ارض الراماد - الفصل الرابع العبد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: ارض الراماد
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الرابع العبد

الفصل الرابع العبد

كل شيء بدأ يتكشف أمام عيني الفتى تدريجيًا… فمع أول خطوة تقترب فيها العربة من أسوار المدينة، بدأت المباني ترتفع كعمالقة صخرية، تصطف صفوفًا كأنها تحرس باطنها المظلم. طريق حجري عريض شقّ المدينة نصفين، وعلى بعض البيوت الحجرية ارتفعت أعلام حمراء داكنة، يتوسطها أسد بملامح متوحشة، أنياب بارزة وعينان لا تحملان سوى القسوة. كان واضحًا أن هذا هو رمز الإمبراطورية… أو ربما رمز اللعنة التي تحكمها. البيوت نفسها كانت جميلة، نوافذ واسعة، أزهار متدلية تضيف رائحة لا تتناسب مع ما يعرفه الفتى عن الأسر والسلاسل. ولكن بين جمال الواجهات… كانت الأزقة تحفر وجهًا آخر للمدينة. لمح الفتى في أحد تلك الأزقة متشرّدًا نائمًا فوق أكوام من القمامة، وفي آخر رأى حفنة رجال ينهالون ضربًا على أحدهم حتى لم يعد صوته بشريًا. شعورٌ غريب اخترق صدره… المدينة، رغم كل ألوانها، بدت له مثل أسنان رجل عجوز متفرّقة، بعضها لامع وبعضها مسوّس قاتم… لكنها جميعًا تنبثق من فم واحد نتن. انحرفت العربة، ودخلت في أحد الأزقة الواسعة، وهناك انقلب المشهد تمامًا. ظهرت الحقيقة. شحاتون يتصارعون على قطعة خبز، عصابات تبيع أشياء تهمس عنها النظرات قبل أن تنطقها الألسنة، باعة جوّالون يصرخون ببضائع مسروقة، رجال يشربون الدخان حتى يغيبوا، متاجر صغيرة تتزين بالخناجر والعبيد، حانات تفيض بالخمور ورجال فقدوا أرواحهم قبل أن يفقدوا وعيهم. كان الشارع ينبض كقلب ميّت تتحرك فيه الديدان فقط لأن الجسد لا يعرف أنه مات بعد. ظلّت المشاهد تتكرر بلا رحمة، حتى توقّفت العربة أمام محل كبير نسبيًا. واجهة المتجر كانت أشبه بمقبرة مكشوفة: أقفاص حديدية تلطخت بالدم، وروائح كريهة لحمٍ فاسد، وأنين يخرج من حناجر لم تعد تعرف معنى النوم أو الراحة. أوقف العجوز عربته، والتفت إلى المرأة قائلاً ببرود مميت: "اذهبي إلى محل الأسلحة… أنهي البيع سريعًا ثم عودي." انطلقت المرأة مع أحد الفرسان الحارسين، واختفوا بين الأزقة. خرج من باب المتجر رجل ضخم… بدين لدرجة أن جلده بدا كأنه ينزلق عن عظمه، أصلع الرأس، لامع كالبيضة، ووجه يجمع بين الخنزير والإنسان بطريقة تثير الغثيان. حول عنقه عقود ذهبية، وملابس متخمة بالألوان اللامعة، كأنّه يحاول دفن قذارته تحت بريق رخيص. ضحك ضحكة حارة، فاحت منها رائحة الخمر والدم، وهو يتفحص الأقفاص. قال وهو ينظر للعجوز بعينين ضيقتين كعينَي جشعٍ حيّ: "الغنيمة جيدة هذه المرة أيها العجوز… الكثير من الجنود. بعضهم سيدفع فديته بنفسه، والباقون ستدفع عائلاتهم. وحتى لو لم يدفعوا…" مال