الفصل المئة
" the writer Aridj "
.
.
.
ضحك خالد مما فعلته، ضحكة خفيفة خرجت من أعماقه، ثم ابتسم، وسها في خيالاته، سارحًا في عالمٍ لا يسكنه سواه… عالمٍ تتربّع فيه تلك الفاتنة الجميلة، ملكة قلبه.
لم يعد يسمع، لم يعد يشعر، حتى صرخة وعد وهي تقرص يده أعادته قسرًا إلى الواقع، ومع ذلك بدا وكأنه لا يزال في عالمٍ آخر، لا يحس فيه إلا بعشقه المتوهّج.
قالت وعد بغضب /خالد ليش ماخذ تيليفوني من ساعة وأنا أناديك وما ترد؟
ناولها خالد الهاتف بابتسامة، ثم سار مبتعدًا دون أن يجيب، لا يزال عقله مسافرًا في أرضٍ أخرى، حيث لا صوت يعلو فوق صوت قلبه.
استغربت وعد، تبعته بعينيها وقالت /الحمد لله على نعمة العقل.
عادت إلى غرفة تالين، فوجدتها مستلقية على فراشها. قفزت وعد بجانبها وجلست /أماني تأخرت، وش تقولين نروح نجيبها؟
نهضت تالين بسرعة، وابتسامة متحمسة تملأ وجهها /من وين هالذكاء؟ يلا يلا وش تستنين.
ضحكت وعد، ونزلت من السرير، لكنها انتبهت إلى أن تالين ارتدت معطفًا فوق بيجامتها، فقالت /راح تطلعين بالبيجامة؟
أجابت تالين بلا مبالاة /لا تزودينها، كأني طالعة بدون ملابس! كلها مشوار بالسيارة نجيب أماني بسرعة ونرجع.
حرّكت وعد رأسها بمسايرة، وخرجتا معًا. وقبل أن تنزلا الدرج، التفتت وعد إلى تالين وقالت /ومين راح يخذنا؟ ما فكرتي بهالشي؟
سكتت لحظة، ثم انفجرت ضاحكة حين رأت خالد أسفل الدرج متجهًا نحو الباب /وأنا حليت الأمر خلاص.
سحبتها من يدها، ونزلتا مسرعتين وهي تصرخ /خالد استنى يا ولد!
التفت خالد أخيرًا، وكأنه عاد لتوّه من رحلة بعيدة في أرض أحلامه.
وقفتا أمامه، تلهثان، فقالت تالين /خالد ودّينا بطريقك نجيب أماني من بيتها.
وكأن العالم كلّه تآمر ليزيد جنونه جنونًا، ليُحاصر بكل ما يخصّها من كل الجهات.
رفعت وعد رأسها إليه، وقالت بنبرة طفولية ماكرة /يعني نهوّن عليك؟ طالعين لحالنا.
قال بتشتّت /ها… يلا يلا، بس لا تطوّلون.
تبادلت وعد وتالين نظرات الاستغراب، وهمست تالين /الظاهر إن عقل خالد مسافر برحلة سياحية، ما أدري متى يرجع.
ضحكت وعد بهدوء /اسكتي لا يسمعك وما يخذنا.
قالت تالين /خليه يسمع، وبعدين ما أحش بابن خالي.
التفت خالد إليهما وقال بمزاح /حشي فيني يا بنت عمتي ونقّصي ذنوبي مشكورة… يلا أسرعوا خلّوني أمشي.
صعدوا بسرعة. جلست تالين بجانبه، وجلست وعد في الخلف.
وسرعان ما وصلوا؛ فكيف لا، وخالد يقود متلهّفًا لرؤية عشقه الأبدي، رغم أنه كان معها قبل ساعات قليلة.
توقفت السيارة أمام البيت، نزلت وعد وتالين، طرقتا الباب، ففتحت الخادمة /تفضلوا.
دخلتا، واستقبلتهما أم رسيم بابتسامة دافئة /هلا وغلا باللي جانا.
سلّمتا عليها، لتقول وعد/وينها أماني يا خالة؟
أشارت أم رسيم إلى الأعلى /فوق بغرفتها، بس ما أحذركم… الظاهر عقلها مو معها.
تبادلت وعد وتالين نظرة ضاحكة، وقالت تالين /لكان هيك… المهم يا خالتي يا حبيبتي يالغالية .....
ضحكت أم رسيم /يلا بدون لف ودوران يا تالين، أعرفكم زين.
قالت وعد وھي تبتسم /ممكن تبات أماني عندنا ليلة؟ اشتقنالها مرة، يلا بلييز خالتي بليييييز.
