ابنة المافيا ( الغريبة السادسة ) - الفصل العشرين - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: ابنة المافيا ( الغريبة السادسة )
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل العشرين

الفصل العشرين

المشهد في الشقة بقى عامل زي خيط حرير مشدود، لو حد لمسه هيقطع رقاب الكل. إيميل كان بيتنفس بصعوبة، عينه بتلف في المكان زي المجنون، وماسك حياة من رقبتها وبيرجع بيها لورا ناحية الباب، والمسدس مغروز في راسها لدرجة إنه معلم في جلدها. كاريلا كانت واقفة في النص، دموعها نازلة زي الشلال، وجسمها كله بيترعش. كانت بتبص لديمتري اللي واقف مكانه زي الجبل، مسدسه مرفوع وثابت، وعينه مش بترمِش. ديمتري في العادي مبيفرقش معاه حد، كان ممكن يخلص الليلة في ثانية ويرمي جثة في نص جثة، بس المرة دي إيده كانت تقيلة.. المرة دي ام كاريلا موجودة في الصورة كاريلا بهمس مخنوق ومليان رجاء، نطقت اسمه "ديمتري.. أرجوك.. ديمتري اعمل حاجة". كاريلا في اللحظة دي نسيت كل لومها له، كل اللي كان يهمها هو روح أمها اللي بين إيدين واحد مجنون. حياة رغم الرعب، الاسم رن في ودنها زي الجرس.. "ديمتري؟". بصت له بذهول وفكرت: "إذن هو ده ديمتري ابن فؤاد؟ كبر وبقى نسخة من عيلة الغريري.. الموت ماشي في دمه". الغضب اتخلط بالخوف جواها، وفهمت إن عداوات العيلة دي دائما يدفع ثمنها البريئ ، وإنها لو استسلمت وخرجت مع إيميل، فدي نهايتها المحتومة. حياة قررت إنها مش هتكون ضحية تانية. صفّت ذهنها في ثانية، وبصت لديمتري نظرة مباشرة.. نظرة جريئة وقوية، كأنها بتبعت له رسالة مشفرة: "أنا هتحرك.. وإنت خلص الليلة". ديمتري قطب حاجبه، لقط الإشارة وفهم إن "الممرضة" دي وراها سر، وإنها بتخطط لحاجة. وفجأة، وفي جزء من الثانية، حياة استجمعت كل قوتها وضربت إيميل بكوعها في بطنه "خبطة معلم" من اللي كانت متعلاهم زمان للدفاع عن النفس. إيميل اتفاجئ واتهز، وفي اللحظة اللي تشتت فيها، حياة انحنت للأرض بسرعة البرق. ديمتري مكدبش خبر، وفي أقل من لمحة عين، كانت رصاصته خرجت من المسدس بـ"كاتم صوت" وصابت كتف إيميل بالظبط. إيميل صرخ صرخة مكتومة من الألم والمسدس وقع من إيده، وكاريلا صرخت وهي بتجري على أمها اللي كانت خلاص في الأرض بتشدها لحضنها وبتخبيها. إيميل حاول يجرجر نفسه ويهرب من باب الشقة وهو بينزف، بس ديمتري كان أسرع، وضرب رصاصتين ورا بعض في رجله، خلت إيميل يقع على وشه ويصرخ صرخات هستيرية مسمعة في الشقة كلها. ديمتري مشي ناحية إيميل بخطوات بطيئة ومرعبة، وهو لسه ماسك سلاحه، دفع سلاح ايميل برجله . و طلع موبايله واتصل برجالته عشان ياخدوا ايميل ... المهمة تمت ! _____ كاريلا كانت واقفة والدموع نشفت على خدودها من كتر الصدمة، عينيها كانت بتلف في الشقة اللي اتحولت لخرابة في دقايق.. الأكياس اللي كانت شايلة فيها "الفرحة" مع مامتها، الطماطم اللي انداس عليها، الخبز اللي اختلط ببارود الرصاص.. كل حاجة اتخربت. وبدل ما ريحة الأكل تملى المكان، ريحة الدم والخوف هي اللي سيطرت. حياة كانت لسه بتترعش، مسحت على وش كاريلا بإيديها وهي بتحاول تطمنها بصوت مهزوز "خلاص يا حبيبتي.. إحنا كويسين، الحمد لله"، وبصت لديمتري كأنها بتستنجد بنظرته عشان يأكد كلامها. ديمتري اكتفى بهزة رأس باردة، بس اتفاجئ بكاريلا وهي بتسحب إيدها من حضن أمها وبتبصله بنظرة "جمود" توجع أكتر من الرصاص. قالت بصوت حاد زي السكينة "لازم نتكلم .. حالاً". حياة حاولت تفهم في إيه، بس كاريلا طلبت منها تدلها دقايق وهترجع. رجالة ديمتري وصلوا، سحبوا إيميل اللي كان بينزف وبيرفس زي الذبيحة، ورموه في العربية بعنف. ديمتري أداهم أمر بصوت واطي "ودوه (الغرفة).. وأنا جاي وراكم". خرجوا الاتنين بره الشقة، وقفوا في الشارع الفارغ.. السما كانت مغيمة جداً، والأرض مبلولة، والجو فيه "نشفان" غريب. وقفوا قدام بعض، المواجهة الحقيقية بدأت. كاريلا بدأت ترمي أسئلتها زي المدافع "إنت كنت بتعمل إيه هنا؟ عرفت مكان الشقة دي منين؟ مش ده الراجل اللي خطفني قبل كده ؟ وليه حياتي أنا وأمي بقت مسرح للعمليات بتاعتك؟" ديمتري كان واقف زي السد المنيع، مابيردش، عينه ثابتة في عينها بس مفيش كلمة خرجت من بوقه. مكنش عارف يقول لها إيه؟ يقول لها إنه ماركوس هو اللي رتب اللعبة دي؟ ولا يقول لها إنه مكنش يعرف إن "الممرضة" هي والدتها؟ كاريلا لما لقت صمته، بدأت نبرة اللوم والعتاب تزيد "ساكت ليه؟ ما تنطق! أنا عديت كل اللي عملته فيا.. عديت قسوتك، وطريقتك، والغموض اللي محاوطك.. قلت يمكن ده طبعك. بس يوصل بيك الأمر إنك تهدد حياة أمي؟ إنك تجر الموت لبيتها؟ ده اللي مش هقبله يا ديمتري.. أبداً!" في اللحظة دي المطر بدأ ينزل بغزارة، يغسل وشوشهم المليانة تعب، وكاريلا كملت بصراخ وهي مبلولة بالكامل "كنت بتخطط تقتلها؟ ولا كنت جاي تهددها عشان تمشي؟ مين اللي أمرك؟ وإنت طبعاً بتنفذ.. مش إنت 'السفاح' بتاعهم؟ مش إنت اللي مابيهمكش روح حد؟" قربت منه خطوة وهي بتقول بكسرة "أنا بس عايزة أفهم.. إزاي بتقدر تأذي ناس مالهاش ذنب؟ أنا عارفة إنك قاسي، وعارفة إنك مابتفهمش في الرحمة.. بس معقولة؟ مفيش ذرة واحدة تعاطف في قلبك؟ مفيش حتة نضيفة باقية فيك تحس بالناس اللي بتدمر حياتهم؟" ديمتري كان واقف بيسمعها والمطر بينزل على وشه، عينه مبرمشتش ولا مرة، وصمته كان "مستفز" وكأنه بيقول لها إن كلامك ملوش قيمة. كاريلا لما لقت إن الكلام معاه زي الكلام مع الحيطة، وإن قلبه فعلاً "حجر"، مسحت شعرها اللي لزق على وشها من المطر، وبصت له نظرة أخيرة فيها "قرف" وخذلان وقالت "إنت مش بشري يا ديمتري.. مستحيل تكون إنسان". سابت الكلمة دي في وشه ولفّت، مشيت متجاوزة إياه ورجعت الشقة وهي بتجر أذيال الخيبة، وسابت ديمتري لوحده تحت المطر.. واقف وسط الضلمة، مش عارف هو حزين على نظرتها ليه، ولا غضبان من ماركوس ... ولا لاول مرة يحس أنه بجد سفاح وسلاح ! _____ في الوقت اللي كانت فيه الدنيا بتولع عند شقة حياة، ماركوس كان وصل لسه بالعربية بتاعته، وقف من بعيد وراقب المشهد ببرود. شاف كاريلا وهي ماشية وسايبة ديمتري تحت المطر، وعرف من لغة جسدها إنها كويسة ملمسهاش خدش. اتنفس الصعداء، مش حباً فيها، بس عشان "الخطة" ماباظتش تماماً. ركب عربيته الفخمة وتاني ثانية كان اختفى من المكان، وكأن شيئاً لم يكن. أمام مقر شركة الغريري ... المطر كان لسه بينزل بغزارة، مبيخلصش، والسما لونها رمادي كئيب. فاي (قلم الرصاص) كانت واقفة قدام الباب الخارجي للشركة، حامية نفسها يدوب تحت السقف الصغير بتاع المدخل. كانت لابسة طقمها الرمادي المعتاد، واقفة بجمود وهي بتبص للمطر ومستنية "رحمة ربنا" إنه يخف شوية عشان تجري تلحق الأتوبيس وتروح بيتها. وفجأة، قطع حبل أفكارها صوت ناعم فيه نبرة تسلية ورفاهية "على فكرة.. المطر ده مش ناوي يقف النهاردة، وشكله مطول معانا." لفت وشها لقت كاسبار. كان واقف بكامل أناقته وشياكته، شعره متسرح بالمللي، وماسك في إيده مظلة (شمسية) سوداء فخمة. فاي ماردتش عليه، اكتفت بنظرة سريعة ورجعت بصت قدامها ببرود . كاسبار فضل واقف جنبها يراقب المطر بابتسامته