال أحمد: وممَّ يخاف؟! قلت: هذا العبد الطيب يخاف من عدم قبول عمله، ويخاف من سوء الخاتمة، ويخاف من نقصان الدرجة.
وأما إن كان مائلاً منحرفًا عاصيًا، فخوفه من سوء فعله، وينفعه ذلك مع النَّدم والإقلاع لا مع الاستمرار والإصرار على الذنب.
فالخائف المستجير هو الذي يَمنعه الخوف من الذُّنوب والمعاصي، بل من خاف الله حقًّا "أمَّنه الله ممن سواه، بمعنى أنَّه كلما ازداد الخوف، وعظم في القلب العبد، زال منه الخوف ممن سواه، ولذا فهذا الخوف يكون معه سعادة وسرور، مع كونه يزعج الإنسان، ويُخوفه من موقفه بين يدي الله - تعالى - غدًا، إلاَّ أنَّه دليل الإيمان؛ ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175]، وجعل - سبحانه - أصحاب هذا الخوف الصادق أصحاب أعلى المقامات؛ ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46]، فمدح الله مَن خاف مقام ربِّه، ووعده بالجنة التي يأمن فيها".
فعاقبةُ الخوف مَحمودة ﴿جنتان﴾، ورضا الرَّحمن والنَّجاة من النِّيران، والعيش في أمان، وإنَّها دعوة للخوف، ولكنَّه الخوف في أبهى صُوره، الصورة التي تبني ولا تَهدم، فما رأيُك يا أحمد، هل ستسلك طرق الخائفين؟ أجابني: بل سأعيش فيه؛ ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ [الإسراء: 8]، قلت: نسأل الله أن يرزقنا خشيته في الغيب والشهادة، ولكن اعلم - يا أحمد - أنَّ للخوف جناحًا آخر لا ينفكُّ عنه قد قرن الله - عزَّ وجلَّ - بينهما، فقال: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: 56].
أرجوك مولاي:
"فالله - عزَّ وجلَّ - أمرنا بالدُّعاء المقترن بحال الخوف، وحال الرَّجاء؛ أي: وادعوه وأنتم خائفون طامعون في فضله، فالرَّجاء - يا أخي - أن تكون مستبشرًا طامعًا في جُود الله، وفضله، وكرمه، ومَنِّه، مع بذلِ الجهد، وحسن التوكُّل، فتبذل جُهدَك ما استطعت في الطاعة، وتتوكل على الله في الوصول إليها، مع كونِك ترى أن ما قدمته من طاعة عمل ضعيف لا يستحق القَبول، لكنك تطمع في كرمه - عزَّ وجلَّ".
وهنا قال أحمد: هل معنى ذلك أنَّ الرجاءَ هو الأماني التي يتمنَّاها الإنسان ويسعى في تحقيقها؟ أجبته: لا، واحذر - يا أحمد - هنالك فرقٌ شاسع بين الرَّاجي مع كونه يرى عيوب عمله، ويطمع في القَبول، وبين المتمني الذي يرى نفسه أدى ما عليه وزيادة، فالرغبة والاستبشار ليسا رجاءً، وإنَّما هو التمني الذي ذَمَّ الله المنافقين لأجله؛ ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾ [الحديد: 14]، وقد بين صفتهم الحسن البصري - رحمه الله - فقال: "كم من أناس خرجوا من الدُّنيا ولا حسنة لهم! يقولون: نحسن الظن بالله - كذبوا - لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل".
فحُسن الظنِّ أن تعلم أن الله يثيب المؤمنين ويُحبهم، ولك أن تتخيل - يا أحمد - الفرق بين الراجي والمتمني: "هناك رجلٌ أراد التوجُّه إلى القاهرة، فاستقلَّ القطارَ إلى مرسى مطروح، ولكنه لم يزل يدعو طوال الطريق: اللهم بلغني القاهرة، اللهم أوصلني إلى القاهرة، يُحدِّث نفسه أنَّه سوف يصل إلى القاهرة، ويقول: إن شاء الله أصلُ إليها، فنحن نحسن الظن بالله، فهذا هو المتمني.
