الفصل 1
بينما يركض الخيل بسرعة مجنونة فوق امتداد الشاطئ الرملي و الهواء يصفع الجسد بعنف و الموج يتكسر على مقربة كأنه يلاحق ذلك الاندفاع الجنوني دون اي سابق انذار سحب هو الحبل بقوة حاسمة فتصلب جسد الحصان فجأة و ارتفع على قدميه الخلفيتين مطلقا صوتا عاليا شق سكون المكان و توقف عندها كل شيء لثوان قصيرة تسبق القرار ثم ثبت قدميه على الارض و ترجل هو من على خيله بخطوات بطيئة متعمدة كان الرمل رطبا تحت قدميه و ثقل الصمت يزداد مع كل نفس امسك الحبل بيده و جذبه خلفه
فتحرك الحصان مطيعا رغم ما بدا من توتر في جسده و سارا معا باتجاه الماء كان الجو صافيا و السماء ممتدة بلا غيوم و الافق مفتوحا على اتساعه دخل هو بصحبة خيله الى داخل ماء الشاطئ لامست الامواج اقدامهما و تقدما اكثر حتى غمرت المياه الساقين بينما ظل واقفا ينظر امامه و كأن البحر وحده يفهم ما لم يقل.
بعد وقت طويل و هو يسبح في الماء بصحبة خيله و قد اختلط صوته بصوت الموج كان على وشك أن يتحرك معه خارج المياه لكنه ما إن استدار نحو الشاطئ حتى رآها تقف أمامه تقطع طريقه بنظرات ثابتة لا تعرف الارتباك فاقترب منها بهدوء مريب يجر خيله خلفه و الماء يتراجع عن جسدهما شيئا فشيئا و قال بصوت منخفض يحمل دهشة خفيفة
"كل ما أتيت أجدك هنا أليس لديك شيء آخر تفعلينه غير تأمل البحر"
لم تنظر إليه بل أبقت عينيها معلقتين بالأفق و نظرت إلى البحر بحب واضح كأنها لم و لن تحب شيئا كحبها له و قالت بهدوء صادق
"و هل يُمل من تأمل جمال كجمال البحر"
قال و هو يشد الحبل قليلا ليبقى الخيل إلى جانبه
"لدي سؤال و جاوبي بصراحة"
التفتت إليه هذه المرة و قالت بلا تردد
"اسأل"
قال و هو يراقب ملامحها بدقة
"كم من الوقت تقضينه هنا لوحدك"
أجابت بصدق خال من التكلف
"لا أعد لكني لا أشعر بثقله"
قال بعد لحظة صمت قصيرة
"هل تأتين إلى هنا لأنك وحيدة"
ضحكت بسخرية خفيفة و قالت
"وحيدة؟ كلا يا سيد لا يوجد شخص اجتماعي و مرح مثلي إطلاقا لكني اعتدت منذ الصغر على تأمل البحر أحبه كحب الرسام للوحاته و الطباخ لطبخاته و حبك أنت لخيلك"
نظر إليها بعينين ضيقتين و قال
"و ما أدراك عن حبي لخيلي"
أجابت بثقة هادئة
"كلما أتيت إما أراك أحضرته معك أو أراك مع أحد تتكلم عنه"
ضحك و قال
"تراقبينني"
هزت رأسها و قالت
"لا.. لكنك أول شخص أصادفه يحب المجيء إلى الشاطئ مثلي ليس بقدر ما آتي أنا لكنك كثير المجيء أيضا"
ضحك و هو يقترب خطوة أخرى منها و مد يده و قال
"اسمي فارس و أنتي" نظرت إلى يده ثم إلى عينيه و قالت بهدوء
"اسم على مسمى أنا هيا"
ابتسم ابتسامة خفيفة و قال
"تشرفت بمعرفتك".
