الفصل الثامن
عصف الغضب بفوزي، وهو يرى صرح كبريائه يتحطم أمام الملأ. ركبه الحمق وهو يشاهد الضيوف يغادرون الصالة زرافات ووحدانا غاضبين. التفت فوزي إلى سالم وكالَ له الشتائم والسباب، كما اتهمه بالكذب والنّصب بيد أن ذلك على ما يبدو لم يكن كافيا ليروي غليله ويطفيء نار الحقد في قلبه، عندئذ دنا منه ووجّه له صفعة على وجهه على حين غرة ثم جعل يصيح في حالة هستيرية:
ستدفع ثمن ذلك غاليا أيها النذل!
ذهبت تلك الصفعة بلبّ سالم، الذي جمع قبضته.. وزمّ شفتيه غاضبا.. وتهيأ ليسدد له لكمة والغيظ يكاد يمزق فؤاده. حملق سالم في وجهه ملياً قبل أن يكون في مقدوره السيطرة على غضبه، فعدل عن ذلك في آخر لحظة.
قال سالم غاضبا وهو يحبس دموعه:
لولا أنك في سنّ والدي لرددتها عليك.
رد عليه فوزي متهكما:
ولكنك لقيط.. ولا أبّ لك!
عند ذلك اشتعل أوار الغضب في رأس سالم فهجم عليه، إلا أن الحرس مسكوه وأحالوا بينهما.
أخرج سالم في تلك الأثناء مفاتيح السيارة التي كانت بجيبه ورماها نحو فوزي وصاح غاضبا:
خذ مفاتيحك أيها الوغد. وابنتك البلهاء، طالق ثم طالق ثم طالق.
* * * * *
أظلمت الدنيا في عيني سالم، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وهو يغادر الفندق ماشيا على قدميه يجرجر حبال المهانة والخزي. جعل يحدث نفسه والدموع تترقرق في عينيه: "ما أسرع تبدل الأحوال وتقلب الدنيا.. لقد ذهبت إلى صالة الفندق بسيارة فارهة تسبقني طموحاتي وآمالي، وها أنا أعود إلى بيتي ماشيا على الأقدام أجرّ حبال الخيبة والشؤم بعد أن فقدت كلّ شيء في طرفة عين؟!!".
وما إن وصل سالم إلى البيت حتى رمى بجسده المنهك على السرير. نفث الشيطان في روعه على الفور: "كيف يهدأ لك بال.. وينام لك جفن.. قبل أن تثأر لكرامتك من ذلك الوغد.. لقد أعمى الحقد والغيرة قلبه فاستأجر مجرما ليقلب حياتك رأسا على عقب. عليك به. إذ لم يتبق لك شيء تخشى عليه.. لقد دمر ذلك السافل مستقبلك.. وهدّم صرح طموحاتك".
فجأة استوى جالسا على طرف السرير حين انقدحت في ذهنه فكرة الانتقام. أخذ يحدث نفسه والحقد يحدوه: "يجب أن يدفع محسن الثمن باهظا، وألاّ يمر صنيعه هذا دون عقاب.. عليّ أن أنتقم لكبريائي منه. سألقنه درسا قاسيا. لم يعد لدي ما أخاف عليه بعد أن ضاع الأمل.. وتبخر الحلم.. وفقدت كل شيء"... "ليتني أعرف من أين جاء بذلك الوحش وكيف بدرت الفكرة الشيطانية في ذهنه؟!
قام من سريره وذهب إلى المطبخ فأخذ منه سكينا وخرج على جناح السرعة تحدوه نزعة الانتقام بعد أن أعمى الحقد بصيرته. اختبأ سالم خلف شجرة كانت قريبة من بيت محسن متخذا من ظلمة الليل البهيم سترا له. لم يلبث أن عاد محسن إلى بيته بعد أن ودّع صابراً الذي أبى إلا العودة إلى انطاكية. لم يدر بخلد محسن قط أن طائر الموت يحوم فوق رأسه. وما إن وصل إلى بيته حتى أوقف سيارته وترجل منها. فجأة أحس بطعنات غادرة من الخلف تمزق جسده. صرخ صرخة مدوية ووقع على الأرض. أطلق سالم ساقيه للريح ولاذ بالفرار تاركا إياه يتخبط في بركة من الدماء وهو ينازع الموت.
