الفصل التاسع
" the writer Aridj "
.
.
.
بعد أسبوع كامل قضته ليان في المستشفى، ظلّت خالتها عند جانبها بلا كلل، تلازمها بنظرات حانية ولم تفارقها لحظة. أما الطبيب الشاب، فكان يراقبها بصمت، مدركًا أن فقدان ذاكرتها مؤقت، وأن الأيام القادمة ستعيد إليها ما فقدته من صوت وذكريات، فالأهم الآن هو حمايتها وطمأنتها.
خلال ذلك الأسبوع، لم تتذكر ليان سوى لحظة الحادث وما قبلها بعامين مباشرة اي أن ذاكرتھا تخلت عن عامين كاملين من حياتھا ، وكان وليد متيقنا من أن الصدمة النفسية أحيانًا تكون أعمق من أي ألم جسدي، وأن فقدان الصوت يزيد معاناتها تعقيدًا.
اقتربت خالتها، وصوتها مليء بالحنان، قالت / ليان حبيبتي، جاهزة نطلع؟
ابتسمت ليان ابتسامة قصيرة، خافتة، لكنها كانت كافية لتعكس جزءًا من ارتياحها، وأومأت برأسها. نهضت ببطء، وقبل أن يغادروا الغرفة، واجههم وليد، بابتسامة دافئة وأمل صادق / الحمد لله على سلامتك يا ليان، إن شاء الله تتعافين وتزوريني في العيادة نكمل حصص العلاج. لا تشيلي هم، صوتك وذاكرتك بيرجعون تدريجيًا، وكل شي بيكون تمام.
أومأت ليان برأسها، بينما انهالت خالتها بعبارات الشكر والامتنان /الحمد لله يا وليد، لو ما كنت موجود، ما كانت هالبنت قدرت تنجو.
خرجت ليان بحقيبتها إلى الممر، بينما بقي وليد مع خالتها في الغرفة، متحدثًا بنبرة جدية /يا خالة، اعتني بها نفسيًا، هذا أهم شي. أنا راح أسافر برا فترة، وما راح أطيل الغياب. في هالفترة، ما راح ينقطع الاتصال بيننا، وتكفين اعتني بليان. هي آمنة عندك، ولا تعلمين أحد إنها بنت أختك، حسب علمي، أنتي الوحيدة القادرة على هالشي، خصوصًا إنو امھا من يوم تزوجت عاشت بعيدة عنك. أتمنى تحميها...
ابتسمت الخالة لوليِد، وامتزجت الدموع بفرحة المسؤولية /لا تخاف، حاطتها بعيني، ومشكور على اللي سويته. دعواتي معاك يا ولدي، الله يرزقك ويكفيك شر الفاسدين، ويبعد عنك كل ابتلاء.
قبّل وليد جبينها، فتذكّره طيبة ھذھ المرأة بوالدته الراحلة.
خرجت تھاني مع ابنة أختها لتجد ابنها ينتظر في السيارة ليأخذهم إلى بيتهم. لم تخبر أحد أن ليان ابنة أختها، وكل ما قالت لهم أنها ابنة صديقة لها، كي تتكفل برعايتها، فلا سند لها غيرھا.
سعاد فرحت، وغطت على كذبتها الصغيرة، فابنها وزوجها لم يرَوا ابنة أختها قط، إذ كانت في زيارتها دومًا وحيدة.
فتحت ليان باب السيارة، وجلست في الخلف بينما خالتھا بجانب ابنھا الذي ابتسم لها قائلاً /حياك الله يا أم فيصل.
ردّت والدته بحنان /الله يحييك، تسلم لي يا فلذة كبدي.
ابتسم فيصل وقبّل كفها الطاهر، ثم شغّل المحرك وانطلقت السيارة إلى بيتهم. كانت ليان تعرف أنه ابن خالتها، لكن خالتها نصحتها بالتظاهر بأنها ابنة صديقة لها، فاستغربت لكنها امتثلت، فهي نصف فاقدة للذاكرة وبدون صوت. في قلبها، تنهدت ودعت الله بأن يحدث خير بعد كل هذا الألم.تذكرت والدها ووالدتها الذين غادروا الحياة في رحلة طويلة لم تعد منها، فمسحت دموعها التي غمرت وجهها طوال الأسبوع، وحاولت الثبات، رغم احمرار بشرتها الناتج عن كثرة البكاء، وحرق الجلد الذي لم تخففه المراهم. لكنها أعادت البكاء لتشعر بالحرقة مرة أخرى، رفعت يديها لتبرد وجهها، فانتبهت خالتها بقلق / وش فيك يا الغالية؟ يوجعك شيء؟
هزت رأسها نفياً، مدّت لها خالتها منديلًا ومسحت دموعها، ثم سلّمتها المرهم /حطيه بشويش، وإن شاء الله يخف الحرق.
ابتسمت ليان بخفوت، وجففت دموعها ودهنّت المرهم بهدوء، محاولًة تجاهل اللهيب الذي يشتعل في وجهها.
أما فيصل، فقد استغرب صمتها، لكنه تجاوزه، متخيلًا أن الحزن الكبير يمكن أن يصم الألسنة أحيانًا، خاصة بعد فقدان الوالدين وتجربة العيش بعد رحيلهم، فالأمر أصعب من أي ألم آخر.
انطلقت السيارة، حاملةً معها صمتًا ثقيلًا، وذكريات موجعة، وأملًا بأن يعود صوتها وذاكرتها يومًا ما، وسط صدى الأسى والحنين والأمل الملتبس في قلب ليان