رأسه، وظهرت ابتسامة عريضة مُقرفة. "نبيعهم كجنود أقوياء… أو نكسرهم حتى يصلحوا لأي شيء." زمّ العجوز شفتيه بضيق: "لا تُكثر الكلام أيها السمين… أعطني سعراً جيداً، فأنا مستعجل." قهقه السمين، ثم أشار بيده لأحد عبيده. فتح العبد باب القفص، وبدأ بإخراج الأسرى واحدًا تلو الآخر. ما يقارب العشرين… هياكل بشرية، متعبة، مكسورة، بعضها سُحق داخل الأقفاص حتى فقد الملامح… ولم يلتفت أحد لهم، وكأن الموت عندهم مجرد نتيجة جانبية للبضاعة. تفحص السمين الأسرى بعينيه بسرعة، بعين تاجر لا يرى سوى اللحم… لحم يجلب المال. توقفت نظراته على بعض الرجال، ثم وقفت لثانية على الفتى. ابتسم كأنّه وجد كنزًا دفينًا. "بضاعة ممتازة… عدة فرسان، جنود مشاه… نساء جميلات رغم التعب… وهناك حتى بعض الفتيان الصغار…" أشار إلى الفتى مباشرة. "مثل هذا الفتى… سيباع بسعر جيد. العصابات تحب هذا النوع… وحتى بعض النبيلات المريضات." ضحك مرة أخرى، ضحكة جعلت قلب الفتى يرتجف كأن أحدهم وضع جمرة ملتهبة فيه. ضحك السمين ضحكة قصيرة وهو يتفحّص الأسرى بعينين تتلألآن بالطمع: "لكن… للأسف الحرب ما زالت مشتعلة. النبلاء لن يخرجوا الآن، ولن يرسلوا أحدًا للشراء. لذلك…" رفع إصبعه كأنه يقدّم عرضًا كريمًا، بينما هو في الحقيقة يذبح. "أعتقد أن العصابات ستدفع على الأرجح. المهم… سأعطيك خمسة عشر عملة ذهبية." ابتسامة دهنية امتدت على شفتيه. تغيّر وجه العجوز فورًا، احمرّ غضبًا وكأنّ أحدهم صفعه. "يا لك من محتالٍ حقير!" صرخ وهو يرمي اللجام بيده. "هذا مبلغ تافه! لا يكفي حتى لأجرة بقية الفريق! عشرون… عشرون رقم جيد. وإن لم تدفع، فهناك من سيدفع أكثر منك. أنت تعلم جيدًا… البضاعة اليوم ممتازة، خصوصًا في وقت الحرب!" ارتجّ بطن السمين من شدّة ضحكته. ضحكة عالية… فاسدة… كأنها تخرج من حفرة. "لا تغضب أيها العجوز… كنت أمزح فقط!" مسح دموع الضحك من عينيه ثم قال: "حسنًا… عشرون. عشرون جيدة." مدّ يده المنتفخة لمصافحة العجوز، لكن العجوز نظر إلى اليد كأنها قطعة لحم ملطخة، ثم أشاح بوجهه بامتعاض، ورفض أن يلمسها. قال ببرود قاطع: "أعطني المال فقط." قهقه السمين مرة أخرى، ثم دسّ يده في جيبه العميق وأخرج كيسًا ثقيلاً. صوت العملات بدا كأنه موسيقى شيطانية حين ألقاه باتجاه العجوز. خطفه العجوز بسرعة، وكأنه ينتزع ما تبقى من كرامته، ثم اعتلى عربته بعجلة واضحة، وضرب الحصان بقوة. انطلقت العربة مبتعدة، كما لو أنها تهرب من رائحة السمين… أو من الحقيقة التي تركها خلفه. وقف السمين أمام الأسرى، عيناه تضيقان حتى أصبحتا مجرد شقين أسودين. تفقّد الوجوه واحدًا تلو الآخر… ابتسامة شيطانية انزاحت على وجهه كستارٍ يُغلق. "أنتم الآن… أصبحتم ملكي." اقترب خطوة، وظلّه غطّى الفتى لثانية كاملة. "أصبحتم… بضاعتي."