الفصل السادس
كرّت سبحة الأيام.. ومضت السنون تباعاً يطوي بعضها بعضا.. وانقضت مدة العقوبة بحلوها ومرّها.. وعجرها وبجرها.. وأحزانها وآلامها.. فدوام الحال من المحال. عندئذ خرج صابر من وراء القضبان.. وغادر السجن بعد أن استعاد حريته التي فقدها منذ ما يقارب ربع قرن من الزمان أمضاها في غياهب السجن ظلما. أقام له زملاؤه حفل وداع. ولدى خروجه وعده رضا آغا بأن يعمل على براءته بكل ما في وسعه بعد أن وافقت المحكمة على فتح ملف القضية من جديد وإعادة النظر في الحكم بعد الالتماس الذي تقدّم به صابر...
يممّ صابر وجهه نحو انطاكية ليستأنف رحلة البحث عن ابنه لكون بها عدد كبير من المهاجرين السوريين. تزاحمت الخواطر والأفكار في خياله فيما كان يسير في شوارع انطاكية. جعل يتصفح الوجوه وينظر إلى المارة، علّه يلتقي بأحد يعرفه، مما أثار سخط بعض الناس وفزعهم. توقف عند مطعم شعبي صغير يبيع سندويشات وأكلات خفيفة حين عضه الجوع بنابه وأضناه التعب. ولج المطعم لشراء "سندويشة" ليسكت بها جوعه.
طلب صابر من صاحب المطعم "سندويشة" الفلافل يا أخي؟
بيد أنه جعل يُحملق في وجهه مشدوها.. فاغرا فاه. كانت علامات التعجب بادية على محياه مما بعث بالفزع في صدر الرجل، فسأله بحدة مرتبكا:
ماذا تريد؟ سندويشة!
ردّ صابر بصوت متلجلج:
كأني أعرفك يا أخي؟ فملامحك ليست غريبة عني!
ثم سكت برهة وجعل يقارن بين ملامح الرجل الذي أمامه بصورة صهره، ثم قال متسائلا:
أأنت سوري؟
نعم!
إذن أنت سعيد، إليس كذلك؟!
أوجس الرجل في نفسه خيفة، وهزّ رأسه وأجابه بدهشة:
بلى! ولكن من أنت؟
صاح صابر:
ألم تعرفني يا سعيد؟ أنا صابر!
استبدّ عندئذ الذهول بسعيد، واعتراه الأسى غير أنه تمالك نفسه وعاد به تفكيره إلى الماضي البعيد فصاح مندهشا:
صابر! وما الذي فعل بك هذا؟
ذلك الحريق اللعين.
الحمد لله على سلامتك يا صابر!! لقد ظننا أنك قضيت نحبك فيه.
تنهد صابر بعمق وقال:
كيف هي أختي رحيل؟ وكيف هو ابني سالم؟
الحمد لله كلنا بخير.
أردف صابر بلهفة:
أين ابني؟ أريد أن أراه؟ إنني مشتاق إليه.
إنه في اسطنبول. لقد صار رجلا، ونجح في دراسته، وهو يعمل في إحدى الشركات الكبرى الآن.
الحمد لله على كل حال، وبارك الله فيك على رعايته والعناية به.
ثم تنهد بعمق وأردف قائلا:
لو كنت أعرف أنه في اسطنبول لبحثت عنه هناك قبل أن آتي إلى هنا.
لا عليك يا صابر! سنتصل به بالهاتف من البيت وستكلمه وتسمع صوته أولا ومن ثم سنطلب منه أن يأتي إلينا ليراك. على كل حال ستكون مفاجأة سارة لرحيل أن تعرف أنك لا تزال على قيد الحياة، فقد كثيرا على فراق ولم يغادر الحزن فؤادها عليك.
زفّ سعيد النبأ إلى زوجته بالهاتف على الفور. نزل الخبر عليها كالماء البارد وتلقته بدهشة حتى كادت أن تفقد عقلها من شدة الفرح وهي تسمع أنّ أخاها عاد من وراء المجهول وهو في طريقه إليها...
* * * * *
كان سالم في تلك الأثناء مستغرقا في التحضير لحفل الزفاف، ومنشغلا بشراء احتياجاته بعد أن منحه فوزي مبلغا كبيرا من المال كي يظهر متأنقا وبمظهر يليق بمستواه.