اللي مش بتفارق وشه، لغاية ما عربية سوداء فخمة فرملت قدامهم. فاي افتكرت إنه خلاص هيركب ويمشي فبصتش نحوه. لكنها اتفاجئت بيه بيمد إيده ناحيتها بحاجة. بصت لقت "المظلة" بتاعته قدام وشها. رفعت عينيها وبصت له بدهشة واستغراب، فكاسبار كمل كلامه بلهجة فيها ثقة ومداعبة "خدي المظلة دي معاكي عشان متتبليش.. وبالمقابل، تلبسي حاجة أجمل بكره " فاي فضلت متنحة للحظة، مش عارفة تاخدها ولا ترفض، بس المطر كان فعلاً زاد. مدت إيدها ببطء وبصعوبة أخدت منه المظلة وهي لسه مش مستوعبة هو بيعمل كدة ليه. كاسبار ودعها بحركة من إيده، ونزل تحت المطر بخطوات واثقة لغاية العربية، السواق بتاعه جرى بسرعة وفتح مظلة تانية عشان يحميه لغاية ما ركب، وانطلقت العربية وسابتها وراها. فاي فضلت واقفة مكانها، بتبص للمظلة الفخمة اللي في إيدها، وبتبص لآثار العربية اللي اختفت بصمت قبل ماتفتحها وتمشي .. _____ الشقة كانت غرقانة في صمت تقيل ومؤلم، مبيقطعهوش غير صوت المطر اللي بيخبط في الشباك. كاريلا غيرت هدومها المبلولة ولبست فستان شتوي واسع من بتوع مامتها، ونشفت شعرها نص تنشيفة كدة، وبدأت تساعد حياة في لم الفوضى اللي حصلت. الإتنين كانوا بيتحركوا زي "الإنسان الآلي"، طاقتهم خلصت تماماً.. مكنش لسه فات ربع ساعة على صوت الرصاص اللي كان بيخرم حيطان الشقة دي. لموا الطماطم المهروسة، ومسحوا آثار الجزمة اللي كانت مالية الأرض، وحياة أخدت اللي اتبقى سليم من الأكياس وقررت تعمل أي لقمة خفيفة تسند قلبهم. كاريلا كانت واقفة بتبص لمامتها وهي بتقطع العيش، وفجأة قالت بنبرة قوية "ماما.. أنا مش هسكت على اللي حصل ده. أنا هروح لبابا وهحكيله كل حاجة عملها ديمتري النهاردة.. هعرفه إن حياتك كانت هتضيع بسببهم." حياة وقفت إيدها عن الشغل وبصتلها، فكاريلا كملت بلهفة "وعشان خاطري يا ماما.. لازم تمشي من الشقة دي، ولازم تمشي من جنيف كلها. أنا كنت فرحانة إنك جنبي، بس دلوقت أنا مرعوبة عليكي.. أنا ممكن اتحمي في القصر، لكن إنتي مين هيحميكي هنا من جنانهم؟" حياة سابت السكينة من إيدها، وبصت لكاريلا بنظرة حازمة ورفض قاطع "مش همشي يا كاريلا.. جنيف مش ملك لحد، وأنا مش هسيب بنتي تاني وأهرب لمجرد إن شوية بلطجية دخلوا بيتي وبعدين انا اكثر واحدة عارفة جنانهم ده !" كاريلا لسه هتعترض، حياة رفعت إيدها وقطعت كلامها وقالت بلهجة مصرية أصيلة فيها عزة نفس ومرارة "واسمعي يا كاريلا.. إياكي، إياكي تفتحي بوقك بكلمة واحدة لفؤاد عن اللي حصل هنا. فاهمة؟" كاريلا استغربت وقالت باندفاع "ليه يا ماما؟ ده بابا لازم يعرف ديمتري بيعمل إيه من وراه!" حياة قربت منها، مسكت إيديها وضغطت عليهم وقالت بصوت واطي بس مرعب "لو قلتي لفؤاد، كأنك بتطلبي منه 'يشفق' عليا.. وأنا مش عايزة شفقة من حد، ولا عايزة حماية من حد بالاسم ده. فؤاد الغريري لو عرف، هيبعت حرس يوقفوا قدام بابي، وهيبعت فلوس تترمى في حجري، وهيبدأ يتحكم في طلوعي ونزولي بحجة 'حمايتي'.. وأنا مش هسمحله يملك حياتي تاني يا كاريلا. اللي حصل ده كان درس ليا وإني لازم أكون أقوى، مش أروح أعيط تحت رجلين الغريري عشان ينجدوني." كملت حياة وهي بتبص في عيون بنتها "ديمتري صفّى الحساب اللي بينه وبين الراجل ده ومشي.. وانتهينا. لو اتكلمتي، إنتي بتفتحي على نفسك وعليا أبواب جحيم إحنا مش قدها دلوقت. سيبي فؤاد فاكر إن كل حاجة تمام، وسيبي ديمتري يفتكر إنه خوفني.. المهم إنك قدام عيني، وده عندي بالدنيا كلها." كاريلا سكتت، وفي النهاية كان عليها تقسم ...أنه هي مش هتحكي لحد اللي حصل