الفصل الحادي والعشرين
الجو في القصر كان مختلف تماماً النهاردة، فيه حالة من الاستنفار والنشاط الغريب، وكأنه الغابة هي اللي بتنادي عيلة الغريري.
كاريلا كانت واقفة في أوضتها قدام المراية، بتلف يمين وشمال وهي محتارة، بتبص لملامحها اللي اتغيرت بزي الصيد ده.
فجأة خبط الباب، ودخل ليون وهو لابس لبسه الجاهز ومتحمس جداً. كاريلا لفت له وسألته بتردد
"ها يا ليون؟ تفتكر اللبس ده مناسب؟ يعني لايق على رحلة الصيد ولا أنا أوفر شوية؟"
كاريلا كانت قمة في الشياكة الكلاسيكية اللي تليق بـ "هوانم" العصور القديمة. كانت لابس بدلة صيد من القماش "الكاروهات" البني في بيج، جاكيت متفصل عليها بالمللي ومحدد بوسطها حزام جلد عريض لونه بني محروق أظهر رشاقتها، وتحته قميص أزرق سماوي وكرافتة زيتوني غامق مدية لمحة جدية مرعبة. البنطلون كان واسع وملموم جوه بوت جلد طويل بيلطع تحت النجف، وشعرها الطويل كان مفرود بتموجات واسعة على كتافها.. كانت طالعة "لوحة فنية" بتمثل القوة والجمال في نفس الوقت.
ليون صفر بإعجاب وقال بابتسامة واسعة
"يا بنتي إنتي جميلة كالعادة! إنتي لو نزلتي الغابة كدة، الغزلان هي اللي هتيجي تسلم عليكي.. بس يلا استعجلي عشان العربيات تحت والكل مستني، مش عايزين بابا يقلب وشه علينا من أولها."
كاريلا ضحكت ، وأخدت حاجتها وخرجت معاه، وليون بدأ يستفزها ويتحداها مين يوصل للسلالم الأول. وبدأوا يتسابقوا وهما بيجروا على السلالم الرخامية العريضة، وصوت ضحكة كاريلا الرنانة كانت بتملى ممرات القصر الباردة، والخدم واقفين على جنب بيبتسموا غصب عنهم؛ البنت دي فعلاً هي الروح اللي أحيت القصر ده من تاني.
لما نزلوا الجنينة الكبيرة، كان المشهد مهيب. الأراضي الواسعة متغطية بضباب خفيف، والعربيات الجيب والـ 4x4 السوداء مرصوصة زي العساكر. الكل كان لابس لبس الصيد الداكن والعملي اللي بيوحي بالسيطرة. فؤاد واقف بجلالة قدره، وماريا واقفة جنبه بكبرياء ، وماركوس بيراجع الساعات مع الحرس، وكاسبار واقف بيلمع نضارته ببرود، ونيكس حتى كان لابس "كاب" الصيد وحاطط سماعاته كالعادة.
ديمتري كان واقف بعيد، ساند على عربية، وعينه جات في عين كاريلا.. نظرة كانت تقيلة بس كاريلا ببرود تام "أشاحت بوجهها" عنه، وكأنها ماشافتوش أصلاً. من يوم "الحادثة المطيرة" وهي قررت إن ديمتري بالنسبة لها بقى "هوا"، ومبقتش حتى تطيق تبص في وشه ...اكثر من الاول!
كانت لسه هتركب عربية باباها فؤاد، بس شافت نظرة ماريا المليانة ضيق ، نظرة بتقول بوضوح: "إياكي تقعدي معايا في نفس العربية".
فلفت وراحت ناحية عربية ماركوس وفتحت الباب وركبت جنبه ماركوس بصلها بطرف عينه وفهم الموضوع وبدون تعليق داس بنزين وانطلق الموكب كله ناحية أراضي الصيد، في طقس سنوي بيعلن إن الغريري هما ملوك الأرض دي.. أحياءً وأمواتاً.
