الفصل الثاني
" the writer Aridj "
.
.
.
في مملكة مالينور، كل صباح يبدأ كما لو أن الزمن نفسه يتوقف أمام جدران القصور العالية وأبراج الحصون.
الأشعة الأولى للشمس تتسلل بين أعمدة الحجر المزخرف، لترسم خطوطًا ذهبية على الأرصفة المرصوفة، وعلى القباب المغطاة بالرصاص.
الهواء يحمل رائحة الخشب القديم والجلد، ورنين الأجراس البعيدة يملأ الساحات، بلا أي عجلة أو صخب مفاجئ.
الناس هنا يتحركون ببطء دقيق، كل حركة محسوبة، كل ابتسامة مدروسة.
الخيول تجر العربات عبر الشوارع المرصوفة، تدق حوافرها بخطوات منتظمة، تتناغم مع خرير الماء في النوافير القديمة، وكأن كل شيء في المملكة يسير وفق إيقاع خفي.
نايريس كانت تمشي على جسر حجرٍ صغير فوق القناة التي تعبر وسط العاصمة، ترتدي عباءة داكنة تخفي تفاصيل وجهها، وعينيها تتأملان الضوء المتناثر على جدران القصور.
الناس يحيونها بهدوء، والباعة في السوق ينادون بأصوات خافتة، وكأنهم يعرفون أن الهدوء هو القاعدة، والصخب… خطيئة محتملة.
كل شيء في مالينور يبدو مستقراً، من الساحات الملكية المترفة إلى الأزقة الضيقة المظللة، من طيور القصر التي تعود على طيران محدد، إلى الأطفال الذين يلعبون برفق تحت أنظار الحراس.
وحده الصمت العميق، أو الانطباع بأن كل شيء مرتب بدقة، يترك شعورًا غريبًا: شعور بأن المملكة مثالية، لكنها في الوقت ذاته… ناقصة.
لا أحد يتحدث عن ظلھ، ولا أحد يذكره.
تختفي الظلال منذ الليلة التي وُضعت فيها التعويذة السحرية، عندما عصت الظلال أصحابها، فألقوا عليها السحرة العظام التعويذة الخفية التي محَت وجودها من المملكة.
ومنذ ذلك اليوم، صارت الشمس تشرق في مالينور بلا أثر، والضوء صار القانون، والسكوت… فضيلة.
نايريس تتوقف عند زاوية إحدى الساحات، تستمع لصوت العربات الخشبية تدق الحجارة، ولهمس الريح بين أعمدة القصر، وتشعر بأن المملكة هادئة… للغاية.
لكن هناك، دائمًا هناك، شيء غامض يختبئ خلف المثالية، كأن الحجر نفسه يتذكر ما كان… وما لم يعد موجودًا.
وهكذا، يمر اليوم في مالينور، مملكة بلا ظل، حيث يبدو لكل من يعيش فيها أن السلام مطلق، وأن كل شيء كامل، بينما الظل… ما زال هناك، في الهمس، في الصمت، في انتظار من يراه.