الفصل الثالث التبخر
بدأ الزبّالون في الجري بجنون، يضربون أحصنتهم بالسياط حتى تشققت جلودها، ولم يعد أحد منهم ينظر خلفه أو يلتفت لما يسقط من غنائم. لم تعد الأسلحة الثمينة تُغريهم، ولا الدروع اللامعة، ولا حتى العبيد الذين ما زالوا يتنفسون داخل العربة.
الآن… لم يبقَ سوى شيء واحد يهمهم: النجاة.
استمرت العربة تهتز وتترنّح وسط أرض المعركة، وبعد ساعة تقريبًا بدأ لون الأرض يتغيّر تدريجيًا من الأحمر المتخثّر إلى الأسود الباهت. كانت آثار الحرب — الدم، اللحم، التراب المبتل — تختفي تدريجيًا، كأن الأرض تُمسح بيد خفية.
وفجأة، من خلفهم تمامًا، بدأت الحرارة ترتفع. البرد القارس الذي كان يلسعهم قبل لحظات تحوّل إلى حرّ خانق. ومع الارتفاع التدريجي للحرارة، بدأ بخار كثيف يتصاعد من الخلف، يزداد كثافة وسرعة كلما اقترب منهم… وكأنه حيوان غاضب يركض على أثرهم.
صرخ أحد الزبالين:
"اضربوا الأحصنة! أسرع! إنه يبدأ!"
اشتد الهلع في أعينهم جميعًا، وبدأوا يضربون الخيول بجنون، حتى صار جلدها ينزف من قوة السياط. الحرارة كانت تزداد، والبخار يزحف خلفهم بسرعة مرعبة، تستطيع من خلالها رؤية الجثث في الخلف وهي تذوب ببطء…
حتى الدروع المعدنية والسيوف بدأت تلين وتفقد شكلها، كأنها شمع يائس تحت نار لا ترحم.
ثم، في لحظة صادمة، اصطدمت العربة بعنف بصخرة كبيرة مدفونة في التراب، فقفز أحد الزبالين من المقعد الخلفي دون قصد. سقط فوق أطراف العربة، ثم ارتطم بالأرض بقوة، وبدأ يتدحرج في التراب.
لكن لم يتوقف أحد.
لم يلتفت أحد.
بل على العكس… زادوا السرعة.
ارتفع صراخ الرجل الذي سقط، كان صراخًا يمزق القلب:
"انتظروا! أرجوكم! لا تتركوني!"
لكن أصوات العجلات وصليل الأجزاء المعدنية كانت أعلى من توسلاته. حاول أن ينهض، وأن يجري خلف العربة، لكنه كان يلهث كمن يركض فوق جمر مشتعل. كل خطوة كانت أثقل من التي قبلها، وكل نفس يخرج منه كان يختنق بالبخار القادم.
ومع مرور ثوانٍ قليلة، بدأت قوة ساقيه تخونه. سقط على الأرض، يتأوه، ينظر إلى البخار المتوحش وهو يقترب منه كجدار من النار البيضاء.
بدأ صراخه يخفت…
ثم — أمام العيون التي لم تلتفت إليه — بدأ جسده يذوب ببطء. اللحم أولاً… ثم العظام… ثم لم يتبقَّ منه شيء سوى صورة ضبابية متلاشية، كأن الأرض تبتلعه.
كان واضحًا الآن أن الحرارة مرتبطة بالدم نفسه.
فكلما كثرت الجثث…
وكثر الدماء…
ازدادت الحرارة والبخار، واشتعلت الأرض تحتهما.
استمر الزبالون في الركض بالأحصنة لمدة نصف ساعة أخرى دون توقف، حتى بدأت العربة تهدأ قليلًا، وبدأ الهواء يبرد تدريجيًا… ثم اختفى البخار خلفهم تمامًا.
وحين رفع أحدهم رأسه وهو يلهث، رأى في الأفق أسوارًا شاهقة تلوح وسط الغبار…
أسوار مدينة عظيمة
عندما اقتربت العربات من أسوار المدينة الشاهقة، كانت أحصنتهم تلهث كأنها على وشك الانهيار، والزبّالون أنفسهم يترنّحون من الإرهاق والخوف. أمام البوابة الخارجية وقف حارسان يرتديان دروعًا حديدية كاملة، تعكس على سطحها بقع الضوء الباهت، ورماح طويلة مغروسة في الأرض كأنها أوتاد تحرس العالم من الفوضى.
تقدّم أحد الحارسين، رجل طويل بلحية مقصوصة بعناية، ونظر إلى العجوز نظرة ساخرة ممتزجة بالاشمئزاز المعتاد وقال بصوت متسلٍّ:
"مرحبًا بك، أيها العجوز الكريه… يبدو أنك فقدت أحد أفراد فرقتك الجديدة. كالعادة."
ضغط العجوز على أسنانه وقال وهو يزيح الغبار عن كتفه:
"اصمت أيها الحارس اللعين… لست في مزاج للتفاهات."
ابتسم الحارس ومال برأسه بخبث:
"أعرفك جيدًا يا عجوز. في النهاية… أنت سعيد الآن، أليس كذلك؟ ستحصل على حصّة القتيل الجديد، هه؟"
ظهر على وجه العجوز ما يشبه النفور المصطنع، ثم ببطء—وبشيء من التلذذ—ظهرت ابتسامة بشعة على فمه.
"فقط افتح البوابة ووفّر عليّ صداع صوتك."
ولكن الحارس الآخر مدّ رمحه قليلًا، وكأنه يذكّره بشيء:
"لا تتظاهر بالنسيان… الدفع أولًا."
تنفّس العجوز بحدّة، ثم فتح كيسًا صغيرًا ملطّخًا بالتراب والدم الجاف وألقاه للحارس. التقطه الأخير بمهارة، فتحه، نظر داخله، وهزّ رأسه راضيًا:
"لم تنسَ حصّتي … ممتاز."
ضحك ضحكة قصيرة وقال:
"هذا السبب الوحيد الذي يجعلني أتحمّلك يا عجوز."
أشار بيده، فهزّ الحارس الآخر السلاسل معلنًا فتح البوابة الضيقة الجانبية، الخاصة بالتجار القذرين والزبّالين.
وقبل أن يمر العجوز، قال الحارس بصوت منخفض يحمل تحذيرًا حقيقيًا هذه المرة:
"لا تدخل وسط المدينة هذه المرة. الجيش عاد منذ فترة قصيرة، وقائدهم الجديد… لا يحب ‘أمثالكم’. لا أريد أن أراك تُسحب من لحيتك خارج البوابة."
رفع العجوز كتفيه بلا مبالاة، لكن القلق لمع في عينيه لجزء من الثانية:
"حسنًا حسنًا… ليست المرة الأولى التي أخرج فيها ‘للعمل’ أثناء وجود الجيش."
ثم تقدّم بعربته عبر الممر الحجري الضيق، بينما الباب يغلق خلفه، وتحته ترتجّ الأرض كأنها تبتلعهم معًا.