الفصل الخامس القفص
المدينة تحت الأرض
توجه السمين إلى عبده بعيون سوداء، لامعة بالجشع واللذة في الإيذاء:
"خذهم إلى زنازين العبيد… وكالعادة، اتركهم يومين. وبعد أن يذهب من سيدفع الفدية، ابدأ بتدريب الباقين… ليعرفوا كيف يكونون عبيدًا حقيقيين."
ارتجف الخادم عند سماع هذه الكلمات، وكأنها أيقظت ذكريات مظلمة دفنها منذ زمن بعيد، لكنه تمالك نفسه، وأجاب بخضوع:
"حسنًا، سيدي… سمعًا وطاعة."
بدأ بسحب الفتى وبقية الأسرى إلى الداخل، نزولًا عبر دراجات حديدية صامتة، حتى وصلوا إلى بوابة معدنية ثقيلة.
عند دخولهم، فاحت من المكان روائح العفن والرطوبة الثقيلة، ممزوجة بنتن الأجساد التي لم تعرف طعم الراحة أو النظافة منذ أمد بعيد، اختلطت بأصوات صراخ وبكاء وضرب بالسياط، تملأ الممر الضيق الذي أُسست فيه المدينة تحت الأرض.
الأسرى رأوا أمامهم زنازين متراصة على جانبي الممرات المظلمة، بعضها صغير جدًا، مكتظ بالأجساد، والبعض الآخر أكبر قليلًا لكنه لا يخفف شيئًا من القسوة المحيطة.
الأشخاص داخل الأقفاص بدوا بلا روح، عيونهم ميتة، أجسادهم شاحبة ومتقرحة من شدة العذاب. على الأرض المتسخة، كانت بقايا الطعام تتناثر، شاهدة على أن النفوس قد كسرت قبل الأجساد.
شعر الفتى بقشعريرة تجري في عموده الفقري. كان يرى مستقبله في وجوه هؤلاء العبيد: الخوف، الاستسلام، واليأس.
همس أحد الأسرى الصغار بجانبه، صوته يرتجف:
"هل… هل سننجو من هنا؟"
أجاب الفتى، أكثر لنفسه منه له:
"علينا الصبر… ونراقب… كل شيء هنا له نظامه… حتى لو كان وحشيًا."
شدهم الخادم بلا رحمة بين صفوف الزنازين، ماضٍ بهم عبر الممرات الضيقة المظلمة، حيث كان بعض الرجال معلقين في الجدران، يُضربون بالسياط، وآخرون تُغرق رؤوسهم في برك ماء قذرة، بينما يحقن بعضهم بمواد غريبة تزيد من معاناتهم.
وصلوا إلى زنزانة صغيرة، مظلمة ورطبة، يفوح منها عفن الدم والعرق والبول. دفعهم الخادم بقوة داخلها، فأغلق الباب المعدني خلفهم بصوت صدى ثقيل.
جلس الفتى على الأرض، قلبه ينبض بسرعة، ويداه ترتجفان.
همس أحد الفتيان الصغار، كأن الصوت الوحيد المسموح به للنجاة:
"هل… هل سنخرج أحياء؟"
رد الفتى بهدوء متوتر:
"نحاول أن نعيش… فقط نراقب… وننتظر فرصتنا."
ابتسم الخادم بابتسامة خبيثة، وألقى عليهم كلمات كالسهام:
"استمتعوا بهذين اليومين… ومن سيبقى بعدهما، فليتمنى الموت.
هذه نصيحة من صديق."
جلس الفتى في الظلام، عيناه تتأقلم مع العتمة، يسمع كل الصراخ والصفعات والصفير من الزنازين المجاورة.
بدأ عقله يحاول ترتيب أفكاره، يحاول فهم النظام الغريب والوحشي للمدينة تحت الأرض، حيث لا رحمة، ولا خلاص إلا من خلال القوة أو المكر.
كان يعرف شيئًا واحدًا: هنا لن يكون هناك أي مهرب… إلا إذا استطاع أن يحافظ على نفسه ويقرأ قوانين هذا الجحيم الجديد.
جلس الفتى ورفاقه في الزنزانة، مترصين، لا مجال للحركة بين الحوائط المعدنية الضيقة.
كل صوت هنا كان مكثفًا: البكاء، الصراخ، صرير الأقفاص، وطرق الأبواب من حين لآخر.
بين الحين والآخر، كانت تُفتح الزنازين المقابلة، ويخرج بعض السجانين والعبيد، يحملون أو يبيعون، أو يمر الزبائن الذين جاؤوا ليشتروا.
لم يجرؤ أحد على دخول زنزانتهم، وكأن اسم الزنزانة وحده يكفي لإخافة أي دخيل.
الأيام الأولى للجدد، كما أخبرهم الخادم بصمت، لا يُشتريهم أحد، سوى من يملك المال لدفع الفدية.
في نهاية اليوم الأول، دخل رجل يرتدي درعًا عسكريًا. تفحص الزنزانة بعينين باردتين، توقفت على بعض الجنود، فأشار إليهم. قفزوا فرحين، واضح أنهم يعرفونه جيدًا.
اقترب الخادم وبدأ يطرح السعر، دار حديث قصير، ثم فتحت الزنزانة وأخرج منها أربعة رجال وامرأتان، ليذهبوا مع الرجل صاحب الدرع دون أن يلتفتوا خلفهم.
الفتى لم يقدر إلا أن يراقبهم بعينين متسعتين… هذه المدينة تعلم الجميع على قبول الواقع الوحشي دون سؤال.
في صباح اليوم التالي، دخل الخادم، وألقى بعض أرغفة الخبز داخل الزنزانة.
انقض الفتى والأسرى الآخرون على الطعام، فقد كادوا يموتون جوعًا.
بالنسبة للفتى، كان هذا الخبز الأول منذ استيقاظه في ساحات المعركة.
أغلق الخادم الباب بقوة، وابتعد.
لم تمر نصف ساعة حتى دخلت امرأة كبيرة السن، ترتدي زي خدم النبلاء المهندم، وأشارت إلى أحد الرجال مفتولي العضلات.
قام الرجل بسرعة، متجهًا إلى الباب، كأنه يعرفها منذ زمن طويل.
خلفهم، حاول بعض الأطفال وبعض النساء التوسل للمراة والرجل لإخراجهم، مؤكدين أنهم سيردون المال لاحقًا.
لكن نظرات المراة والرجل كانت باردة، بلا رحمة، وركلوهم بعيدًا، ثم أغلقوا الباب وغادروا، تاركين الأسرى في زنزانتهم، بلا أي أمل سوى صدى صوتهم المخنوق.
لم يأتِ أحد بعد ذلك، سوى الخادم الذي عاد في منتصف اليوم محملاً بالطعام والماء. شرب الجميع بلهفة، وأكلوا بسرعة، لكن الفتى أخذ قضمة واحدة فقط من رغيفه، وأخفاها في ملابسه، مدركًا أنه قد يحتاجها قريبًا للبقاء على قيد الحياة.
في صباح اليوم الثالث، دخل الخادم مرة أخرى، ولكن هذه المرة في عينيه نظرة شريرة مختلفة.
اقترب منهم ببطء، كأنه يستمتع برعبهم، وقال بصوت منخفض وبارد:
"حان وقت التأهيل."
جلس الفتى صامتًا، قلبه ينبض بسرعة، عينيه تراقبان تحركات الخادم، وهو يدرك أن هذا التأهيل لن يكون رحيمًا، وأن كل دقيقة مقبلة ستختبر قدرته على الصمود والبقاء.