لوّحت أم رسيم بيدها /عشان خاطركم خذوها، يمكن عقلها يرجع لمكانه.
اتجهتا نحو الدرج، وقبل الوصول لغرفة أماني، صادفتا رسيم خارجًا من غرفته. نظر إليهما باستغراب، واحدة ببيجامتها، والأخرى بحماس طفولي.
قال مبتسمًا /هلا بالبنات، الله يديم ذي السعادة.
قالتا معًا /آميييين.
ضحك /وش فيكم مستعجلين؟ لا تكونوا جايين لأماني.
ابتسمت تالين /ولمين نجي إذا ما جينا لأماني.
أفلتت يد وعد، وركضت نحو غرفة أماني ولوّحت لرسيم.
ابتسم رسيم لوعد وقال /ها يا دكتورتنا، متى راح تنورين المستشفى بجيتك؟
قالت وعد بإبتسامة عفوية /إن شاء الله قريب، يمكن بعد شهر، أنظّم الزحمة اللي بحياتي.
استغرب /شهر؟
قالت بخفوت /إيوه… بانشغل بأمور العرس.
ازداد استغرابه، لكنها ضحكت /برجع أفسّر، بس الحين بروح أخطف أماني.
ابتسم لها دون أن يدري أنها ستُزف قريبًا.
داخل الغرفة، كانت تالين تحاصر أماني وضحكتھا تعلو لتملأ زوايا الغرفة .
دخلت وعد وأغلقت الباب /وش فيكم؟ اتركي البنت، خلونا نسرع خالد يستنى.
التفتت أماني عند سماع اسمه، وكأن الاسم يشدّها إليه.
ضحكت تالين بخبث /عرفت السالفة، يلا اعترفي يا أماني وش صار.
حاولت أماني كتم ضحكتها، واتجهت نحو حقيبتها تجمع أغراضها، محاولة الهرب من أسئلتهما.
اقتربت وعد، وخفضت رأسها قرب رأس أماني /يعني ما تبين تعترفين؟..... خلاص راح نعرف لحالنا.
فتحت سجل الاتصالات، واتصلت لتنطق بصوت قلق مكسور /خالد وينك؟ بسرعة تعال، أماني داخت ووجهها شاحب… مدري وش أسوي، يمكن جرح عمليتها يألمھا .
أبعدت الهاتف وبكت تمثيلًا /أسرع يا خالد، تكفى، ما أبي أخسر أماني.
من الجهة الأخرى، كان خالد يقف أسفل البيت، وقد تلقّى كلمات وعد بصدمة أربكته، فصوته خرج متلاحقًا قلقًا /وعد انتي معي؟ أماني وش صار لها؟ وينكم الحين؟ استني… راح أجي بسرعة.
سمعتا صوت إغلاق الباب سيارتھ بعجلة، فقهقهت وعد بضحكة عالية، ورمت الهاتف باتجاه تالين لتقول لھ ضاحكة /انكشف امرك ياخالد .
أغلقت الهاتف، ثم التفتتا معًا نحو أماني التي كانت تحدّق بهما بذهول، مصدومة من مكر تلك الصغيرة البريئة، وكأنها تدرك الآن أن الله وحده كفيل بالصبر على زوج هذه الفتاة.
قالت أماني بدهشة /ما كنت أعرف انو عندك أوسكار بالتمثيل.
ضحكت وعد /وعندي كمان نوبل بالتحقيق.
اقتربت تالين لتقول بمزاح /يلا اعترفي يا أماني، أحسن ما ننزل ونسمعها من الأهبَل اللي تحت.
تنفست أماني بعمق وقالت /خلاص لا تجي أمي وتستغرب استهبالكم هذا، مع إنه مو غريبة عليكم.
ابتسمت وعد وضعت كلتا يديھا على خصرھا /الحين راح تهزّئينا ولا تخبرينا بالسالفة؟
ضحكت أماني، وتذكّرت ما فعله خالد طوال اليوم، فرفعت يدها اليسرى أمام وجهيهما، متناسية تمامًا أنها أضاعت الخاتم، وقالت /ھذي السالفة.
تبادلت وعد وتالين النظرات، وكأن الجنون أصاب الجميع معًا في ھذا اليوم ،لتقول تالين وھي ترفع حاجبھا بإستغراب /السالفة يدك؟؟؟
ابتسمت أماني من عدم انتباههما، رغم كِبر حجم الألماسة، وأشارت بسبّابة يدها اليمنى /هنا… ما تشوفون؟
ضحكت وعد وقالت /فهمنا يا أماني، يدك جميلة.
تأففت أماني، وأدارت يدها نحو وجهها، ثم بعد لحظات من الصمت اتسعت عيناها /تذكّرت… أنا ضيّعته.
