الفصل الخامس والتسعون
" the writer Aridj "
.
.
.
.
في عالم من الأمل والحيرة، حيث تتشابك المشاعر والتفكير، كانت أماني تجلس في صمت بعد انتهاء تدريبها.
كانت عيونها لا تزال تشع بالتركيز في ما قاله سلطان، لكن كعادتها، حاولت طرد تلك الأفكار عن عقلها. تبتسم أحيانًا، وتواصل سيرها بهدوء نحو غرفة تغيير الملابس. قامت بتغيير زيها الميداني، وارتدت ملابسها الخاصة بعناية. ثم تعطرت لتسابق رائحتها العطرة خطواتها، وشعرها يتساقط على كتفيها كخيوط شمس صباحٍ ذهبية.
أخذت حقيبتها وأخرجت هاتفها لتتفقد رسائلها والاتصالات التي لم ترد عليها بعد.خرجت من الغرفة. وفي طريقها إلى المصعد، رأت خالد ينتظر. وقف لحظة ليلتقط أنفاسه، ثم ابتسم حينما رآها.
/أهلاً بخالد.
قالت بصوتها الهادئ، وهي تقف بجانبه.
/هلا وغلا بأماني، كيفك؟ إن شاء الله ما تكوني تعبتي حالك في التدريب؟.
رد خالد مبتسمًا، وهو يوليها اهتمامًا لم تلاحظه.
ابتسمت هي بدورها وقالت /لا، بخير. اطمن، شوي رماية وبس.
ضحك خالد قائلاً /شوية رماية؟ أنتِ من ثلاث ساعات تدربين!
ضحكت هي أيضًا، وكان المشهد كما لو أنه فاصل من السعادة الصغيرة في يوم مليء بالأعباء. وفي اللحظة التالية، عاد المصعد. ضغط خالد على الزر ليقول بأدب ومرح /آنسة أماني، تفضلي... السيدات أولاً.
ضحكت أماني وقالت بمزاح /الله، شقد ذويق هههه.
دخلت أماني المصعد وتبعها خالد، ليغلق المصعد خلفهما وينزلا إلى الطابق السفلي.
في تلك اللحظة، كان هناك شخص آخر في الخلف، حيث كان الغضب يلتهم ملامحه. كان يراقب المشهد من مكتبه، وهو يسند كتفه على الباب ويحدق بعينين حادتين كصقر أصيل، عينيه تغطيهما غيوم القلق. كيف تضحك وتسامر ذلك الشاب، ومعه تدعي الثقل والتجاهل؟ هل يمكنها أن تكون بهذه السعادة بينما هو هنا في الظلال؟ سترين يا أماني، إن كنتِ فرسًا جامحة، لن يروضك إلا سلطان.
وصل المصعد إلى الطابق السفلي، وفُتح الباب ليخرج خالد وأماني. كانت أماني تلتفت حولها وتدرك فجأة أنها لم تتصل برسيم، ليعيدھا الى البيت . فهم خالد الموقف فورًا وحاول انتھاز الفرصة ، ليقول مع ابتسامة /شكلك تستنين رسيم.
/يس، ممكن يكون نساني.
قالت أماني بخيبة أمل في صوتها.
ابتسم خالد وقال بحذر /أماني، إذا ما عندك شيء تسوينِه وما يزعجك الأمر، تقبلين دعوة هذا الشاب المزيون للمول الجديد؟ تسوي شوبينق يحب خاطرك.
ضحكت أماني لطريقته وقالت بعفوية /ومين راح يرفضك يا منتَهز الفرص؟ وأنا أصلاً كان بدي أغير جو. مشكور على الدعوة يا gentle man.
ابتسمت أماني وركبت بجانب خالد في السيارة، ليبدأ مساؤھما الذي ملأته الأجواء بالمرح والبهجة.
في المول الجديد، حيث تلتقي الأنوار بضحكات الناس.
وصلوا إلى المول، لينزلوا معًا. ابتسم خالد، وهو يشعر أن اللحظة قد جاءت أخيرًا. كان الهدوء بينهما مشوبًا بشيء من الحيرة، وكأنهما يعيشان في فقاعة خاصة بهما. في ذهنه، كان يفكر في كل حماقاته السابقة، وقد شعر بحاجة ماسّة للاعتذار. لكن ما كان يقوله قلبه لم يكن ليخفيه، لابد له أن يبدأ صفحة جديدة.
سار نحو أماني ومد يدَه، ليقول بابتسامة مشوبة بمشاعر صادقة /أفا، سنيورا، راح تمشين لحالك؟ وأنا معك.
ابتسمت أماني في وجهه، وشبكت ذراعها بذراعه، ليتوجها نحو المول. قالت وهي تمازحه /ماكنت أدري أنك تتكلم إسبانيول!
ضحك خالد وقال /كم مرة أريد أتعلمها. ومرة كنت مسجل أنا، وعد ورعد بكورس، هم أخذوا شهادات وتعلموا، وأنا أمري لله. بس معليش، مستوى B1.