______
كاريلا كانت لزقة وشها في إزاز العربية زي الطفلة الصغيرة، عينيها بتلمع بحماس وهي بتراقب الطريق والشجر اللي بيجري وراهم. كانت حاسة إنها داخلة عالم أسطوري، مش مجرد رحلة صيد. وأول ما العربيات وقفت، نزلت وبمجرد ما رجلها لمست الأرض، خبط فيها هوا بارد ومنعش خلى خصلات شعرها تطير على وشها.
وهي بترجع شعرها ورا ودنها، وقفت مذهولة وبصت تحت رجليها.. الأرض كانت لوحة ربانية؛ سجادة من ورق الشجر الناشف بلونه البرتقالي والمحروق، وتحته نجيل بري ريحته طالعة مع الندى، وصخور قديمة متغطية بالطحالب الخضراء اللي بتدي للمكان هيبة السنين. الخدم بدأوا يتحركوا كأنهم في خلية نحل، بينصبوا الخيم الفخمة وبيرتبوا مكان الاستراحة، وماريا قعدت على كرسيها اللي يشبه العرش، وحواليها الخادمات بيباشروا طلباتها.
كاريلا كانت ماشية في وسط ليون ونيكس، بتبص يمين وشمال بدهشة، ليون بيحكي لها عن ذكرياتهم هنا، ونيكس ماشي بهدوءه المعتاد. ولما شافت الرجالة بدأوا يجهزوا البنادق، ويمسحوا المواسير ويتأكدوا من الرصاص، حست إن القعدة مع الستات في الاستراحة هتكون مملة جداً ومضيعة للجية.
فجأة، وبكل جراءة، وقفت قدامهم وقالت بصوت واضح "أنا مش هقعد أتفرج.. أنا عايزة أصطاد معاكم!"
الكلمة نزلت عليهم زي الصاعقة، ليون انفجر في الضحك، وكاسبار ابتسم بتسلية، حتى ديمتري وهو بيعمر بندقيته، ظهرت على شفايفه ابتسامة ساخرة وكأنه بيقول "البنت دي مش عارفة هي بتقول إيه".
ليون قال لها وهو بيضحك
"كاريل، بطلي هزار! الموضوع خطر جداً، روحي اقعدي مع ماما والستات أحسن لك، هما بيقعدوا يدردشوا ويقيموا الصيد في الآخر، ده مكانهم الطبيعي هنا."
كاريلا كشرت وبصت لباباها فؤاد بطلبية استعطاف، فؤاد بصلها بحنان وقال
"ليون عنده حق يا حبيبتي، الصيد محتاج تدريب وإنتي لسه متعرفيش تمسكي البندقية."
كاريلا ردت بإصرار
"هتعلم! أو على الأقل خلوني أمشي معاكم وأتفرج."
لما شاف فؤاد حزنها، بص لماركوس اللي قال
"خلاص، خليها تروح مع ليون."
ليون اتنطر من مكانه وشاور بصباعه لماركوس
"أيوة بقا! إنت عايزني أخسر عشان تاخد اللقب زي كل سنة؟ عايزني أشيل همها وأنسى الصيد؟"
ماركوس ابتسم بقلة حيلة، وهنا كاسبار قرب من ليون وهمس له بسخرية
"مش إنت اللي ليل نهار كاريل كاريل؟ وما بتسيبهاش لحظة؟ خلاص خدها معاك، وهي هتكون مطيعة ومش هتخليك تخسر، صح يا كاريلا؟"
كاريلا هزت راسها ببراءة شديدة لليون، اللي اتنهد بقلة حيلة وقال
"أمري لله.. تعالي ."
كاريلا طارت من الفرحة، وفؤاد وقف في النص وسأل الكل بجِدية
"فاكرين القواعد؟"
كاريلا بصت لماركوس باستغراب، فهو وضح لها إن "صيد الغريري" مش مجرد ضرب نار، دي أصول:
قواعد الصيد عند عائلة الغريري:
القاعدة الأولى: لا تطلق النار إلا إذا كنت متأكداً من فريستك بنسبة 100%، الغريري لا يضيع رصاصة في الهواء.