قالت وعد وتالين في آنٍ واحد /وش ضيّعتي؟؟
وفي تلك اللحظة، رنّ هاتف وعد، كان خالد. أجابت بسرعة غاضبة /استنى، وش حارقك.
وأغلقت المكالمة قبل أن تسمع رده، ثم التفتتا إلى أماني تنتظران تفسيرًا لهذا الارتباك الغريب.
اتجهت أماني تحت نظراتهما إلى أسفل الخزانة وأشارت /شوفوا… هو تحت، ما قدرت أطلّعه.
اقتربت تالين وربتت على كتفها وهي تكتم ضحكتها /الظاهر أمك معاھا حق .
ثم مدت يدها إلى جبين أماني وقالت /وش فيك يا الغالية؟ يمكن حرارتك مرتفعة.
استغربت أماني، وراجعت كلماتها خلال ثوانٍ، لتنتبه فجأة أنها لم تذكر لا كلمة خاتم ولا خطبة، فانفجرت ضاحكة /آسفة، آسفة… ما خبرتكم.
ضحكت وعد واطلقت زفيرا قصيرا /الحمد لله إنك صحيتي أخيرًا.
قالت أماني بسعادة /التقيت بمجنون أماني.
زاد استغرابهما، فالتفتت وعد إلى حقيبة أماني، وضعت آخر أغراضها، أغلقتها، وحملتها، ثم قالت /يلا يلا، الظاهر خلاص ما راح نفهم منها كلمة، يلا يا مونيتا نطلع أحسن، يمكن تشمين الهوا وتفهمينا ونفهمك.
قالت أماني فجأة /والخاتم؟؟
قالت تالين /أي خاتم يا بنت الحلال؟
ابتسمت أماني وقالت /خاتم خطبتي.
صرختا معًا /إيييييشششش؟!
تغيرت ملامح اماني الى تعجب ظاھر /إيوه، وش فيكم؟
ضحكتا بدهشة، كيف لهذه الفتاة التي كادت تقتل ابن عمتها حين تقدّم لخطبتها أن تنطق الآن بهذه الكلمة بكل بساطة؟
قالت أماني بغضب /الشرھة عليّ مو عليكم.
واتجهت نحو معطفها، وقد قررت ترك أمر الخاتم للغد، فهي ستغلق غرفتها جيدًا، وتعلم أن أمها لحوحة وقد يقودها الفضول – أو سوء الحظ – إلى أسفل الخزانة بطريقة او بأخرى.
توقفت وعد وتالين عن الضحك، وقالت وعد /أماني… تمزحين؟
أضافت تالين وھي تمسح دموعھا بعدما ھدأت من ضحك /إذا تمزحين خليني أكمل ضحك ولا تاخذي بخاطرك.
قالت أماني بوجهٍ خالٍ من التفاعل /إذا هذا الأمر صار الناس تمزح فيه، خلاص… استسلام.
تبادلت الاثنتان النظرات، ثم اندفعتا نحوها واحتضنتاها /مبرووووك! ليش ما قلتي من الأول؟ مبرووووووووك يا أماني!
أماني بإبتسامة ھادئة وھي تبادلھما العناق /على أساس كنت أمزح من شوية؟ وش فيكم للحين؟
قالت تالين/كنا نحسب إنو لي تقول _راح أزفكم كلكم وأقعد بدون زواج_ما راح تتزوج صدق .
ضحكت أماني وهي تتجه إلى الباب /نصيب يا بنت، نصيب… يلا خلونا نروح ما نتأخر على حبيبي.
ابتسمت وعد /ها من متى صار حبيبك؟ ومين حبيبك يا الهبلة؟
دفعتها تالين بخفة /خالد يا بنت، افهمي.
ابتسمت أماني وفتحت الباب، ثم عادت خطوتين وقالت /من يوم خطبني يا وعد.
صرختا /إيييييسششش!
عادت أماني وأغلقت الباب بسرعة /فضحتوني! وش بلاكم؟ راح أفسّر بعدين، الحين خلونا نطلع.
أومأتا برأسيهما، وخرجن معها، وانتظرنها حتى أغلقت الغرفة، ثم نزلوا جميعًا وغادروا البيت بعد أن ودّعت أماني والدتها ورسيم.
ركبوا سيارة خالد، وما إن فتحوا الباب الخلفي حتى قال خالد بمزاحٍ خفيف، وهو يلتفت إليهم بنظرة جانبية /ليش تدافعون مثل الخرفان؟
فهمت أماني ما يرمي إليه، فقررت أن تدفع وعد لتجلس في الأمام، وقالت وهي تشير بيدها /يلا يا وعد، اطلعي بجنبه، مسكين يبي له أحد يونسّه.
