بيننا خيط لا ينقطع - الفصل الثامن والتسعون - بقلم the writer linora | روايتك

اسم الرواية: بيننا خيط لا ينقطع
المؤلف / الكاتب: the writer linora
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثامن والتسعون

الفصل الثامن والتسعون

" the writer Aridj " . . . كانت الكلمات تتساقط من فمه كأنها قطرات الندى تتناثر على الأرض في فجر هادئ، وكأن القدر كتب هذا المشهد منذ زمن بعيد. عمّ المكان صمت ثقيل، صمت يملؤه مزيج من الجدية والدفء، حيث كل نظرة تحمل ما بين الحكمة والقلق. تبادل والد رسيم نظرة سريعة مع ابنه، ثم التفت إلى خالد بعينين ملؤهما الحكمة ، وقال/ أماني بنتي، وتستاهل الأصيل الشجاع اللي يوقف معاها فالفرح وترح… توقف قليلاً، ليس عبثًا، بل ليتمعن في تعابير خالد، ذلك الرجل الذي كان قلبه مشدودًا بين الخوف والرغبة، وعقله يزن شخصية أماني بوعيٍ حاد؛ امرأة جامحة، لا تعرف الانقياد، ولا تمنح قرارها إلا لنفسها.. ومع ذلك، جنون خالد بعشقها وهوسه بها وتعلقه بأدق تفاصيلها جعل ثقته بها مطلقة؛ حتى وإن رفضت يومًا، سيظل يحاول ويثابر، لأن العاشق الحقيقي لا يعرف التراجع أمام الحب، وإن لم يفلح وارتشف من كأس المنية في درب المحاولة، فسوف يشهد له التاريخ بأنه لم يترك عشقَه. ابتسم والد أماني بخفة وقال /وأنت يا خالد، ما نعرف عنك إلا الخير، الكل يتكلم عن طيب أصلك. بس يا ولدي، الرأي الأخير دائماً لآماني. تدخل رسيم قائلاً /ولا تنتظر منا نجبرها على شيء، لا للقبول ولا للرفض. إن وافقت، فخير وبركة، وإن رفضت، الله يفتح عليك ويقدّر لك نصيبك من بيت ثاني. قبل أن ينطق خالد بكلمة، قاطعه رسيم بحزم /ولا تحسب انو أخذ بنتنا شي سهل، لو ما كنت أعرفك من صغرنا، وأعرف أخلاقك، كنت رفضتك من البداية. احنا عندنا بنت وحدة وما نرضى عليها بالذل. رد خالد بثقة لا تلين /وأنا خالد بن عبد الإله، ما راح تھون عليا آماني ولا أقبل لها بالذل. ابتسم رسيم، مطمئنًا لإصرار خالد، وقال في نفسه "مرحبا بك، أيها المحارب." وصلت الخادمة بالضيافة، ونهض رسيم وصب القهوة من الدلة، صب لكل من خالد ووالده، ثم جلس ليختبر خالد بمزاح وجرأة /خالد تعرف إن أماني متعصبة ضد الزواج، ويمكن ترفضك… ابتسم خالد ابتسامة جانبية تحمل فهمًا عميقًا للموقف؛ فهو يعرف رسيم ويقرأ نواياه من تفاصيله، ويدرك أن دخوله لم يكن عفويًا ولا طلبه وليد لحظة، ومع ذلك أجابه بثبات/راح أنتظر وأكافح، أنا مجيتكم إلا ونيتي خير، وما راح أتراجع. وإن شاء الله أكون عند حسن ظنكم. ابتسم والد رسيم وقال /إن شاء الله يا ولد عبد الإله عمّ صمت ثقيل أجواء المجلس، جلس الجميع صامتين، تتراقص النظرات بينهم كأنها كلمات غير منطوقة. كانت عينا خالد تحترق بالعزم والإصرار، فيما يراقبه رسيم ووالده بعينين ملؤهما الترقب والفهم العميق. بعد لحظات من الصمت المشحون، نهض خالد بثقة هادئة، وتقدّم نحو والد رسيم، صافحه وقبّل جبينه بروح ملؤها الاحترام والوفاء./ عسى دايمًا حظي منوّر بشوفتك يا أبو رسيم. ضحك