حين يبدأ الصمت
لم يكن الوجع صاخبًا، لم يطرق بابها بعنف، بل تسلّل إليها في هدوءٍ مخيف. جاءها على هيئة صمتٍ طويل، صمتٍ لا يُجادل ولا يشرح، لكنه يترك القلب معلّقًا بين سؤالٍ لا جواب له وانتظارٍ يتآكل ببطء.
كانت تجلس بين الناس وتضحك، تومئ برأسها، تشاركهم الحديث، بينما شيءٌ ما في داخلها ينكسر بصمت. تعلّمت منذ وقتٍ مبكر أن لا تُظهر ضعفها، وأن تُخفي ارتجاف روحها خلف ثباتٍ مصطنع. كانت تقول لنفسها: "تماسكي، ليس كل ما يؤلم يُقال".
في الليالي الهادئة، حين ينام كل شيء، كانت تستيقظ الأسئلة. لماذا تغيّر؟ ولماذا يُطفئ الغياب كل هذا الضوء؟ حاولت إقناع قلبها أن الصمت قد يكون عذرًا، وأن الغياب قد لا يكون خذلانًا، لكنها كانت تعرف في أعماقها أن بعض الصمت انسحاب، وبعض الغياب اختيار.
وقفت ذات مرة أمام المرآة، تأمّلت ملامحها طويلاً، وقالت بصوتٍ خافت: "أنا لم أطلب الكثير… فقط وضوحًا لا يجرح". أدركت حينها أن القلب حين يُحب بصدق، يُرهق نفسه في التماس الأعذار للآخرين.
رفعت رأسها إلى السماء في لحظة ضعف صادقة، لم تبكِ، بل شعرت بثقلٍ في صدرها. همست: "يا رب، إن كان هذا الطريق يؤذيني فاصرفني عنه، وإن كان فيه خير فقوّني عليه". شعرت بعدها بسكينةٍ خفيفة، كأن الدعاء كان أول خيط نور في عتمة الصمت.
لم تكن تعلم أن هذا الصمت، الذي حسبته عابرًا، سيكون بداية الجرح… وبداية وعيٍ جديد