اللقاء المر - الفصل الخامس - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: اللقاء المر
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الخامس

الفصل الخامس

بينما كان سالم يفكر في الطريقة المثلى التي يعتذر بها عن الزواج من دلال دون أن يجرح شعور والدها أو يثير غضبه إذ أنها على ما يبدو لم تعجبه، ولم ترق له، حيث لم ير فيها ما يشجعه على الزواج منها والاقتران بها. زد على ذلك أن المعلومات التي جمعها عنها وعن أسرتها محسن لم تكن مشجعة، فقد نصحه بالابتعاد عنها لأن أسرتها أسرة منحلة أخلاقيا وسمعة البنت بحسب ما نما لمسامعه من أكثر من مصدر سيئة. بيد أن المشكلة تكمن في عدم قدرته على مواجهة السيد فوزي بتلك الحقيقة. لذلك ودّ من أعماق قلبه بأن تبادر دلال برفضه وعدم الموافقة عليه كعادتها كي يخرج من الورطة بأقل الخسائر. وفي حالة لم تفعل ذلك عليه أن يعتذر لوالدها بأسلوب طيب. وبينما كان سالم يفكر في مآله إذ به يرى فوزي يدخل عليه مكتبه مبتهجا. قام من على كرسيه وتقهقر للخلف قليلا ثم أشار إليه وقال بلطف: تفضل يا سيادة المدير اجلس هنا. ابقَ مكانك يا سالم. إنما مررت بك لأزف لك بشرى موافقة دلال عليك. الحمد لله أخيرا وافقت! صاح سالم دون وعي مصدوما: ماذا؟ وافقت! نعم يا سالم! أنت محظوظ يا بني. ألف مبروك. جئت لأهنئك من أعماق قلبي! ولكن... قاطعه فوزي وهو يرنو ببصره إلى ساعة يده قائلا: أجِّل الحديث للمساء يا سالم، فنحن في انتظارك الليلة على العشاء كي نحتفل جميعا، كما أننا سنتحدث عن الخطوة التالية. على كل حال، لدي اجتماع مهم الآن، وعلي أن أكون في مكتبي. وما إن غادر فوزي المكتب حتى وضع سالم يده على رأسه وعاد إلى تفكيره وقد عصفت به الحيرة... وبحلول المساء استقل سالم سيارة أجرة ميمما وجهه نحو بيت فوزي بعد أن حزم أمره.. وعقد عزمه على الاعتذار عن الزواج من دلال مهما كلفه الأمر. ولدى وصوله لفتت سيارة "مرسيديس سبورت"، فارهة فضية اللون، كانت رابضة أمام بيت فوزي، نظره. جعل يتأملها بدهشة وراح يحدث نفسه: "لا بد أنها تكون سيارة أحد الضيوف الأثرياء.. يبدو أنه دعا بعض الضيوف". ابتسم فوزي ابتسامة عريضة حين فتح الباب ورأى سالما ينظر إلى السيارة بإعجاب شديد. بادره متسائلا: أأعجبتك السيارة يا سالم؟ نعم! إنها سيارة جميلة. كنت أعلم أنّها ستنال إعجابك، ولهذا السبب اشتريتها لك. إنها سيارتك منذ اليوم يا سالم. صاح سالم في دهشة: ماذا سيارتي؟؟ هذه سيارتي؟!! إنها هديتي لك ولدلال بمناسبة الخطوبة. جلس سالم على مائدة الطعام البيضوية التي كانت تحوي كلّ ما لذ وطاب من أصناف الطعام الشهية، والمشروبات، والفواكه. أخذ ينظر إلى الصحون الموضوعة فوق الطاولة وهو يحدّث نفسه: "لم أعد أفهم شيئا مما يجري حولي ومعي، فكأنني في حلم. أظن أنه ثمة خطأ ما!! لا بد أن يكون في كلام محسن مبالغة أوخطأ ما. أو ربما الغيرة هي التي دفعته لذلك؟... على كل حال أنني لم أر من السيد فوزي إلا خيرا وإحسانا، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟! على كل