رسيم وقال /من الحين بدينا بسوالف النسيب البايخة… يلا يلا، أعرفك زين. صافح خالد رسيم، وتوجّه معه إلى باب المجلس، وقال /استنى منا خبر، بس لا تستعجل… خلّك صبور يا خالد، ترى اللي تطلبها أختي، وصعبة المنال، وأخت رسيم ما تنعطى لكل من يوقف على بابها. ابتسم خالد وقال /إن شاء الله خير. ركب خالد سيارته وأدار المحرّك، وانساب في الطريق، وقلبه عامرٌ بفرحٍ لا يكتمل، يرافقه توتر خفيف كظلٍّ لا يفارقه، يلازمه الطريق ويشاركه الصمت. : : وصلت وعد إلى بيت تالين، طرقت الباب بخفة، وقبل أن تُكمل طرقتها الأولى، فُتح الباب فجأة، وظهرت تالين أمامها، ارتمت في حضنها، ودموع الفرح تنهمر من عينيها وهي تبكي فرحًا وتقول بصوتٍ مختنق بالمشاعر /مبروك… مبروك يا روح الروح، مبروك يا بعد روحي! بادلتها وعد العناق، وشدّت عليها بقلبٍ ممتلئ، وقالت بابتسامة دافئة /الله يبارك فيك يا الغالية، إن شاء الله أفرح فيك أنا كمان. انتبهت تالين فجأة إلى أنهما ما زالتا واقفتين عند باب البيت، فضحكت وهي تمسك بيد وعد وتسحبها للداخل، ثم أغلقت الباب خلفهما قائلة بحماس ولهفة /فكّك مني وتعالي احكي لي وش صار، وليش ما جت أماني؟ لازم نلتقي الحين، على راسك كيف راح تتزوجين! لازم ننشب بحلقك شوي. ضحكت وعد، وهزّت رأسها وهي تُخرج هاتفها من حقيبتھا، وقالت /راح أتصل برسيم… هي ما ترد. وفي تلك اللحظة، خرجت والدة تالين من إحدى الغرف، وما إن رأت وعد حتى أسرعت نحوها، فبادرتها وعد بالعناق، وباركت لها للمرة الثانية وسط كلمات مليئة بالدعاء والفرح، زادت المكان دفئًا وبهجة. بعدها صعدت وعد مع تالين إلى غرفتھا. جلست تالين على الأرض، وقد ارتسم على وجهها ترقّب واضح، بينما وقفت وعد أمامها وهي تتصل برسيم. مرّت لحظات قصيرة، ثم جاء صوته عبر الهاتف. قالت وعد مبتسمة /هلا رسيم، كيفك؟ رد رسيم بنبرة ودودة /أهلين بدكتورتنا، أنا بخير الحمد لله… إنتِ طمنيني عنك. قالت وعد بخفة /ههه بخير بخير يا رسيم، بس ودي أسألك عن أماني… ليش مقفلة تليفونها؟ رد رسيم باستغراب واضح /هي في غرفتها، راح أطلع أشوفها… خليك معي. مرّت دقائق قصيرة، ثم عاد صوته مجددًا وقال /أماني نامت يا وعودا، شكلها تعبانة… راحت اليوم للشغل. قالت وعد بقلقٍ فوري /إيييش؟ ليش تركتوها تروح؟ لسا هي طالعة من عملية وما مرّ عليها إلا شويت أسابيع! ضحك رسيم مازحًا وقال /وكأنّو رفيقتك مطيعة مرّة! تعرفين أماني يا وعد، تسوي اللي في راسها وبس. تنفست وعد بعمق وقالت /إن شاء الله تكون بخير وبس… يلا سلام، وإذا صحت قول لها تتصل بي . رد رسيم /إن شاء الله… سلام. أغلقت وعد الهاتف، والتفتت إلى تالين وقالت بنبرة تجمع بين الأسف والاعتياد /أماني ما راح تجي… نايمة، فأهم يوم نامت مونيتا. ضحكت تالين بخفة وقالت /لا تخافي، راح نطلع عندها ونعيد نفس السالفة… بس أنا كمان تمنيت تكون معانا للحين ههه ااااه يا موني راحت عليك تشوفين الرومانسية. جلست وعد أمامها، وصمتت قليلًا. غمزت تالين بابتسامة مشاكسة وقالت /وش فيك ساكته؟ جبتك عشان تسكتين؟ يلا احكي، لا تسوي لي فيها خجلانة ومدري إيش. ضربت وعد كتفها بمزاح وقالت وهي تضحك /حتى اللي يبي يخجل ما تخلينه… حسبي على إبليسك! ثم بدأت وعد تسرد لها كل ما حدث، كلمة كلمة، لحظة بلحظة. وحين انتهت، أطلقت تالين نفسها على الأرض، واستلقت ورفعت يديها للسماء وهي تقول بانفعال /الله! وش هالرومانسية… قلبي يا يمّه! ضحكت وعد وقالت /خلاص يا تالين، من بديت أحكي وانتي كذا… كأني أحكيلك قصة روميو وجولييت. نهضت تالين فجأة وقالت بحماس /والله إنّو شكسبير لو شافكم قبل روميو وجولييت، لسمّى المسرحية طلال ووعد! قامت وعد من مكانها وقالت وهي تضحك بخبث /استني يا تالين، جايك دور… والله راح أردها محسوبة. تجاهلتها تالين، واقتربت منها وقالت بفضول صريح /وعد، أنا ما شفت طلال… وحبيت أشوف مين فارس الأحلام، خايفة لا يطلع مو مزيون. سكتت وعد قليلًا، وارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة، كأنها تستحضر صورته أمامها، ثم بدأت تصفه بتلقائية عاشقة/ أقول وصفٍ يليق المقام ومغـزاه وما هو كلامٍ يجي عابرٍ وسكـراه طلال لا بان، الهيبة تسبق خطـاه والطيب في وجهه يسبق يمينـاه عينه خضر، بهت لونها من تقـواه مثل الغدير اللي سقى الأرض من ماه وشعره أسود، أملس ،مبعثرٍ في انتثـراه فوضى جمالٍ فوق راسه ماه مو بالطويل اللي يردّه صغـراه ولا قصيرٍ يخون الوقار وملقـاه أنفه مستقيمٍ وحادٍ بمعنـاه حدّ السيوف اللي تهاب اصطلاه بشرته سمرا خفيفة مثل صحـراه لون العرب، لا مسّه الوقت يقساه عضلاته مرسومة بلا استعراضـاه قوة رجالٍ ما تعرف الادّعاه طوله أطول مني مرات، وهي في ظـلّاه تصغر بعينه، وهو يكبر بمحتـاه خطوته تعرف وين تودي مرسـاه ما هي تخاف الدرب ولا تتلفّت وراه صوته إذا قال، المعاني تلقّـاه وإن سكت، الصمت يحكي عن شفاه فيه الرجولة لا انحسبت معناهـا وفيه الأمان اللي تطمّن معـاه ما هو جمالٍ ينتهي بانتهـاه ذاك الجمال اللي مع الأيام يقـواه لو قيل وين العز؟ قلتوا معـاه ولو قيل وين الطيب؟ هو مبتـداه هذا طلال، لا سألتي عن غلاه غلاه بالقلب… وما يحتاج دنياه كانت تالين تضع يدها على خدها، تتابعها بكل اهتمام، وما إن انتهت وعد حتى قالت بانبهار /والله إنك أقوى من الصين… من وين جبتي هالبضاعة؟! رمت وعد الوسادة الصغيرة التي بجانبها عليها، وقالت بضحكٍ محتج /استحي على حالك يا بنت! تتغزلين بزوجي وأنا واقفة؟ يا ربي يا ناس! ضحكت تالين، ورفعت هاتفها، وكان واضحًا أنها كانت تسجّل حديث وعد منذ اللحظة التي بدأت فيها بوصف طلال. شغّلت التسجيل، وبدأ الصوت يعيد كل ما قالته وعد. احمرّ وجه وعد خجلًا، وقفزت نحوها وهي تقول /وش سويتي إنتِ؟! ضحكت تالين وقالت بسعادة /لا لا يا زوجة طلال… هذي لحظة لازم تتخلد، وتعرفيني أنا أحب أخلّد اللحظات دايم، عشان أوريها لولادكم وأقول لهم: شوفوا أمكم كيف كانت شاعرة رومانسية! نهضت وعد، ومثّلت العبوس، لكنها كانت تفكر بخبثٍ واضح، وقالت وهي تلوّح بإصبعها /استني يا تالين….. يا روح الروح، استني وبس!