الفصل 2
مرت الأيام، وكانت ليان تجد نفسها تفكر بريان أكثر مما تتخيل. كل كلمة نطق بها، وكل نظرة خاطفة منه، تركت أثرًا في قلبها لا يمكن محوه. كان يأتي أحيانًا إلى المكتبة في أوقات مختلفة، يختفي فجأة وكأنه ظل عابر، لكن حضوره كان دائمًا يترك شعورًا بالطمأنينة والغموض في نفس الوقت.
في إحدى الليالي، وبينما كانت السماء ملبدة بالغيوم، قررت ليان أن تتبعه. لم تكن تعرف سبب رغبتها في ذلك، ربما الفضول، وربما شعور داخلي يقول لها إن ما يخبئه ريان يستحق أن تعرفه. تبعته بخطوات مترددة حتى وصلوا إلى ضفة النهر، حيث كان القمر يتلألأ بين الغيوم، ويعكس ضوءه على مياه النهر كلوحة ساحرة.
هناك، جلست الرياح تداعب شعره، وهو جالس على حجر كبير، يعزف على آلة موسيقية قديمة. كانت النغمات حزينة، لكنها لم تكن مجرد حزن، بل كان فيها شيء من الحنين والأمل معًا. شعرت ليان بأن قلبها يذوب مع كل نغمة، وكأن الموسيقى تروي لهما قصة لم يسمعها أحد من قبل.
جلس بجانبها دون أن ينطق بكلمة، وكأن الصمت بينهما كان أعمق من أي حديث. ثم أخذ نفسًا عميقًا، وكأن الكلمات تحفر في صدره قبل أن تخرج:
"هناك أشياء كثيرة في حياتي لم أستطع مواجهتها… أشياء تجعلني أخاف من القرب من الآخرين."
لم تستطع ليان أن ترد على الفور، لكن قلبها فهمه قبل عقلها.
"أنا لا أخاف منك… أنا فقط أريد أن أفهمك." قالت بصوت خافت، يملؤه الحنين.
ابتسم ريان ابتسامة صغيرة، لكنها لم تصل إلى عينيه، كانت كظلٍ خافت يختبئ خلف جدار الحزن الذي بناه منذ سنوات.
"منذ حادث العائلة… لم أستطع الوثوق بأحد… لم أستطع أن أحب، ولم أستطع أن أعيش كما ينبغي…" قال وهو يحدق في الماء، وكأن الصور الماضية تعود لتطارده في كل موجة تتلاطم على الضفة.
جلست ليان صامتة، لكن يدها كانت تهتز قليلاً عندما مدت يدها لتمسك يده. كانت لمسة بسيطة، لكنها قالت أكثر مما تستطيع الكلمات قوله. شعر ريان بالدفء لأول مرة منذ سنوات، دفء لم يعرفه منذ فقد كل شيء.
مرت ساعات، ومع كل لحظة، بدأ الحاجز بينهما يتلاشى قليلاً. ومع ذلك، كان هناك شعور بالخطر يلوح في الأفق، كأن شيئًا ما يريد أن يقف بينهما. لم يكن هو الماضي المؤلم وحده، بل رسالة غامضة ظهرت في حقيبته بعد هذه الليلة:
"ابتعد، أو ستدفعين الثمن"
ارتجف قلب ليان، لكنها لم تشعر بالخوف، بل بالعزيمة. قررت أن تكون بجانبه مهما حدث، رغم أن الغموض الذي يحيط بريان أصبح أثقل من أي وقت مضى.
في طريق العودة، تبادلا النظرات فقط، كل واحدة تحكي قصة الألم والحنين والأمل في آن واحد. وعرفت ليان، في قلبها، أن هذه العلاقة لن تكون سهلة، لكنها كانت تعلم أيضًا أنها المرة الأولى التي تشعر فيها بأن قلبها يلتقي بشيء حقيقي، شيء يستحق كل المخاطر