تردد سالم قبل أن يقرر الاتصال بحسن ليعرب له عن اعتذاره عمّا بدر منه، وليؤكد على دعوته.
ردّ محسن متجهما:
عموما شكرا على الاتصال، ولكن لا أزال مصرا على أن هذا الزواج ليس في مصلحتك. أرجوك يا سالم، اصح من حلمك واخرج من حالة الوهم التي أنت فيها قبل فوات الأوان.
ليس لدي وقت لأضيعه في المهاترات. أريد أن أعرف: تريد أن تحضر أم لا؟
بالطبع لا!
استبد بسالم الغضب حينئذ، فأغلق السماعة في وجهه، ثم أقفل هاتفه كي لا يتلقى أي اتصال أو أية مكالمة، ثم ألقى نفسه على سريره...
* * * * *
اعترى رحيل الذهول ودارت بها الدنيا حين رآت أخاها أمامها بتلك الحالة البائسة وذلك المنظر المرعب. سافرت فجأة بفكرها عبر الماضي لتستدعي صورته حين كان شابا وسيما ثم طفقت تقارن تلك الصورة بصورة الوحش الذي يقف أمامها. شتان بين الصورتين، عندئذ لم تتمالك نفسها فأجهشت بالبكاء. جعلت تتلمس آثار الحروق وتمسح وجهه بأناملها. اغتالت تلك التشوهات فرحتها.. وسحبت منها رونق اللقاء.. ونكّدت عليها رؤيته. سرعان ما تداركت رحيل نفسها.. ولملمت شعث قواها.. وكفكفت دموعها وجلست إلى جانبه تحدثه وتستمع إلى قصته المأسوية بكل جوارحها.
ثم قالت له بصوت حزين:
الحمد لله على سلامتك! لا أكاد أصدق نفسي بأن الله أعاد لي أخي بعد هذه المدة الطويلة. لقد فقدنا الأمل في حياتك.
هزّ صابر رأسه وقال بأسى:
إنها تجربة مريرة.. وقصة قاسية!
ثم التفت إلى سعيد وأردف قائلا:
أرجوك اتصل بسالم، فإنني في شغف لسماع صوته.
حاول سعيد الاتصال به مرارا ولكن دون جدوى...
قطب سعيد جبينه وهزّ رأسه وقال:
للأسف لا يوجد ردّ، يبدو أن هاتفه النقال مقفل.
إذن عليّ أن أذهب إليه بنفسي، إذ لن يهدأ لي بال حتى أراه. إن صورته وهو يبكي والنار تحيط به وتزحف نحوه لم تفارق خيالي لحظة إذ أنها آخر صورة التقطتها عدسة عيني...
اغرورقت عينا رحيل بالدموع، ثم قالت مواسية:
لا تشغل بالك عليه يا صابر، أعتقد بأنه سيتصل بنا في أية لحظة وبذلك ستكون له مفاجأة كبرى.
لن انتظر حتى يتصل. سأذهب إلى اسطنبول لأبحث عنه.
عليك أن ترتاح قليلا، فتبدو مرهقا، وكما تعلم أن المسافة بعيدة.
سكت صابر برهة ثم هزّ رأسه ورنا ببصره إلى سعيد، الذي كان يتابع اللقاء العاطفي عن كثب دون أن ينبس ببنت شفة، ثم قال له:
أرجوك دُلّـني على أيّ شيءٍ يقودني إليه: عنوانه، رقم هاتفه، مكان عمله، فلن يقرّ لي قرار قبل رؤيته.
ثم سكت برهة وأردف قائلا:
سأنطلق إلى اسطنبول في أول حافلة.
حاول سعيد الاتصال بسالم المرة بعد الأخرى، وأعاد الكرة تلو الكرة... ولكن دون جدوى إذ كان هاتفه مقفلا.
نظر سعيد إلى صابر وقال بأسى:
على كل حال، ما دمت مصرّا على الذهاب إليه، خذ معك رقم الهاتف هذا فهو لأحد أصدقائه، وهو شاب وديع اسمه محسن، ففي حالة لم يرد سالم عليك ربما يكون في مقدور محسن مساعدتك للوصول إليه.
ثم سكت سعيد قليلا وقال مترددا:
بصراحة، لا أخفيك يا صابر، بأنه من الأفضل أن تتريث قليلا وتنتظر حتى أتصل به وأخبره بالأمر حتى لا تكون له صدمة عنيفة حين يراك بهذه الصورة.