أمَّا الراجي، فهو الذي يأتي قبل الموعد، ويركب القطار المتوجِّه إلى القاهرة، ويقول: إن شاء الله نصلُ إلى القاهرة، اللهم بلغنا القاهرة، برجاء ألاَّ يتعطَّل القطار فلا يستطيع الوصول، فهو يرجو أن يوصله الله إلى غايته، فهذا راجٍ، والآخر مُتمنٍّ".
فالرجاءُ - يا أخي - ضرورةٌ للمسافر إلى الله - تعالى - لو فارقه الرجاءُ لحظة تَلِفَ أو كاد يَتْلَفُ؛ لأنَّ المسلم يدور ما بين ذنب يرجو غفرانَه، وعيبٍ يرجو إصلاحَه، وعملٍ صالح يرجو قَبوله، واستقامةٍ وهدايةٍ يرجو حصولَها وثباتَها، وقربٍ من الله يرجو الوصول إليه.
وهو "أثناء سيره إلى ربِّه له نَظَران: نظر إلى نفسه، وعيوبه، وآفات عمله من العجب والرِّياء، والاغترار بالعمل، وهذا يفتح عليه بابَ الرجاء، وهذا هو النظر الثاني، ولا بُدَّ يا أخي من الموازنة بين الخوف، فهما جناحان لطائر محلق".
قال أحمد: إذًا متى أعلو بجناح الخوف؟ ومتى أرفع جَنَاحَ الرَّجاء؟ ومتى أُرَفْرِف بكليهما؟ أجبته: تعلو بجناح الخوف، وتعلو دون الوصول إلى اليأس من رحمه الله، ثم تستبدله بجناح الرَّجاء، فترتفع به دون الوصول إلى الأمن من مكرِ الله، واعلم أنَّ رأس الطائر، الذي هو سببٌ لحدوث التوازُن بين الجناحين هو الحب، فيكون التوازُن بين الحب والخوف والرَّجاء اعتدالاً وانتعاشًا لقلب المؤمن، بل وحياة له.
قال أحمد: وكأنَّها مُتلازمة، قلت: نعم، حب، خوف، رجاء، قال: ولكن ترى هل الخوف والرَّجاء والمحبة هي كلُّ أعمال القلوب، أو سنُمتِّع قلوبَنا بعبادات قلبية أخرى؟ فلا يزال القلب مُشتاقًا لكل عبادة قلبيَّة، ولا أكتمُك سرًّا أنا أشعر أن كل عبادةٍ قلبية بمثابة دواء يُداوي لي قلبي، زدني زادَك الله من فضلِه.
أجبته: أبْشِر يا أخي، ما زالت الأدوية كثيرة، والحمدُ لله، ولكنَّنا وكما اتَّفَقْنَا هي بدايةُ تعارُف على هذه العبادات، دون الغوص في أنْهارها العذبة - قاطعني مُتمنِّيًا -: لوَدِدْت ألاَّ نفترقَ قبل أن تَملأ هذه المعاني السامية قلبي، ولكنِّي سأَبْذُرُه بُذُورها، وسأحرصُ على سُقياها دومًا - إن شاء الله - قلت: ملأ الله قلبَك خيرًا يا أخي، فلنذهب لنتوضأ استعدادًا للتهجُّد، قال: هَيَّا بسم الله، ولكن عن أي عمل قَلْبِيٍّ سنتحدث غدًا؟ قلت: نتحدث عن عملٍ هو مصفاة الأقوال والأعمال، من دونَه لا تقبل قربة، وبه تكشف الكربة، هو عملة نادرة فَهَيِّئ نفسَك لهذه العبادة الغالية، قاطعني الإمام: الله أكبر، تابعناه، وكبرنا لصلاتنا.
لمحة
المخلص لربِّه كالماشي على الرِّمال الناعمة، لا تسمعُ له صوتًا، ولكن تَجد له أثرًا.
***
**
*ll