وقف أمام اسطبل الخيل غارقا في صمت يشبه الوقوف على حافة ذاكرة لا ترحم كان المكان يعرفه كما يعرف اسمه لكن ذلك الركن البعيد كان يفرض حضوره رغما عنه حيث يقف خيل محمد وحيدا شامخا بعينين لا تزالان تبحثان في الفراغ عن ظل صاحبه جسده مشدود كوتر قوس و ذاكرته أثقل من الزمن لم يرضخ لأحد منذ رحيل محمد و لم يسمح لأي يد أن تمسه و كأن الوفاء فيه صار لعنة لا تشفى و بينما كان نواف أسير هذا المشهد انفتح باب الاسطبل ببطء و دخل فارس ممتطيا حصانه بهيبة لا تخطئها العين خطوات الخيل على الأرض كانت عميقة راسخة كأنها توقظ المكان من سباته ترجل فارس بهدوء محسوب.. قاد حصانه إلى موضعه بمحاذاة خيل محمد في وقفة لم تكن عابرة و لا بريئة اقترب نواف ببطء حتى صار إلى جواره. نظر إليه نظرة طويلة خالية من الكلمات لكن مثقلة بما لا يقال.. لمح فارس حضوره أخيرا فتحدث بتلقائية هادئة وهو يفك لجام حصانه
"أما زلت تراقب حال الخيل و تتذكر محمدا و ما حدث له"
اشتعل شيء مظلم في عيني نواف و خرج صوته مشدودا كجرح طري
"و كيف لي أن أنسى كيف قتل أخي الأكبر أمام عيني و في يوم زفافه"
توقف فارس عن الحركة كأن الكلمات أصابته في مقتل و استدار نحوه و اقترب خطوة واحدة فقط لكنه بدا أقرب من ذلك بكثير و قال بصوت منخفض يحمل ثقل الحقيقة
"لا تزال تفكر في الانتقام إذا"
أجاب نواف بسرعة لا تعرف التردد كأن القرار اتخذ منذ لحظة الدم
"انا لا أفكر في شيء سوى الانتقام يا فارس"
ارتسمت على شفتي فارس ابتسامة صغيرة بالكاد ترى ابتسامة لا تحمل سخرية بقدر ما تحمل معرفة مرة و قال
"لا أظننا سنقدر على الانتقام"
ضحك نواف ضحكة قصيرة قاسية و قال بسخرية جارحة
"تحدث عن نفسك إن كنت ضعيف شخصية"
في تلك اللحظة تغير كل شيء في ملامح فارس تقدم نصف خطوة فقط لكن حضوره تضاعف و صوته صار أكثر صلابة
"خسئت يا نواف العيب ليس مني إطلاقا لكن كبار العائلة يخططون للصلح"
تجمد نواف في مكانه كأن الكلمة صفعته ثم رفع رأسه ببطء و قال بنبرة لا تعرف التراجع
"هل تظنني سأدع هذا يحدث لا يمكن أن يحدث الصلح مع عائلة مثل عائلة الهجري واحد منهم قتل أخي لما الصلح مع أناس لم يعرفوا معنى الرحمة"
رد فارس و هو يثبت نظره فيه دون أن يشيح بعينيه كأنما ينقبه من الداخل
"لما تعمم هل تخليت عن حبك لابنتهم"
ارتجف شيء خفي في عيني نواف لكنه وأده بسرعة و قال بصوت حاسم لا يقبل النقاش
"حبي لأخي أقوى من حبي لها علي استرجاع حقه أولا و من ثم يمكنني أن أحب من أحب"
في مكان آخر من البيت العتيق كان ضرغام يجلس في صدر المجلس تحيط به هيبته كما يحيط الصمت بالقبور و بجواره جلس ابناه جاسم و هزاع في دائرة ثقيلة يثقلها ما لا يقال أكثر مما يقال كانت النار المشتعلة في الموقد ترسل ظلالا متراقصة على الجدران و كأنها تعيد تمثيل صراع قديم لم يخمد بعد و كان الحديث يدور حول الصلح ذاك القرار الذي صار أثقل من الدم نفسه فقد رأى ضرغام أن لا مفر من الذهاب إلى مجلس الحي و الجلوس أمام كبار المنطقة و وضع النار في منتصف الطاولة علها تخمد قبل أن تلتهم ما تبقى من العائلتين لم يكن القرار سهلا عليه فالألم لم يكن أقل حضورا في قلبه من قلوب أبنائه بل ربما كان أعمق و أكثر مرارة فقد خسر حفيدا لم يجف دمه بعد و خسر فوق ذلك صديق عمره كله سالم الهجري الرجل الذي شاركه الطفولة و الرجولة و الذكريات الأولى الرجل الذي كان يوما أقرب إليه من بعض دمه لكن حادثة واحدة بدأت بمشادة تافهة بين الشباب انتهت بما لا عودة منه انتهت بجريمة سرقت حفيده منه و سرقت صديقه من قلبه في آن واحد. جلس ضرغام مثقلا بالحزن يحاول أن يكون كبيرا كما اعتاد الجميع أن يراه رغم أن قلبه كان ينزف بصمت
و على الطرف الآخر من المجلس كان هزاع يجلس مشدود الملامح بعينين تشتعلان رفضا و غضبا لا يستطيع إخفاءه كان يرفض فكرة الصلح من جذورها يرى فيها خيانة لدم ولده و إهانة لوجع العائلة لكنه في الوقت ذاته كان يعرف جيدا أن ما يفرضه ضرغام ليس اقتراحا بل أمرا لا يرد و لا يناقش فظل صامتا يبتلع غضبه و يكتم اعتراضه لأن كسر كلمة والده كان عنده خطا لا يقل قسوة عن كسر الدم نفسه بينما راقب جاسم المشهد بعين مترددة يدرك أن الصلح لن يمر بسلام و أن النار التي يحاول ضرغام إخمادها قد تكون أخفت جمرها لا أكثر