أتقصد آثار الحروق التي بوجهي؟
هزّ سعيد رأسه موافقا ثم لاذ بالصمت.
* * * * *
لم ينم سالم تلك الليلة التي طالت عليه حتى ظن أنها لن تنجلي. كانت الهواجس والأفكار تتمارى في ذهنه. وما إن تنفس الصبح ولاح ضؤوه حتى خرج سالم ليكمل شراء بعض المستلزمات وكان برفقته أحد أصدقائه. التفت إليه فجأة وقال له متجهما:
لا أدري كيف سيمر هذا اليوم. أحس بشعور غريب ينتابني يا لطفي!
هذا أمر طبيعي كل واحد منا يمرّ بهذا الشعور. المهم أنك جاهز للحفل.
لم يبق إلا بعض الأمور البسيطة التي عليّ انجازها قبل التوجه للصالة لاستقبال الضيوف.
ثم سكت سالم برهة وقال:
لا أكاد أصدق ما يحدث. كأنني في حلم فالأمور تسير بسرعة رهيبة يا صديقي.
وما الداعي لكل هذه العجلة؟ وكما يقول المثل: في التأني السلامة!
زمّ سالم شفتيه وقال بمضض:
إنه طلب أم العروس يا لطفي! فهي التي تسير الأمور.
سكت لطفي برهة ثم قال:
وماذا عن أسرتك هل دعوتها للحضور يا سالم؟
ارتبك سالم وأجاب بابتسمامة متكلفة:
أنتم أسرتي هنا.
قصدت من أقاربك.. أمك.. أهلك.. إخوتك.
لا أحد! كان بودِّي أن تحضر والدتي على الأقل ولكن للأسف ظروفها الصحية لا تسمح بذلك، كما أن زوجها لا يستطيع أن يترك عمله، ولكن عقدت العزم على التوجه إلى انطاكية مع عروسي كي نقيم حفلا متواضعا للوالدة في حيّنا.
ثم سكت سالم برهة وقال باستياء:
لقد اتصلت بمحسن البارحة واعتذرت له وكررت له الدعوة غير أنه رفض الحضور بطريقة فجة.
دعك منه ولا تجعل شيئا يعكر عليك صفو فرحتك!
* * * * *
لم يجد صابر بدًّا من الاتصال بمحسن، بعد أن باءت كل محاولاته للوصول لابنه بالفشل، علّه يكون في مقدوره مساعدته في الوصول إليه والالتقاء به. سُقط في يد محسن وكاد يسقط الهاتف من يده حين اتصل به صابر وأبلغه بأنه والد سالم وقد جاء من انطاكية لرؤيته.
استدرك محسن أمره وتمالك نفسه وردّ قائلا:
أتقصد سالم الـحـ...
قاطعه صابر في لهفة قائلا:
نعم يا بني! سالم الحموي. أرجوك ساعدني في الوصول إليه. لقد حاولت الاتصال به على هاتفه النقال ولكنه للأسف لم يردّ علي.
ردّ عليه محسن مرتبكا وبصوت متلجلج:
ولكن.. ولكن... لقد أخبرني أنّ أباه قد توفي منذ زمن بعيد. أيكون قد كذب علي أو أن في الأمر خطأ؟
ثمة خطأ في الأمر يا بني. هلاّ تكرمت يا بني، وأخبرتني أين أجده، وكيف أصل إليه؟
دارت بمحسن الدنيا، وتحيّر في أمره، لعلمه أن الأموات لا يعودون للدنيا ثانية! غير أن فضوله قاده إلى معرفة الحقيقة بالإضافة إلى أنّه رقّ لحال الرجل الذي كانت نبرة صوته توحي إلى أنه في حاجة ملحة للمساعدة. فقال له:
على كل حال، حدّد لي مكانك وسأكون معك في أقرب وقت ممكن لأفهم منك القصة.
انطلق محسن إليه في الحال. دخل المقهى الذي كان صابر ينتظره فيه وأخذ يتصفح وجوه الجالسين. فجأة قام صابر من على كرسيه ودنا منه وسأله بلطف:
أأنت محسن؟
أوجس محسن في نفسه خيفة وأعتراه الفزع، بيد أنه تمالك نفسه وأجاب متلعثما:
نعم أنا محسن!
قال صابر بلطف.
