الفصل 3
مرت الأسابيع، وكانت حياة ليان تغيّر شكلها تدريجيًا. كل صباح كانت تستيقظ لتجد نفسها تفكر بريان، كل كلمة قالها، كل لمحة من عينيه الحزينتين، تعيش معها كظل لا يفارقها. بدأت تدرك أن العلاقة التي بدأت بالصدفة أصبحت جزءًا من حياتها اليومية، لكنها كانت تحمل معها شعورًا غريبًا بالخطر، شعور بأن شيئًا ما يلوح في الأفق، يهدد سعادتها القادمة.
أما ريان، فقد كان يظهر أحيانًا بمزيج من الحنين والخوف، وكأنه يقاتل صراعه الداخلي. كانت ملامحه تتحول بين القوة والوهن، بين الرغبة في الاقتراب والخوف من أن يتمزق قلبه مرة أخرى.
في إحدى الليالي، وبينما كان المطر يتساقط على النوافذ، جلسا معًا في زاوية المكتبة، يتبادلان الحديث بصوت منخفض، وكأنهم يحاولان الحفاظ على خصوصية عالمهما بعيدًا عن ضوضاء الحياة.
"ريان… لماذا تهرب أحيانًا؟" سألت ليان، وهي تحاول أن تتجاوز الصمت الذي يكتنفه.
أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يجيب:
"لأن الماضي لا يتركنا أبدًا… كل خطوة أقترب فيها منك، أسمع صدى كل الخيبات، كل فقدان، وكل وجع."
بدأت ليان تشعر بمدى عمق جرحه، وفهمت أن هذا القلب الذي أمامها لم يعرف الحب الحقيقي من قبل، وأن كل حبه كان مكبوتًا خلف جدار من الألم والخوف. ومع ذلك، كان هناك شيء في طريقة نظره إليها، شيء يقول له: "يمكنك الوثوق بي".
وفي تلك الليلة، وصلته رسالة غامضة على هاتفه، كانت كلماتها قليلة لكنها ثقيلة:
"ابتعد، أو ستدفعين الثمن"
تراجع ريان، وعينيه امتلأت بالحيرة والخوف. حاول أن يخفي الرسالة، لكنه لم يستطع. شعرت ليان بالقلق، لكنها لم تستسلم. أمسك بيده برفق وقالت:
"لن أتركك… مهما كان ما يهددنا."
كانت تلك اللحظة تحولًا كبيرًا في قلب ريان. لأول مرة منذ سنوات، شعر بأن هناك من سيقف بجانبه مهما حدث. ومع ذلك، لم يكن الماضي بعيدًا، فقد اكتشفت ليان فيما بعد بعض الأشياء التي لم يكن مستعدًا لإخبارها بها.
ريّان فقد عائلته في حادث غامض قبل عدة سنوات، حادث تركه محطمًا نفسيًا وروحيًا، لم يستطع الشفاء منه. كل ليلة كان يراودها الكابوس نفسه: صرخات، ضحكات اختفت، ووجوه أحبها لم تعد موجودة. وكل هذه الذكريات جعلته خائفًا من الحب، خائفًا من فقدان شخص آخر.
لكن ليان لم تفقد الأمل، وبدأت تحاول ملء الفراغ الذي تركه الماضي بحنانها واهتمامها. كانت تعلم أن الطريق لن يكون سهلًا، وأن قلب ريان هش كزجاج، لكنه قابل للكسر أو للشفاء، حسب الطريقة التي ستتعامل بها معه.
في إحدى الأمسيات، جلسا أمام النافورة في حديقة مهجورة، تتساقط قطرات المطر على وجهيهما، ويداهما متشابكتان. قالت ليان بصوت خافت:
"حتى لو كان الماضي ثقيلًا، فأنا هنا… لن أتركك."
ابتسم ريان، وأغمض عينيه للحظة، وكأنها المرة الأولى التي يشعر فيها بالسلام منذ سنوات. لكن في الداخل، كان يعلم أن هناك شيئًا أكبر، شيئًا سيجبرهما على مواجهة ألم لم يروه بعد.