القاعدة الثانية: الصيد هو "صبر" وليس سرعة؛ من يتحرك أولاً هو من يخسر غالباً.
القاعدة الثالثة: الفريسة التي يصيبها غيرك لا تلمسها، الاحترام بين الصيادين مقدس.
القاعدة الرابعة: الغابة لها حرمة، لا أصوات عالية، لا فوضى، نتحرك كالأشباح.
بدأ الكل يتوغل في الغابة، وكاريلا لاحظت إنه نيكس لسه واقف مكانه وماتحركش. سألت ليون، فرد عليها بتوضيح "نيكس بيشوف الصيد عملية بدائية وبلا فائدة، بيفضل يقعد يقرأ أو يسمع مزيكا."
كاريلا هزت راسها وبدأت تمشي ورا ليون، وهو كل شوية يلتفت يتأكد إنها ماشية وراه بالظبط، بعد ما أخد "أمر مباشر" من فؤاد إن سلامة كاريلا هي أهم من أي فريسة النهاردة.
______
الدقائق كانت بتمر تقيلة وصامتة، كاريلا ماشية ورا ليون اللي كان بيتحرك زي القطة، ماسك بندقيته ومنحني بجسمه وعينه بتلمع بترقب. الجو حواليهم كان مشحون، وفجأة سمعوا صوت طلقة رصاص مكتومة جاية من بعيد.. ليون اتصلب مكانه، عرف إن حد من العيلة لقى صيدة، وده خلاه يتحمس أكتر، مش عايز يرجع وإيده فاضية قدام العيلة .
كاريلا كانت بتحاول على قد ما تقدر تقلد خطواته، كتمت نَفَسها وبقت بتمشي على طرطيش صوابعها عشان ورق الشجر الناشف ميفضحش مكانهم.
فجأة، ليون وقف ووطى راسه للأرض، ورفع صباعه لكاريلا بحزم بمعنى "ولا كلمة". كاريلا اتسمرت مكانها وانحنت هي كمان، وعينيها بدأت تدور ورا الشجر والحشائش العالية اللي حواليهم.. وفجأة، الاتنين شافوه!
كان "أيل" ضخم وجميل، واقف بوقار وسط الضباب، بيتحرك بهدوء وهو مش دريان بالخطر اللي محاوطه. ليون عينيه برقت بجد؛ الأيل ده صيدة صعبة ومحتاجة مهارة، ولو جابه النهاردة، يبقى فعلاً أثبت إنه صياد من طراز الغريري ومش مجرد هاوي خصوصا أنه صيده كان يقتصر على الارانب او الحمام.
ليون بدأ يزحف بخطوات بطيئة جداً، بيحاول يقرب لمسافة تضمن له الإصابة، وكاريلا وراه بتراقب بذهول. الأيل كان رافع ودنه، بيسمع دبة النملة، وعينيه بتتحرك بحذر يمين وشمال.
لكن في ثانية، الحظ عاند ليون.. وهو بيحرك رجله عشان يثبت وضعيته، داس "بالغلط" على فرع شجر ناشف تحت رجله.
"طااااخ".. صوت كسر الخشب كان في هدوء الغابة زي صوت انفجار.
الأيل اتنطر مكانه، رفع راسه في ثانية وبص ناحيتهم، وقبل ما ليون حتى يفكر يرفع البندقية، كان الأيل أخد ديله في سنانه وجري بسرعة البرق بين الصخور والانحدارات، مستغل مهارته في الهروب في الأماكن الجبلية الصعبة.
ليون ملامحه اتغيرت للغضب، ومش عايز يضيع "صيدة العمر" من إيده. بص لكاريلا بسرعة وقال لها بصوت واطي ومنفعل
"خليكي هنا! متتحركيش من مكانك ثانية واحدة.. أنا هطارده وأجيبه وأرجعلك فوراً !"
