الفصل الثامن
المطر لم يعد مجرد مطر، بل أصبح صرخة من السماء، يتدفق على النوافذ، على الطين، على الأرض، وكأنه يشارك الغرفة رعبها. هتون جلست في منتصف الغرفة، عيونها السوداء الواسعة تتفحص كل زاوية، كل ظل، كل شيء يتحرك وكأنه على قيد الحياة.
الهمسات لم تعد خفية، بل أصبحت صرخات في عقلها، واضحة جدًا، تأمرها مباشرة:
"افعلي… أسرعي… اكملِ الدائرة… اجعلي الدم يسيل… الطاعة أو الموت…"
هتون شعرت بأن جسدها لم يعد ملكها، كل حركة تقوم بها كانت نتيجة أوامر لا تستطيع مقاومتها. القلم في يدها أصبح أداة أكثر من كونه مجرد قلم. كل خط رسمته، كل دائرة، كل طلاسم، كانت تخلق جسورًا بين عالمها وعالم الظلال.
وفجأة، شعرت بهواء بارد يمر عبر الغرفة، وكأن شيئًا ما دخل معها، شيئًا غامضًا، كيانًا لا يمكن رؤيته، لكنه موجود، يراقب كل نبضة في قلبها.
الأصوات ازدادت قوة:
"الآن… انتِ التالية… كل من يقف في طريقك سيختفي… الطاعة أو الموت… أسرعي…"
هتون لم تتحرك بالكلمات، لكنها شعرت بالتيار يمر في عقلها، كل خيط من الطلاسم على الأرض كان ينبض، يرسل إشارات لا شعورية في داخلها، شيء يملأ عقلها بالقوة، بالرعب، بالسيطرة.
وبينما كانت تواصل رسم الدائرة، لاحظت شيئًا غريبًا: الطين بدأ يتحرك. لا، ليس يتحرك بفعل المطر، بل يتحرك وكأنه كائن حي، يستجيب لكل خط على الأرض، لكل قطرة دم. رائحة قوية وغريبة بدأت تنتشر، رائحة شيء قديم، شيء لم تلمسه الأرض من قبل، شيء يغذي الظلال.
الوقت مر دون أن تشعر به هتون. الليل أصبح أثقل، الأصوات أكثر وضوحًا، والكيان الغامض بدأ يقترب أكثر وأكثر، حتى شعرت بحرارة باردة على كتفها، لم تلتفت، لكنها شعرت بالوجود.
ثم جاء الصوت، أقوى من أي وقت مضى، يحطم كل مقاومة في عقلها:
"الآن ستتعلمين القوة الحقيقية… كل من يعترض طريقك، كل من يشك فيك، كل من يهمك… سيختفي… الطاعة أو الموت…"
هتون ارتجفت، لكن لم يكن خوفًا. كان شعورًا مزيجًا من الرهبة والقوة المطلقة. لقد فهمت أخيرًا: كل ما عاشته كان تدريبًا، كل الطلاسم، كل الدماء، كل الألم، كان طريقها لتصبح أداة الرعب، حلقة في سلسلة لا تنتهي، جسور بين عالم الأحياء والأموات.
الظلال حولها بدأت تخرج من الزوايا، تتلوى، تهمس، تراقب، وكأنها تعرف أن هتون لم تعد طفلة، لم تعد مجرد فتاة صغيرة، بل محور العالم الجديد.
في تلك اللحظة، سمعت صوتًا مختلفًا، بعيدًا، لكن واضحًا:
"استخدميهم… ابدئي… لن يتوقف أحد… ابدئي الآن…"
هتون نظرت إلى يديها، الدم يسيل بقوة، الدائرة مكتملة، الطلاسم تغطي كل زاوية من الأرض. شيء في عقلها انطلق، قوة لم تعرفها من قبل، شعور بالسيطرة المطلقة على كل ما حولها، على كل كائن حي أو شيء حيّ تقريبًا.
ثم بدأ يتحرك شيء من الطين، شيء أسود كثيف، يتشكل تدريجيًا، وكأن كل ما رسمته هتون أصبح كيانًا حيًا، تابعًا لها، ينتظر أوامرها.
في الخارج، المطر لم يعد مهمًا، الرياح لم تعد مهمة، العالم كله بدا بلا معنى بالنسبة لها. كانت الغرفة، الطين، الدم، الطلاسم، والكيان الأسود كل ما تحتاجه لتصبح ما همسوا به منذ البداية: الطاعة المطلقة، قوة بلا رحمة، أداة الرعب التي ستغير كل شيء.
وبينما غاصت هتون في عالمها الجديد، أصوات الهمسات، الصراخ، الرؤى، كلها تندمج في عقلها، تصنع شخصيتها الجديدة، شخصية لا تعرف الرحمة، لا تعرف الخوف، فقط الطاعة والسلطة.