أنا أبو سالم.. أنا صابر الحموي يا بنيّ.
جلس محسن واجما وعلامات الارتباك بادية على قسمات وجهه والحيرة تعصف بفؤاده. قطع صابر عليه تفكيره قائلا بصوت حزين:
معذرة يا بني على الإزعاج. لعلني قد ضايقتك، ولكن للأسف، لم أجد طريقا آخر للوصول إلى ابني غير طريقك فقد أخبرني سعيد بأنك صديقه.
أجابه مرتبكا:
لا.. لا أبدا يا عمّاه، ليس ثمة إزعاج. ولكن لا أخفيك أنك صدمتني.
أطرق صابر برأسه قليلا ثم رفعه وقال بأسى:
لم أر سالما منذ أن كان رضيعا. لقد مرّ ربع قرن على ذلك.
ثم هزّ رأسه وقال والعبرة تكاد تخنقه:
إنها مدة طويلة أليس كذلك يا بني؟!
بلى يا عمّاه. ولكن لماذا؟؟ وما هو السبب؟
سكت صابر برهة ثم قال بلوعة:
كان ذلك قدر الله ومراده؟
ثم راح يحكي له قصته. انتاب محسنا الحزن. ولاذ بالصمت برهة ثم أردف قائلا:
للأسف هذه المعلومات مغايرة تماما لمَا أعرفه عنك إذ أخبرني سالم بأنك قضيت نحبك في حادث عندما كان رضيعا.
ثم وضع محسن يده على رأسه واستأنف حديثه بارتباك:
لا أخفيك.. أنني في حيرة من أمري يا عمّ.
لا ألومك يا بني، كما أنني لا ألوم سالما فهو أيضا لا يعرف الحقيقة. لقد انقطعت أخباري عن أسرتي بعد الحادث منذ ربع قرن مضى تقريبا، ولذلك ظنّ أفرادها بأنني فارقت الحياة في الحريق الذي اندلع في بيتي. ولكن شاء الله أن أنجو.
ثم أشار إلى وجهه وقال بلوعة:
انظر هذه آثار ذلك الحريق اللعين لا تزال شاهدة على حجم المأساة.
ولكن أين كنت طيلة هذه المدة؟
هذه قصة حزينة أخرى لا يتسع المجال لسردها يا بني، ولكن لا بأس أن أرويها لك في وقت لاحق. أرجوك ساعدني للوصول إليه إذ لم يعد يهمني شيء الآن إلا رؤيته.
يؤسفني أن أقول لك إنك جئت في وقت غير مناسب يا عمّاه.
ماذا تقصد بذلك يا محسن؟ أثمة ما يمنع أن أراه اليوم؟.. أرجوك أخبرني! هل هو بخير؟
لا تقلق يا عمّاه، إنه بخير، ولكن .. ولكن...
ولكن ماذا يا بني؟ أثمةَ ما تخفيه عني؟ هل حصل له مكروه.. لا قدّر الله؟!
لا أبدا.. ولكن الليلة هي ليلة زفافه على ابنة أحد أثرياء المدينة في أحد فنادق المدينة الفارهة. ولربما إذ علم بأنك لا تزال على قيد الحياة، ويراك بهذه الحالة ستكون له صدمة عنيفة.
قام صابر من مكانه وصرخ بأعلى صوته:
الله أكبر! يا للقدر!!.. ليلة زفافه!! أرجوك يا بني، خذني إليه.. فلطالما دعوت الله أن ييسر لي في حضور فرحه، وأن يهيئ لي الظروف لأزفه بنفسي.
ثم سكت برهة وأردف قائلا:
ألا ترى أن الله استجاب لدعائي.
لاذ محسن بالصمت ولم يجبه. استأنف حديثه متسائلا بعد أن أفاق من صدمته:
ولكن لماذا لم يدعُ أحدا من أسرته؟
ردّ محسن مستنكرا:
هذا ما لم أستطع فهمه يا عم!
تنهد محسن بعمق وأردف قائلا:
ما رأيك يا عمّ، أن تبقى معي الليلة وغدا سنحاول الاتصال به مرة أخى وأعدك أن نذهب إليه في بيته إذا لم نسمع صوته.
لا يا بنيّ، لم يعد في مقدوري الانتظار.. أظن أن كأس الصبر قد نفد في قلبي، أرجوك يا بني، دلني على مكانه!
l