* * * * *
وصل صابر إلى بيت أخته، بمزيد من الأسى والحزن إذ أظلمت عليه الدنيا حيث مزقت إهانة ابنه قلبه، وفقأت دُملة الأحزان في صدره... قرأت رحيل ذلك في وجهه حين رأته. ما لبث أن أمطرته بوابل من الأسئلة:
ما بك؟! ماذا حصل؟ هل التقيت به؟ كيف هو؟ وأين هو الآن؟ ولماذا لم يتصل بنا؟!
لاذ صابر بالصمت ولم يحر جواباً ولم يلقِ لأسئلتها بالاً مما زادها حيرة على حيرتها، فأجهشت بالبكاء ثم قالت بلوعة:
ماذا حصل لسالم يا صابر؟ هل حصل له مكروه؟ أرجوك! أجبني.
هزّ صابر رأسه بأسى وقال:
ليتني لم أره يا رحيل! ليتني لم ألتقه.. يا ليتني متُّ قبل هذا اليوم!
أريد أن أعرف: هل هو بخير أم ماذا؟! لقد أشعلت نار الخوف في صدري.
تنهّـد صابر بعمق ثم قال متحسرا:
لقد اغتال ذلك الولد النزق الأمل في صدري.
والله، لقد حيرتني يا أخي، حتى أنني لم أعد قادرة على التحمل أكثر. أرجوك قل لي: ما الأمر؟
استأنف كلامه والعبرة تكاد تخنقه قائلا:
... لقد أهانني أمام الناس في حفل زفافه الذي عشت على أمل أن أحضره...
صكت وجهها وقاطعته قائلة:
ماذا تقول يا صابر؟ حفل زفافه! أتقصد نأنأأنّ سالماً قد تزوج؟ أمتأكد أنت؟!
هزّ رأسه وقال بأسى:
نعم!
ثم راح يحكي لها ما جرى معه في قاعة الفندق بحسرة ولوعة... لم تصدق رحيل قول صابر، أو ربما لم ترد أن تصدقه إذ أنها غرقت في حالة إنكار شديدة وهي تحدث نفسها: "مسكين أخي يبدو أن حبّه لابنه أصابه بالجنون وجعله يتوهم".
رنت ببصرها إلى زوجها الذي كان يراقب الموقف العاطفي عن كثب وغمزته ثم التفتت لأخيها وقالت له بشفقة:
على كل حال، يبدو أنك بحاجة للراحة يا أخي!
لست متعبا جسديا.
ثم سكت هنيهة واستأنف حديثه والعبرة تكاد تخنقه:
... تصورا، أنه لم يكتفِ بطردي أمام الناس بل تعمد إهانتي حتى بعدما أخبرته بأنني أبوه... لقد دفعني بقوة، عندما أردت أن أضمَّه إلى صدري، فوقعت على الأرض!!
قالت رحيل لتخفف من حزنه:
لا بد أن يكون ثمة خطأ ما يا صابر. فأنا أعرفه جيدا، وقد ربيته على حسن الخلق. ولا أظن أنه يقدم على فعل ذلك بحال من الأحوال.. ولا يمكن أن يتزوج دون علمي!!
إنها الحقيقة يا رحيل. صدقيني، هذا ما وقع لي معه.
أفاقت رحيل عندئذ من حالة الانكار التي تلبستها وأجهشت بالبكاء وهي تقول:
سامحك الله يا سالم.. أتتزوج دون علمي؟؟ أهذا جزاء سهري عليك وتربيتي لك؟
ثم نظرت إلى أخيها وأردفت قائلة والدموع تسيل على خديها:
... لقد حرمني من أجمل أمنية في حياتي. لقد كنت أنتظر هذا اليوم بفارغ الصبر.
ثم قامت من مكانها ودخلت غرفتها كي تطلق العنان لنفسها لتبكي وقد غرقت في بحر أحزانها.
نظر صابر إلى سعيد وقال:
هبْ أنني كنت كاذبا أو مجنونا كما دعاني أمام الناس يا سعيد! ألم يكن من باب أولى أن يشفق عليَّ ويرحم سني.. وضعف قوتي. ثم لنقل أنه لم يعرفني، أو أنه أنكر منظري.. وضايقه قبحي ودمامتي.. وأنني لست أباه.. أكان له مبرر أن يتصرف معي بتلك الوحشية، وتلك القسوة؟!
قال سعيد بلطف ليهوِّن من حزنه:
هوّن عليك يا صابر! كما تعلم أن سالما قليل الخبرة بالحياة، وربما لم يستوعب الأمر وكانت مفاجأة له أن يأتيه رجل بهيئتك ويخبره أمام الناس في ليلة زفافه أنه أبوه، الذي ليس لديه شك أنه قد توفي من زمن بعيد...