ابتسمت أماني وقالت /أنا كمان ما تبقى كثير وأطلع من B2. تعرف أني أعشق كل شيء متعلق بإسبانيا.
ابتسم خالد في داخله. كلماتها البسيطة والعفوية جعلته يشعر كأنها قد سامحته. ربما، فقط ربما، قد تكون بدأت تنسى الماضي. كان يصارع ذلك التساؤل الصغير في أعماق تفكيرھ ....هل يمكن أن تكون أماني تشعر بما يشعر به هو؟
تجولا في المول من محل إلى آخر. كانت أماني تشعر بسعادة غامرة، كما لو أن حياتها قد استرجعت شيئًا من الحرية التي فقدتها. شهر كامل كانت فيه حبيسة غرفتها، تحت قلق الجميع على حالتها الصحية. ولكن اليوم، ها هي تعانق رياح الحرية في كل زاوية. مرة هي من تدفع، ومرة يدفع عنها خالد بعد محاولاته المستميتة لإقناعها.
وصلوا إلى محل للفساتين، وقررت أماني أن تدخل بعد أن أقنعها خالد. ما إن دخلت، حتى لفت انتباهها فستان أزرق ملكي طويل بذيل إلى الخلف، مرصع عند حواف الصدر بأحجار سوداء. اقتربت منه وقالت بصوت خافت، وكأنها تحدث نفسها /أشتريه أو لا؟ حلو أو لا؟
أجابها خالد ضاحكًا وبعد ان ھدأ قال /
المشكلة إنك إنتِ الحلوة مو الفستان
وإذا فيھ عيب، جمالك يغطيه ويمحيه الزمان
أنتِ زينة الدنيا، ما يهمّك يا غلا كل الأوزان
سحركِ يحلّي الكون، ويخلي العيون تهيم فيكِ بلا أمان
يا زينة الصفات، أنتي الطيف في كل مكان
من غلاكِ يا غالية، قلوب الناس تذوب وتنقلب
أنتِ العطر والزهرة، والشوق لك ما له أمان
يا طيف من السحب، يمطر بالفرح ويحلي كل كرب
حتى إذا فيھ عيب، جمالك أكبر وأحلى
وأنتِ اللي في عيون الناس، لا تلوميهم إذا غرقوا فيكِ
أنتِ النور اللي يضيء، والقلب اللي ما يتوب
كل من شافكِ، دعا لكِ وأنتِ في الوجود فرحة وسعاده
ما في جمال ينافسك، ولا في مثل حلاكي
ولا فستان مهما كان، يسوى حسنك ولا جمالك
أنتِ أجمل من البدر في السما، وأحلى من الورد في البساتين
وكل ليل يمر، أنتي النور اللي يهديه القمر
ضحكت أماني وقالت بخفة /وش ذا ياقيس؟ اعتبر ھذا غزل صريح أو عذري!
ابتسم خالد، ثم استعاد نفسه ليقول /ثنيناتھم.
استغربت أماني من تصرفاته، كأنها ترى فيه جانبًا جديدًا، يبدو وكأنه عاشق مجنون. عاد نظرها إلى الفستان، وقبل أن ترفع يدها لتحضره، شعرت بألم خفيف في مكان إصابتها.
قلق خالد من ذلك، فترك كل الأكياس من يده واقترب منها بخوف من ان يصيبھا مكروھا /أماني، وش فيك؟ وش يوجعك؟.... مدري وش فيني، ما أفكر، أكيد أنتي تعبانة وأنا ساحبك من محل للمحل.
قاطعته أماني بابتسامة خفيفة لتطمئنه /خلاص، نشبت في حلقك. مافيني شي، شوية ألم وبس.
قال خالد بقلق /وبس؟
أماني مأكدة /ايوه، يلا راح أروح أقيس الفستان، وأشوف. يمكن واحد يتزوج، ويكون هذا الفستان نصيبه ينلبس .
ابتسم خالد وقال /وماتحطين احتمال إنك تكونين أنتِ العروس؟
حركت يدها غير مبالية، وقالت /أنا ما ظنيت، ما تعجبني هيك سوالف. بنات حواء كلهم يتزوجوا، وتبقى أماني.
قاطعها خالد قائلاً /وأبناء حواء كلهم يتزوجوا، ويبقى هذاك اللي يحب أماني، ويصارع لين يتزوجها.
ضحكت أماني وسارت إلى غرفة القياس، وفي يدها الفستان بعدما أعطاها إياه خالد.
وفي تلك اللحظة، بينما كان خالد يخرج هاتفه يقلبه بلا هدف، كان يعرف أنها ستتأخر قليلاً، لكنه قرر أن ينتظر، ولو لأخر ثانية في حياته.
وبعد ربع ساعة تقريبًا، خرجت أماني من غرفة القياس، وقد أظهر الفستان منحنى رائعًا على جسدها الرشيق. ارتسم على حافتيه خصرها المائل وكأن القمر قد وُضع بين ثنياته.