وقبل ما كاريلا تنطق بكلمة، كان ليون جِري ورا الأيل واختفى بين الأشجار الكثيفة، وساب كاريلا واقفة لوحدها في نص الغابة ...
_____
كاريلا فضلت واقفة مكانها والوقت بيعدي كأنه سنين، بدأت تسمع صوت ضرب النار بيزيد ويقرب من كل ناحية، وصداه بيرن في الجبل.. بس ليون اتأخر أوي، "هو راح فين ده؟ مش قال ثانية وراجع؟". القلق بدأ ياكل قلبها، والضباب اللي بيزيد خلى الأشجار شكلها يخوف، فكرت وقالت لنفسها: "أنا مش هفضل واقفة زي الصنم هنا، أحسن لي أمشي وأحاول ألاقي حد من العيلة، أكيد هما قريبين من صوت الضرب ده".
بدأت تمشي بخطوات هادئة وعينيها بتلف في كل حتة، وأي صوت غصن شجر يتكسر كان بيخلي قلبها يقع في رجليها. وفجأة، سمعت صوت "خروشة" قوية جاية من ورا الحشائش العالية اللي وراها.. اتجمدت مكانها، ونفَسها بدأ يعلى، ولفت بسرعة وهي بتبلع ريقها بصعوبة.
الصوت كان بيقرب، وهي بدأت ترجع لورا بخوف ورعب
"يا رب.. يا ترى ده إيه؟ ذئب؟ ولا خنزير بري من اللي بيحكوا عنهم؟". كانت بتبص للأعشاب وهي بتتنفض، ومستعدة تصرخ وتجري بأقصى سرعة. وفجأة، طلع من وسط الزرع.. "أرنب" صغير، وقف وبص لها ببراءة وبعدين جري واختفى.
كاريلا أخدت نَفَس طويل وضحكت على نفسها وهي بتمسح العرق اللي نزل من التوتر
"يا خبر أبيض.. كل ده عشان أرنب؟ أنا فعلاً أعصابي باظت". ضحكتها مكملتش ثانية، وهي لسه بترجع خطوة كمان لورا عشان تعدل وقفتها، حست فجأة بحاجة حديد "عضت" رجلها بقوة رهيبة.
"ااااااااااه!"
صرخة وجع مكتومة طلعت من قلبها وهي بتقع على الأرض بكل قوتها. كاريلا مدستش على أرض عادية، دي داست في واحدة من "المصائد الحديدية" اللي العيلة حاطاها عشان تمسك الثعالب والحيوانات الكبيرة. فكوك الحديد قفلت على كاحل رجلها، والوجع كان شنيع لدرجة إن الدنيا اسودت في عينيها.
وقعت كاريلا على ورق الشجر الناشف، بتمسك رجلها وبتحاول تفتح المصيدة بإيدها وهي بتعيط من القهر والوجع، بس المصيدة كانت قوية ومصممة إنها ماتتفتحش بسهولة. كانت مرمية في نص الغابة، لوحدها، ورجلها بتنزف، وصوت الكلاب والضرب بعيد عنها.. مكنش فيه حد سامعها، والبرد بدأ ينخر في عضمها.
_____
كاريلا كانت مرمية في وسط ورق الشجر الناشف، ريحة الدم بدأت تطلع، والوجع كان بيسري في جسمها كله زي الكهرباء. بدأت تسمع صوت خطوات تقيلة بتقرب تاني..
"خروشة" منتظمة وواثقة. في اللحظة دي، الرعب سيطر عليها تماماً، فكرت في أسوأ السيناريوهات: "لو حيوان هجم عليا دلوقتي، هكون لقمة سهلة.. هموت هنا ومحدش هيعرف طريقي". ندمت ندم عمرها إنها مسمعتش الكلام، وقالت في سرها بمرارة: "يا ريتني كنت قعدت مع ماريا.. كان أهون بكتير تنهش فيا بنظراتها ولا أموت هنا لوحدي تحت رحمة الغابة".