ثم سكت سعيد برهة وأردف قائلا:
على كل حال دعنا ننتظر وسنعلم الحقيقة. إنني على يقين أنه سيأتي إليك معتذرا حين تنقشع عن عينيه الغشاوة.
* * * * *
عاد سالم إلى شقته بعد أن نفذ جريمته خائفا يترقب. استلقى على كرسي الصالون وهو يلهث ثم لم يلبث أن هاجمته الهواجس والظنون من كل جانب. أخذ يحدث نفسه: "أخيرا أخذت بثأري وانتصرت لكرامتي من ذلك الوغد. وعليّ أن أشفي غليلي في المرة القادمة من ذلك الرجل القبيح، الذي ادّعى بكل وقاحة بأنه أبي وأحرجني أمام الناس. على كل حال، ليس من الصعب العثور عليه، فصورته القبيحة لا تخطئها العين أبدا".
وما إن لاح الصبح حتى اتّصل بلطفي ليجسّ النبض، ويتحسس الأخبار. بادره لطفي قائلا بلوعة:
لقد ساءني ما حصل البارحة في الحفل يا سالم، لأول مرة أراك فيها غاضبا إلى هذا الحد.
لو كنت مكاني فكيف ستتصرف؟ ولكن ما لم أستطع فهمه هو لمَ فعل محسن ذلك معي؟؟ وكيف خطرت عليه تلك الفكرة الخبيثة؟ وأين عثر على ذلك الشيطان؟!
ألم تسمع ماذا حصل له؟
وما الذي سيحصل لذلك الوغد؟
لقد تعرض إلى هجوم عنيف البارحة بعد عودته إلى البيت.
قال في ارتباك:
ماذا؟؟ ومن الذي هاجمه؟
الله أعلم! ولكن يبدو أن الذي طعنه كان يريد أن يجهز عليه.
وهل ألقت الشرطة القبض على الجاني؟ وأين هو الآن؟
إنه يرقد في غرفة العناية الفائقة، وهو بين الحياة والموت، وربما يفارق الحياة في أية لحظة! فحالته في منتهى الخطورة.
ثم تنهد لطفي بعمق وقال:
المشكلة أنه إذا ما فارق الحياة ستكثف الشرطة من البحث عن الجاني، وربما يحققوا معنا، خاصة أنت جراء ما وقع بينكما في ليلـ...
قاطعه سالم مرتبكا لينهي المكالمة قائلا:
يبدو أنه لدي اتصال آخر يا لطفي. سأتصل بك لاحقا. مع السلامة!
أقفل سالم سماعة هاتفه، ثم أسند ظهره إلى الحائط. سرعان ما تزاحمت الأفكار في ذهنه.. تذكر أمه وأسرته، وصحا من سكرته وأخذ يتخيل نفسه في زنزانة السجن ينتظر تنفيذ حكم الإعدام في حقه.عندئذ قرر العودة إلى انطاكية كي يبقى بعيدا عن مسرح الجريمة، ريثما تهدأ الأوضاع وتتوقف الشرطة عن البحث، ثم لم يعد لديه ما يفعله في اسطنبول بعد أن خسر فيها كل شيء...
لم يلبث أن حزم حقيبة ملابسه على عجل وتوجه إلى محطة الحافلات...
انقلب عائدا إلى انطاكية يجرجر حبال الأسى والحزن وراءه، والخوف يكاد يقتله، واليأس يغمر قلبه. تنفس الصعداء وسكن خوفه قليلا حين تحركت الحافلة وطفقت تتهادى بين السهول والوديان والجبال. كان سالم طوال الطريق شارد الذهن، مشغول الفكر، هائم الخيال، يفكر في مآلات فعلته والعواقب التي قد تترتب عنها إذا ما اكتشف أمره وأمسكت به الشرطة. جعل يفكر في مبرر مقنع يردّ به على تساؤلات أمه وأسرته التي لا شك بأنها ستتفأجا بعودته المباغثة؟
وما إن لاحت علامات المدينة حتى جعل يحدث نفسه: "ما أسرع هذه الرحلة". كان يودّ أن لا تنتهي تلك الرحلة أبدا. وكان كلما يدنو خطوة من بيبته يزداد معدل دقات قلبه خفقانا...
أخيرا توقفت الحافلة ووصلت إلى وجهتها وأخذ الرّكاب ينزلون منها الواحد تلو الآخر. عند ذلك تناول حقيبته ونزل من الحافلة متثاقلا. أخذ يسير نحو البيت الذي لم يكن بعيدا عن المحطة.
l