حال لن أكون لئيما وأقابل هذا الكرم الحاتمي بالإساءة". كانت أم دلال في غضون ذلك تبذل مجهودا كبيرا لإقناع ابنتها بالنزول من غرفتها لمشاركتهم الطعام غير أنها رفضت بشدة. لم تجد عند ذلك سوسن بدا من تركها في غرفتها والالتحاق بهما على طاولة الطعام. قام سالم وسلم عليها باحترام، وبدورها رحبت سوسن به بحرارة، وما إن جلست إلى الطاولة حتى بدأ الطاهي في سكب الطعام في الصحون. هزّ فوزي رأسه وابتدرها مبتسما: مثل ما توقعت تماما يا سوسن. لقد أعجبته السيارة كثيرا. ردّت عليه بابتسامة وقالت بثقة مفرطة: كنت واثقة من ذلك يا عزيزي. أنا سعيدة لأنها أعجبتك إذ أنها من اختياري يا سالم. ذوق رفيع يا خانم. هذا من لطفك يا بني. كما تعلم أن دلال ابنتنا الوحيدة ولن نبخل عنها بشيء أبدا. وأنا متأكدة أنك ستعيش معها في سعادة. رنا فوزي إليها ببصره وسألها باستغراب: ولكن أين هي دلال يا سوسن؟ لِمَ لم تأتِ لاستقبال خطيبها وتناول الطعام معنا. إنها تعتذر عن النزول بسبب المرض. قال سالم بلطف: سلامات.. لا بأس عليها. ابتسمت سوسن ابتسامة ماكرة وقالت: فقط وعكة خفيفة! لا تشغل بالك عنها كثيرا! ثم سكتت برهة وأردفت قائلة: لقد سبق وأن اقترحت على فوزي أن نعجل بالقيام بحفل الزفاف... ففي تقديري لم يعد ثمة ما يدعو لتأخيره، فنحن جاهزون. وكما يقول المثل: خير البر عاجله. ثم سكتت برهة وأردفت بابتسامة: فما رأيك يا سالم؟ ألست على حق؟! قال سالم مرتبكا وأجاب بدبلوماسية: بلى! رأيك معتبر يا خانم، غير أنني ربما أحتاج لبعض الوقت لأكون جاهزا، وكما تعلمين أن أسرتي تقطن في انطاكية وأعتقد أنها قج تحتاج لبعض الوقت لترتيب إجراءات القدوم إلى هنا. لا تحمل همًّا يا سالم، لا أظن أنك في حاجة لترتيب شيء فكل شيء جاهز. اترك أمر الأعداد والترتيب علينا، فسنقوم بكل شيء.. ولا أظنك تحتاج أن تقوم بأي شيء غير دعوة أسرتك لحضور الحفل، وتحدد لي العدد الذي سيحضر من طرفك. هزّ سالم رأسه موافقا وقال بارتباك: شكرا لكما، هذا كثير في شأني. قالت بزهو: أريد أن يكون حفل ابنتي حفلا مميزا يُضرب به المثل.. وأودّ أن تتحدث عنه نساء الدنيا. ثم التفتت إلى زوجها وقالت بزهو: أليس كذلك يا فوزي؟ هزّ فوزي رأسه وأجاب بابتسامة عريضة: بلى.. بالطبع يا عزيزتي! ثم قدم فوزي إلى سالم مفاتيح السيارة قائلا: ألف مبروك يا سالم، بامكانك قيادتها منذ الآن. شكرا لكما. انقلب سالم إلى شقته بسيارته الجديدة تتنازعه الهواجس وتختلط في ذهنه المشاعر. كان طوال الطريق يتأملها: ينظر إلى كراسيها الجلدية.. وإلى عدادات سرعتها.. ومؤشراتها.. وساعاتها.. ويقول في نفسه: "لم أكن أتصور أنني سأقود مثل هذه السيارة الفارهة حتى في الحلم؟!". ثم لم يلبث أن عاد به تفكيره إلى الواقع. طفق يتساءل في قرارة نفسه: "أأنا في حلم أم في علم.. أهذه مِحنة أم مُنحة؟ أأفرح أم أحزن؟ يا تُرى هل فتح لي الحظ أبوابه أم أنني ولجت عالم الوهم؟؟ ماذا دهاني، وما الذي عقد لساني.. وبدّل فكري وقلب جناني؟؟ ذهبت لأعتذر عن الخطوبة إذ بي أؤكدها. هل يا تُرى ستوافق أمي على هذا الزواج؟ وكيف سيكون وقع الخبر عليها إذا ما أخبرتها؟ لا أظن إنها ستوافق على المجيء لأن وضعها الصحي لا يسمح لها بالسفر لمسافات طويلة كما أنني أعلم أن مثل هذه الحفلات لا تروقها، فهي امرأة بسيطة تتسمك بالعادات والتقاليد وتحافظ على القيم، وجو مثل هذه الحفلات الصاخبة لن يناسبها بحال من الأحوال...". عاد إلى نفسه يحدّثها وهو يجول ببصره في أنحاء السيارة مبهورا: "كنت أتمنى في طفولتي أن أركب دراجة جديدة، أو تكون لي لعبة كأقراني... ماذا سيقول أصدقائي وزملاء الدراسة عندما يروني أقود هذه السيارة بَلْهَ أولئك الذين كانوا يسخرون مني.. ويستهزؤون بثيابي المهلهلة.. ومن حقيبة كتبي الممزقة، وكانوا يمنعونني حتى من اللعب معهم. وماذا سيقول ذلك الولد المغرور، شاطر باشا، الذي كان لا يسمح لي بالجلوس معه، ولا يكف عن تعييري بأنني فقير وليس في مستواه؟؟.. ماذا سيقول حين يراني أقود هذه السيارة؟ وكيف سيكون شعوره؟! لقد نسي أن الكبر خطيئة وأن الأيام دولٌ.. والحياة تتقلب.. وأن الله يرفع ويخفض، فيصير الفقير غنيا.. ويغدو الغني فقيرا.. والسقيم صحيحا.. والصحيح سقيما...". توقف عن التفكير فجأة حين رأى بواب العمارة يقترب منه. أنزل سالم زجاج باب سيارته، فاستبد بالبواب الذهول. بادره بالسؤال مستغربا: ما هذا يا سالم، أعثرت على كنز؟ ردّ سالم مازحا: الله أعلم يا عم، كنز أم مصيبة؟! سيارة مَن هذه يا سالم؟ إنها سيارتي يا عمّ، متولي. أتمزح معي؟ لا بل إنها الحقيقية. هزّ الحارس رأسه وقال بدهشة: ألف مبروك يا سالم! اتصل سالم حال دخوله إلى شقته بصديقه محسن كي يزفّ إليه البشرى. وما إن أخبره بأنه وافق على خطبة دلال، وأن أباها أهداه سيارة فارهة حتى ردّ عليه محسن مستنكرا: أغيرت الهدية رأيك؟ بصراحة لقد تبين لي أن رأيك في الأسرة غير صحيح. لا ألومك فللمال بريقه.. وللهدايا مفعولها!! ماذا تقصد يا محسن؟ كنت أظن أنك ستفرح لي وتهنئني. أعلم أنك لا تريد أن تصحو من حلمك الجميل.. فهذا شأنك ولكنني أديت دوري ونصحتك! استشاط سالم غضبا: أنت من يحلم يا محسن. أما أنا فأعيش الواقع والحقيقة. ثم سكت برهة وأردف قائلا بتهكم: انظر لحالك لتعرف من منا يعيش الواقع! ولكن على ما يبدو أن الحسد أفقدك صوابك! ثم أقفل سالم في وجهه السماعة... وما إن سكن غضبه وعاد لواقع حتى جَـالَ طيف أمّه في خياله وتذكّـر أسرته. أخرج بعد تردد هاتفه النقال من جيبه واتصل بأمه بعد أن عقد العزم على إخبارها ودعوتها للحضور مجاملة... كاد قلب رحيل يطير من الفرح حين سمعت صوته. ابتدرته بلهفة معاتبة: أين أنت يا سالم؟؟ لِـمَ لَمْ تتصل بنا منذ مدة؟! لقد شغلت بالي عنك! معذرة يا أماه فالمشاغل هنا كثيرة. أعانك الله يا حبيبي! متى ستزورنا؟ إن شاء الله قريبا. على فكرة، لقد كنت أمس في بيت وفاء وقد أخبرت أمها برغبتك في خطبة ابنتها. ولكن... ولكن ماذا؟ أنسيت أنك وعدتني، ثم أن الخطبة لا تحتاج لكثير من المال. سُقط في يده وأحس بالارتباك مما دفعه ذلك للعدول على فكرة إبلاغها ودعوتها شفقة عليها كي لا تُصدم بالخبر... *ll