رفعت عينيها وهي بتنهج وماسكة رجلها اللي "المصيدة" مكلبشة فيها، وبصت ناحية الصوت، وهناك شافت "شبح" طالع من وسط الضباب. كان ديمتري. واقف بكل هيبته، ومشهر البندقية بتاعته في وشها مباشرة، ملامحه كانت حادة وصارمة.. للحظة حست إنه فعلًا افتكرها حيوان، أو إنه قرر ينهي الليلة ويخلص عليها بطلقة واحدة زي ما دايما بيتوعدها.
ديمتري مكنش فاهم إيه اللي رامي "كائن" في الأرض بالشكل ده، فضل رافع البندقية ثواني معدودة، قبل ما يستوعب إن دي كاريلا، وإنها وقعت في مصيبة تانية من مصايبها اللي مب تخلصش.
نزل البندقية بسرعة وجري ناحيتها، وطى وبص لنزيف رجلها بنظرة تقييمية باردة ومحترفة، وفهم الحكاية
"دي وقعت في واحدة من مصايد كاسبار اللعينة".
بصلها وسألها
"ليون فين؟ مش المفروض إنه المسؤول عنك ومش سايبك لحظة؟ "
ديمتري بدأ يمد إيده عشان يفتح فكوك الحديد، كاريلا أول ما شافته بيقرب صرخت بخوف وهي بتحاول تسحب رجلها
"لأ! ابعد! متلمسهاش.. هتوجعني أوي لو فتحتها دلوقت، ابعد عني!"
ديمتري رد عليها بمنتهى الهدوء والبرود وهو بيبص في عينيها
"لو ملمستهاش دلوقتي، رجلك دي هتتغرغر.. والمصيدة دي مش هتتفتح بالدلع، لازم تتكسر أو تتفتح بقوة."
كاريلا بدأت تعيط بهيستيريا
"مش عايزة! وجعها فظيع.. سيبني يا ديمتري، روح هات حد يساعدك ...ماتفتحهاش انت ! "
ديمتري نَفَس صبره بدأ يخلص، بصلها بحدة وقال
"بطلي شغل عيال! مفيش وقت.. مفيش حد حوالينا والنزيف مش هيستنى. يا تفتحي عينيكي وتجمدي، يا هعمل اللي في دماغي غصب عنك."
كاريلا استسلمت للأمر الواقع لما شافت نظرة القوة في عينيه، أدركت إن مفيش مفر. غمضت عينيها بقوة، وضغطت على سنانها وهي بتترعش، واستعدت للأسوأ.
ديمتري محاولش يفتحها بإيده بس عشان ميهريش اللحم أكتر، استخدم كعب البندقية بتاعته كرافعة، وبكل قوته البدنية العنيفة، ضغط على السوستة الجانبية للمصيدة.
صوت "تزييق" الحديد وهو بيفتح كان مرعب، وفي ثانية واحدة، ديمتري نطر فكوك المصيدة بعيد عن رجلها بحركة سريعة ومفاجئة عشان ميمطش الوجع.
كاريلا أطلقت صرخة هزت الشجر حواليهم، وحست كأن روحها بتطلع، بس في نفس اللحظة، حست بـ "التحرر" من قبضة الحديد .
ديمتري بصلها ببرود، وعيونه كانت بتقيم المسافة بينهم وبين منطقة الراحة، وقال بصوته الرخيم
"لازم نتحرك.. المنطقة دي مش أمان والنزيف لازم يتشاف في الاستراحة."
وعشان كده طلب منها تركب ظهره.
كاريلا أول ما شافته بيعمل كدة، عينيها طلعت شرار، وكأنها نسيت تماماً إنه لسه مخلصها من فك المصيدة. الغل اللي جواها من يوم "شقة أمها" والشكوك اللي بتاكل قلبها عنه وعن رغبته يا في قتل مامته يا في طردها خلوها ترفض بحدة، وضربت إيده اللي مدها لها وقالت بنفور
"ابعد عني.. أنا مش محتاجة مساعدتك، أقدر أمشي لوحدي."