رد خالد بسرعة /لا، ما حزرتي، زوجها ما يبي، وأنا ما أبي مشاكل مع نسيبي.
قالت أماني بمكرٍ خفيف /أممم، بسم الله على قلبك اللي ما يبي مشاكل… لكان خلي تالين تجلس جنبك.
قالت تالين بضيق متعب وھي تتحس أطراف جسمھا الباردة /الحين تطلعون وتريحوني، البرد قاتلني، ولا أنادي رسيم ياخذنا.
تنحنح خالد، ثم استدار إليهم بجدية مفاجئة وقال /يلا يا أماني، مكانك قدّام، عشان جرح عمليتك، ممكن هذولا الهبلات يزعجونك.
صعدت أماني بجانبه، بينما صعدت تالين ووعد في الخلف، وقالت إحداهما بتذمر /الحين صرنا إحنا المزعجات والھبلات ؟ امشِ يا خالد وبس، خلّيني ما أصير مجرمة وأقتل واحد منكم
ابتسمت أماني بخفة، ونظرت إلى يديها، فتذكّرت الخاتم، فغطّت يدها بلا وعي.
رفع خالد رأسه إليها، ولا يزال غارقًا في أدق تفاصيل جمالها الذي يسحرھ ويغرقھ أكثر دون ان يترك لھ سبيلا للنجاة ....
قالت تالين بإلحاح /يا خالد، تكفى امشِ أماني ماراح تھرب لمكان .
و التلتفت إليها /ولا تنسين يا أماني، لسا ما حكيتي علينا قصة مجنون أماني مثل ما قلتي.
ضحك خالد، وشغّل المحرك، وبعد دقائق من السير والصمت الذي عمّ السيارة، وصلوا أخيرًا. نزلت وعد وتالين، وقالت تالين /يلا يا أماني، ورانا سالفة كبيرة، لا تنسين شنطتك.
كانت أماني على وشك أن تتبعھما، لكن خالد أمسك بيدها وقال بصوتھ الھادء الذي يحمل لھفة عاشق صادق /وين رايحة؟ لسا ما شفتك… وين؟
التفتت أماني إليه، والتقت عيناهما في لحظة سكونٍ تام، و كأن الهواء انسحب من بينهما، منحنياً لهذھ اللحظة . قالت بعد صمت /راح أنزل، ممكن تترك يدي؟
قرّبها خالد أكثر وقال /لو ما تركت؟
ابتسمت أماني، ومدّت يدها إلى خصرها، تظن أن سلاحها معها، فلاحظ خالد ما فعلته، وضحك قائلاً /الحين ما عندك سلاح، بس سلاحي هنا، إذا بدك أعطيك، وروحي فداك، وموتي تحت يدك حلال، يا عشقي انتي، ويا بعد روحي، يا اللي ملكتي قلبي، وشغلتي عقلي، وحرمتِ العين من راحتها.
ابتسمت أماني، وسحبت يدها، فتحت الباب ونزلت، ونزل هو أيضًا، فتح الباب الخلفي، حمل حقيبتها، وتقدّم منها، فقالت /هات الشنطة يا خالد، مشكور، أقدر أحملها.
خالد معترضا /ما تناقشي، راح أحملها، يلا امشي، لا تتعبين حالك وتجادليني، ما راح أعطيك الشنطة.
تنهدت، ومشت أمامه، ودخلت، ثم دخل بعدها بدقائق وأغلق باب البيت، فلم يجد أحدًا، ليقترب منها ويهمس /إذا تبين أجي معك.
احمرّت وجنتاها قليلًا وقالت /استحي على حالك، وهات الشنطة.
ضحك بهدوء وقال /أفا يا زوجتي الغالية، ليش سوء الظن؟ كنت أقصد أوصلك لين غرفة تالينوش وأجي.
رفعت أماني حاجبها، ووضعت يدها على خصرها وقالت /أمممم… تالينوش ؟؟!!
ثم أضافت /لكان أنا رايحة وأقعد مع تالينوش تبعك.
أمسك خالد يدها اليسرى ليعيدها إليه، ثم رفعها وقبّلها، وما إن حرّك بصره نحو الخاتم حتى وجد مكانه فارغًا…
هل نزعته؟ أم أنها لم توافق وترفضھ لذلك كانت تحاول الصدود عنھ ولكنھا كانت سعيدة مالذي تغير ؟؟؟
أفلت يدها بهدوء، وقد تغيّرت ملامحه، وفهمت أماني ذلك، ليقول بصوتٍ هادئٍ بارد /ليش نزعتي الخاتم؟