وصلت إلى خالد، ليلاحظ وقوف إحدى الفتيات عند رأسه. رفع خالد بصرھ لينظر إليها، ثم يعاود النظر من الأسفل إلى الأعلى، كيف لها أن تكون بهذا الجمال، وبهذا السحر؟ كم هو محظوظ هذا الفستان لأن فاتنة كأماني ترتديھ.
استشعرت أماني صمته، فابتسمت وقالت /وش فيك ساكت؟
لا يزال غارقًا في وصفها، عاجزًا عن النطق، وكأن هذه اللحظة قد سلبت منه القدرة على الكلام. لم يكن يعرف ماذا يقول، فاللحظة كانت أكبر من أن يتمكن من التعبير عنها بالكلمات. كان قلبه ينبض بسرعة، كما لو أن الصوت الوحيد الذي يسمعه هو دقات قلبه التي كانت تتسارع كلما نظر إليها.
أعادت أماني الكرة مرة أخرى، وقد ملّت من الانتظار، فابتسمت وقالت /هوهو، أبو الهش، وينك؟
استفاق خالد أخيرًا من غفوته، وكأن عينيه قد تفتحت فجأة بعد فترة طويلة من العمى العاطفي. نظر إليها بحذر وقال /ها؟ وش قلتي؟
لكن قبل أن تنطق أماني بأي كلمة، أكمل هو، وقد تحول صوته إلى همساتٍ صادقة، تكاد تكون مسموعة فقط بينه وبين قلبه /أماني، وش تبين تسوين بقلبي؟
توقف الزمن في تلك اللحظة. استغربت أماني ما قاله، وأخذت تنظر إليه بتمعن، تساءلت داخليًا إن كان هذا الشخص فعلاً هو خالد الذي كانت تعرفه من قبل، أم أن شيئًا قد تغير فيه. لكنها لم تجد إجابة. فما من شيء يمكن أن يوقف هذه اللحظة المتسارعة، سوى ذلك الهدوء الذي يسكنه الآن.
أدرك خالد ما قاله، لكنه لم يتراجع. فأعاد هاتفه إلى جيبه، واقترب منها خطوةً أخرى، حتى أصبح بينهما مسافة ضئيلة. ثم، بدون سابق إنذار، رفع يدها برفق ليضعها على موقع قلبه، بينما هو يراقب رد فعلها. أماني، التي كانت في حالة من الدهشة والارتباك، لم تقدر على تحريك نفسها، لكنها سايرته، كما لو أنها ترغب في معرفة أين سيأخذها هذا الطريق.
قال خالد وهو ينظر إليها بنظراتٍ مليئة بالشوق /تسمعين يا أماني دقات هذا القلب؟ والله إنه في حبك معذب، وشوقك مقطعني.
ثم أخرج علبة سوداء فاخرة من جيب سترته الداخلي. انحنى على ركبته نصف انحناءة، وأخذ يرفع العلبة بيديه، وكأنما كان يرفع الحلم ذاته أمام عينيها. فتح العلبة ببطء، ليظهر فيها خاتم أنيق، مرصع بأحجار براقة تكاد تُضاهي لمعان النجوم.
وقال، وكأن الكلمات أصبحت جزءًا من نبضھ /
بلا مقدمات... أحبك وأعشقك يا أماني
وفي قلبي لكِ حبٍ ما له حدود، ولا له مكان
وأعترف إنك صعبة المنال، وغلاكِ أغلى من الغالي
ما في مثل عيونك، ولا في من يساويك في الأزمان
تقبلين تتزوجيني؟ وأنتِ حلمي اللي سكن
قلبي، وصرتِ في روحي شمسٍ ما تغيب
أنتِ الأمل، والحياة، وكل شيء أمنيتي
يا غلاي، يا أغلى من دربٍ عبرته من قريب
أعشقك بكل تفاصيلك، من عيونك إلى شفاهك
كل خطوة معك، تزيد شوقي لكِ ويكبر
يا أماني، فيكِ ألقى معنى الحب وبهجة الأيام
أنتِ الحلم، وأنَا العاشق، والشوق بيدك يضطر
صمت لحظة، كأن العالم توقف عند تلك اللحظة الدقيقة التي أصبحت فيها أماني مركز الكون في قلبه. لا شيء كان يهمه الآن سوى إجابة واحدة. كان ينتظرها بكل أمل، وفي قلبه يقين أنه سيصارع كل شيء من أجل أن يكون معها.
أماني، التي كانت لا تزال مندَهشة، سحبت يدها منه ببطء. قلبها ينبض بقوة، وعقلها يحاول استيعاب ما حدث. كانت كمن وقع في عالم من الحيرة، لكن ابتسامة خالد التي لا تفارق شفتيه جعلتها تنسى كل شيء، وتُركِّز فقط في اللحظة التي بين يديها الآن.
كان خالد مبتسمًا، وهو ينتظر إجابة منها ترضي قلبه العاشق.