ديمتري معلقش، اعتدل في وقفته وربع إيده وهو بيبص لها بنظرة استهزاء، وكأن عينيه بتقول لها: "وريني يا شاطرة هتقفي إزاي."
كاريلا حاولت تضغط على رجلها المصابة عشان تقوم، بس أول ما لمست الأرض صرخت "آه" من الوجع. حاولت تاني وهي بتسند ايدها على الهواء ، ووشها بقى أحمر من المجهود والألم. بصت له بغيظ وتمتمت بصوت واطي
"فعلاً معندكش ريحة الذوق ولا أخلاق الجنتلمان.. على الأقل كنت ساندني أو هات كتفك أقف عليه!"
ديمتري رفع حاجبه باستنكار وقال بدهشة "مش إنتي اللي لسه ضاربة إيدي وقايلة 'أقدر لوحدي'؟ قرري إنتي عايزة إيه بالظبط؟"
كاريلا ردت بلا اهتمام وهي بتحاول تمشي
"انسى.. تجاهل اللي قلته، خليني أمشي." وبالفعل بدأت تجر رجلها وتحاول تتجاوزه سنتيمترات قليلة ، وديمتري واقف مكانه بيراقب ببرود واستمتاع ساخر بمنظر عنادها اللي ملوش لازمة.
الوجع كان بياكل عضمها، بس كبريائها كان أقوى، "هل هخضع للسفاح ده؟ مستحيل!". بس فجأة، الدنيا بدأت تسود في عينيها، وحست بدوار شديد، غالباً بسبب الدم اللي فقدته والوجع اللي فوق طاقتها. جسمها اختل ووقعت تاني على الأرض "دب" لدرجة إنها فاقت من الصدمة إن ديمتري حتى ممدش إيده يلحقها وهي بتقع بصتله بعصبية كأنه هو اللي وقعها .
ديمتري انحنى فجأة بجسمه الضخم، ومسك وشها بين إيديه بقوة خلتها تبص له غصب عنها، وقال بوضوح مرعب
"لو عايزة توصلي للاستراحة قبل ما الضلمة تليل والخنازير الوحشية تشم ريحة دمك وتيجي تاكلك هنا.. يبقى تسمعي الكلام وتنفذي اللي بقوله."
كاريلا ارتعشت من فكرة "الخنازير"، وديمتري كمل وهو بيرسم على وشه ابتسامته السيكوباتية الهادية وبدأ يحكي لها بلهجة تخوف
"عارفة .. الغابة دي بالليل مابترحمش. لما الشمس بتغيب، الخنازير البرية بتخرج تدور على أي حاجة 'طرية' تاكلها. بيبدأوا الأول يشمشموا ريحة الدم من على بعد كيلومترات، بيحاصروا الضحية وهي لسه صاحية.. بيبدأوا ينهشوا في الرجل المصابة الأول عشان يضمنوا إنها مش هتهرب، وإنتي هتفضلي تصرخي ومحدش هيسمعك وسط ريح الشجر دي، لغاية ما يخلصوا عليكي حتة حتة وانتي شايفة كل حاجة بعينيكي."
كاريلا وشها بقى أبيض زي الورقة، والرعب سيطر عليها تماماً وهي بتتخيل المنظر. ديمتري سحب إيده من على وشها ووقف، وفضل مستني قرارها الأخير وهو واثق إنها خلاص استسلمت.
كاريلا غمضت عينيها بقهر، وحست إن مفيش مفر من "الدياب" اللي قدامها ولا "الخنازير" اللي وراها. بقلة حيلة تامة، فتحت له دراعاتها وهي بتعيط من الوجع والخوف وقالت بصوت مهزوز
"خلاص.. شيلني، مش عايزة أتاكل."