الفصل 35
** 𝒜𝓂𝒶𝓃𝒾 𝒶𝓁𝒶𝒿𝒶𝓏𝒶𝓇𝒾𝒶**
آمـآنيـﮯ آلجزآئريـﮯهہ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
↓
عاد أدراجه إلى القصر،
وقلبه يدقّ كأجراس كنيسة لا تهدأ.
أوقف سيارته بين السيارات الأخرى، ترجل بخطوات سريعة، وكأن الأرض تضيق تحته من ثقل ما يحمله صدره.
في المدخل صادف أفنان.
ابتسمت له بخفة وهي تميل برأسها: — هوهو يا حلو… ما تسلّم علينا؟
التفت لها بسرعة، وعلى وجهه ابتسامة متوهجة لم يستطع إخفاء ارتباكه: — السلام يا أغلى البشر.
اقترب، قبّل خديها بخفة، ثم صعد الدرج مسرعًا دون أن ينتظر ردًا.
توقفت أفنان مكانها، تراقب أثره، ثم ضحكت بخفة وهي تهز رأسها: — شكله مسوي مصيبة.
وعادت لسقي الأشجار.
أما هو… فما إن دخل غرفته حتى أغلق الباب خلفه بإحكام، نزع قميصه ورماه بعيدًا، ثم ألقى بنفسه على السرير.
مدّ جسده، أغلق عينيه… لكن عقله لم يهدأ.
صوتها، دموعها، ارتجاف يدها،
الخاتم…
كل شيء يعيد نفسه .
.
.
.
في الجهة الأخرى…
كانت سديم في الحمّام، أنهت استحمامها، لفّت المنشفة حول جسدها وخرجت على رنين هاتفٍها متواصل.
توقفت. أربع مكالمات؟
جلست على طرف السرير بسرعة، تناولت هاتفها.
الاسم على الشاشة: غلا.
ابتسمت تلقائيًا وهي ترد
: — هلا وغلا وصحن حلا… هلا بالغالية، أم الغوالي، اللي مجنّنة بعض الناس.
جاءها صوت غلا مبحوحًا… مشبعًا بالبكاء.
تجمّدت سديم. انقبض قلبها.
— غلوشتي؟ فيك شي؟
من الجهة الأخرى، ابتسامة دافئة تُرى ولا تُسمع،
وغلا تنظر إلى الخاتم في يدها.
— سديم…
ثم انفجرت بالبكاء.
ارتعد صوت سديم: — غلا! لا تفجعيني… صار لك شي؟
وفجأة— تحوّل البكاء إلى ضحك،
ضحك ودموع معًا،
فرح وخوف،
جنون صادق.
قالت غلا بصوتٍ يرتجف حبًا: — قولي لأخوك المجنون إني موافقة…
وأني ما أبي شي غيره.
توقفت لحظة، ثم أكملت: — قولي له وافقت عليه…
حبيب، وسند، وزوج، وروحي.
قولي له ما أقبل غيره رفيق دربي… وحبيبي.
تجمد سديم ثم انفجرت بالضحك، والدموع تتجمع في عينيها:
— بخبره يا قلبي… بخبره.
ألف ألف ألف مبروك يا روحي.
سكتت لحظة، كأنها تحاول استيعاب الأمر.
— ماني مصدّقة…
أنزلت الهاتف. وسقطت دموعها للمرة الأولى منذ زمن طويل.
غطّت وجهها بكفيها،
تضحك وتبكي في آنٍ واحد.
أخوها…
حبيبها…
وصديقتها، ورفيقتها، وأختها،
باتوا في طريقٍ واحد.
وفي تلك اللحظة… عرفت أن الله عوّضها دفعة واحدة
بكت غلا حين سمعت شهقات سديم،
بكاءً لم يكن حزنًا، بل فرحًا خالصًا…
فرحًا لها، ولصديقتها التي كسرت أخيرًا تلك العقدة القديمة،
وسمحت لقلبها أن يفعل ما حُرم منه طويلًا: أن يبكي.
ذلك البكاء الذي يراه الناس أمرًا عاديًا،
وأحيانًا ضعفًا…
بينما هناك قلوبٌ كاملةٌ تفتقر إلى دمعة واحدة،
دمعةٍ تُخفّف ثِقل الأرواح المُنهكة،
وتربّت على قلوبٍ أرهقها الصبر حتى المرض.
أغلقت سديم الهاتف،
وقفت فجأة، واندفعت نحو الباب دون وعي،
وكأن الفرح ثقيلٌ إلى حدٍّ لا يُحتمل.
وفي اللحظة الأخيرة…
تذكّرت أنها ما زالت تلفّ جسدها بالمنشفة.
توقّفت،
ضحكت على نفسها بخفة،
تمتمت باستغفارٍ صادق،
ثم ركضت نحو غرفة الملابس،
وقلبها يخفق هذه المرّة…
.
.
.
لبست بسرعة، وكأن الوقت يطاردها،
ثم خرجت من الغرفة راكضة،
خطواتها متعثّرة من شدّة اللهفة.
وحين وصلت إلى غرفته،
فتحت الباب دون أن تطرق.
كان غارقًا في سريره،
وجهه مدفون في الوسادة،
وقد شدّ البطانية حول خصره،
صدره عارٍ،
وثقله كله مُلقى على السرير… كمن انهكه الانتظار.
رفع رأسه فجأة.
فتجمّد.
كانت واقفة عند الباب،
دموعها تغمر وجهها،
أنفاسها متقطّعة،
ونظرتها ترجف.
نهض بسرعة،
الخوف سبق صوته.
سديم تبكي؟
مستحيل.
لم يرَ دموعها منذ سنوات.
وقبل أن ينطق بحرف…
اندفعت نحوه،
وارتمت في حضنه،
وبكت كطفلة صغيرة وجدت أخيرًا أمانها.
لفّ ذراعيه حولها بقوة،
مسح على شعرها المبلّل،
وقلبه يرتجف.
— سديم… يا قلبي، انتي بخير؟
رفعَت رأسها،
قبّلت خدّه بسرعة،
ثم ابتعدت خطوة،
تبتسم وشعورها مختلط بين الضحك والبكاء.
— ألف مبروك يا قلبي…
ألف مبروك يا عريس…
غلا وافقت، وافقت!
اتّسعت عيناه،
الصدمة حبست أنفاسه.
ادفع نحوها بسرعة
وفجأة،
حملها،
ودار بها في الغرفة دون وعي،
ضحكت… وبكت… وهو يضحك معها كمن استعاد روحه.
وفي تلك اللحظة،
صعدت أفنان على وقع الأصوات،
توقّفت عند الباب باستغراب.
— وش صار؟
صرخت سديم بفرحٍ لا يُخفى:
— عزوز بيتزوّج! غلا وافقت!
ولم تنتظر أفنان تفسيرًا،
صرخت بفرح،
واندست بينهم …
ضحك، دموع، وأصوات متداخلة