اللقاء المر - الفصل التاسع والاخير - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: اللقاء المر
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل التاسع والاخير

الفصل التاسع والاخير

توقف سالم حينما لم تعد تفصله إلاّ خطوات معدودة عن البيت. أخرج مشطا من جيبه وأخذ يصفف شعره، ويرتب هندامه. ثم طرق على الباب ووقف منتظرا. كان يحاول جاهدا إخفاء ارتباكه. اعترت رحيل الدهشة حين رأت سالما يقف أمامها. عانقته وأجهشت بالبكاء، ثم ابتدرته بصوت يمتزج فيه الحنان بالعتاب قائلة: الحمد لله على سلامتك يا بنيّ! أشارت إلى داخل البيت قائلة: تفضل. ادخل! وقف مشدوها يحدث نفسه في وجوم بيد أن المفاجأة كانت فوق تصوره: "يا للهول!! ويا للمصيبة!! ماذا يصنع هذا الرجل هنا في بيتنا؟. ما الذي يجري يا الله؟! أفي حلم أنا أم في علم.. لم أعد أفهم شيئا". ثم طفق يحملق في وجهه فاغرا فاه.. صامتا، وقد عقدت المفاجأة لسانه. لم يستطع أن ينبس ببنت شفة كأن الذئب قد أكل لسانه، إذ لم يخطر بباله البتة.. ولم يدر في خلده لحظة أن يجد هذا الرجل في بيتهم. أطرق صابر برأسه وقد استبد به الغضب حين رأى ابنه يقف أمامه يحملق في وجهه ببلاهة. لم يعره انتباها.. ولم يكترث لقدومه. وضع سالم الحقيبة التي لا تزال بيده أرضا ببطء ثم رمى بنفسه على الكرسي الذي كان خلفه ووضع يده على جبهته كي يخفف من الصداع الذي ألمْ به ... خرقت رحيل الصمت الحزين قائلة والدموع تسيل من مقلتيها: أصحيح أنك تزوجت يا سالم؟! أهذا جزائي؟ تتزوج دون علمي!! لم يعرها سالم انتباها ولم يجبها عن تساؤلاتها ورفع رأسه رويدا رويدا ثم جعل ينعم النظر في وجه والده مشدوها، والحيرة تعصف بقلبه. أردفت رحيل قائلة: ماذا تنتظر يا سالم؟ لماذا تنظر لأبيك هكذا كالأبله؟! هيا قم وقبل رأسه واعتذر مما بدر منك! أفاق سالم من صدمته ونفض رأسه بشدة ليعيد برمجته وقال مستنكرا: أبي؟! أبي؟.. ماذا تقولين يا أماه؟ ألم يمت أبي منذ زمن بعيد؟! أنسيت أنك من قال لي ذلك؟!. قالت له وهي تغالب عبرتها: إنها الحقيقة يا بني! إنه أبوك. وضع سالم يده على رأسه ثم صاح وهو يغالب عبرته: لم أعد أفهم شيئا! أكاد أجن يا أماه!! كفكفت دموعها وقالت بحزن: نعم، لقد كنت أظن أنه قد توفي. على كل حال، إنه أبوك، والذي تراه في وجهه من تشوهات وحروق إنما كان بسببك. سكت قليلا ثم التفت إلى أبيه وأخذ يحدق إليه النظر في ذهول. ثم ما لبث أن تذكر كيف شتمه ودفعه بعنف أمام الملأ وعلى رؤوس الاشهاد. تدارك سالم نفسه وقال متسائلا بنبرة حزينة: بسببي أنا!! وما علاقتي بالأمر! هيا اطلب منه الصفح، ومن ثمّ سأقص عليك خبره. أودّ أن أعرف الحقيقة أولا.. أريد أن أسمع القصة. لم أعد أحتمل أكثر.. ولم أعد أفهم شيئا، كأنني أصبت بالجنون. لا قام صابر من مكانه ودخل غرفته حزينا كئيبا حين راحت رحيل في سرد القصة: "منذ ربع قرن من الزمان تقريبا شبّ حريق هائل في بيتكم جراء سقوط قذيفة صاروخية عليه أطلقتها قوات الهالك، حافظ الأسد، عام 1982 في هجومه الشرس على مدينة حماة. هرع أبوك الذي كان خارج البيت حين رأى النار تلتهمه ورمى بنفسه في أتونها دون تردد، واقتحم سعيرها دون تأخير بغية إنقاذكم. ولكن قدّر الله أن يجد أمك وأختك قد فارقتا الحياة حرقا... قاطعها وهو يغالب عبرته مذهولا: ماذا؟ ماذا تقولين؟! وأنتِ أيضا لستِ أمي!! يا إلهي! إنها الحقيقة يا بُني!.. لقد توفيت والدتك رحمها الله، ولكنني أنا عمتك وأمك في آن واحد فقد أرضعتك من لبني كما أرضعتك حنانا وعطفا. ولكن.. لماذا أخفيتِ عليّ الحقيقة طوال هذه المدة. لم أشأ أن أشوش فكرك وأجعلك تعيش رهين الماضي بأحزانه ومآسيه فقد ظننته قد مضى وانتهى... ثم سكتت برهة وأردفت قائلة: ".... على كل حال، كادت النار تلتهمك في تلك الأثناء لولا أنه اقتحمها ليخرجك منها غير مبال بالعواقب. لقد ضحى المسكين بحياته لتحيا.. وأحرق وجهه ليظل وجهك نضرا.. واغتال مستقبله من أجل مستقبلك.. وأسرع إليك حين سمعك تبكي في الوقت الذي كانت النار تحيط بك من كل جانب كإحاطة السوار بالمعصم. لم يتردد في اقتحامها، ولم يبال بلهيبها وحرّها.. ولم يكترث بالنار التي شبّت في ثيابه إذ لم يكن يفكر في شيء حينها إلا في إنقاذك من براثن السعير. اغرورقت عينا سالم بالدمع ولحق بأبيه ودخل عليه الغرفة، فوجده جالسا على طرف السرير يضع يده على رأسه. رمى سالم نفسه عليه وطفق يقبل وجهه ويديه، وجلس تحت قدميه وهو يطلب منه العفو والصفح. لم يستطع عندئذ الأب مقاومة عواطفه فقال له بلطف: سامحك الله يا بني! أجهش سالم بالبكاء وجلس إلى جانبه وجعل يقول والعبرة تكاد تخنقه: سامحني يا أبتاه. لقد كنت مجرما في حقك تلك الليلة. لقد ظننتها مؤامرة من محسن وأنه استعان بك لتدمير مستقبلي... ما لبثت أن دخلت عليهما رحيل ووقفت تنظر للمشهد العاطفي ودموعها تترقرق في مآقيها. رنا سالم ببصره إلى أمه ثم استأنف حديثه والأسف يكاد يفتت كبده: ... وللأسف زين لي الشيطان الانتقام منه وقتله.. ولم يتركني حتى طعنته بخنجر في ظهره. شهق صابر شهقة كادت تخرج معها روحه، وصرخ غاضبا: ماذا قتلته؟! قتلت محسنا.. قتلت الوفاء.. قتلت الرجل الطيب. هزّ سالم رأسه وقال والندم يعصف بمهجته. لم أتأكد من وفاته، ولكنني طعنته لأقتله. لم أكن أفكر حينئذ إلا في الانتقام. صكت رحيل وجهها وأجهشت بالبكاء واخذت تقول: إذن سيكون مصيرك السجن، أو الإعدام! يا الله! لا أدري متى ستنتهي المأساة! ثم رفعت يديها إلى السماء وأخذت تبتهل إلى الله وتدعوه أن يجعل له مخرجا من هذه المصيبة. أطرق صابر برأسه برهة ثم رفعه وقال معاتبا إياه بقسوة: أين كان عقلك يا سالم؟ كيف سولت لك نفسك قتله دون جريرة؟ كنت أظن أنه تآمر معك من أجل إفساد حفل زفافي، وتدمير مستقبلي.. خاصة أنه كان ضد زواجي من تلك الفتاة! لأنه كان يريد لك الخير. ثم هب أنه فعل ذلك بأي دافع آخر. ألا تعلم أنه لا يجوز لك بحال من الاحوال إزهاق روح برئية. * * * * * كان الأطباء في تلك الأثناء يسابقون الزمن لإنقاذ حياة محسن. ومن حسن الحظ أن العمليات الجراحية التي أجريت له لوقف نزيف الدم قد نجحت. أخيرا صحا محسن من غيبوبته واستعاد وعيه وخرج من مرحلة الخطر. حاول صابر الاتصال به مرارا إلا أنه في كل مرة كان يجد هاتفه النقال مقفلا. وفي المساء انبسطت أسارير صابر واستبشر خيرا حين سمع هاتف محسن النقال يرن. ردّ محسن بصوت متهدج لا يكاد يسمع: ألو.. من معي؟ صاح صابر فرحا: الحمد لله على سلامتك يا ولدي؟ كيف أنت الآن يا محسن؟ الحمد لله بخير! على كل حال، أرجو أن ترتاح وسأتي لزيارتك في المستشفى في أقرب وقت. فقط أريد أن أعرف في أي مستشفى أنت؟ لا تتعب نفسك يا عمّاه. لقد أبلغني الطبيب أنه في مقدوري مغادرة المستشفى بعد يومين. إذن سأزورك في البيت إن شاء الله. على كل حال، الحمد لله فقد اطمأننت على حالك يا بني! أقفل سماعة الهاتف ثم خرّ صابر ساجدا، ثم رنا إلى سالم ورحيل ببصره وقال مغتبطا: ما أرحمك يا رب!! ما أكرمك يا إلهي! الحمد لله قد نجا.. قد نجا. صاحت رحيل وسالم بصوت واحد: الحمد لله! تنهد صابر بعمق وقال: سأنطلق إليه بعد ثلاثة أيام إلى اسطنبول، وسأقص له الحقيقة وأطلب منه أن يسامحك! قال سالم إذن سأذهب معك يا أبتِ، وأعتذر منه بنفسي. أسقط في يد محسن حين أخبره صابر قصة طعنه، ولم يصدق أن سالما هو الذي فعل ذلك بيد أنه صفح عنه إكراما لوالده الذي جعل يتوسل إليه حتى رق قلبه. ll