الفصل الثاني الزبالون
اقتربت العربة مسرعة، تشقُّ طريقها فوق الجثث كما لو كانت تمرّ فوق أكياس قماش بلا حياة.
كانت العجلات تُحطّم العظام، وتغرس الأخشاب في اللحم المتعفّن، وترسم خطًّا من الدماء خلفها دون أن يرفّ جفنٌ لأي منهم.
ركض الفتى…
ركض وكأن الهواء يهرب منه، والرعب يلتهم صدره خطوةً بعد خطوة.
لكن القدر… كان أسرع.
فجأة—
التفّ حول رقبته حبلٌ خشن، قاسٍ، كأنه ذراع وحشٍ خرج من الأرض نفسها.
لم يرَه، فقط شعر بالاختناق يضرب حلقه كسكين.
اشتدّ الحبل… وتحوّلت السماء فوقه إلى دوّامة سوداء.
ثم—
سُحب بقوة.
جسده ارتطم بالأرض، وسُحل فوق الدم والتراب، يدخل خليط معدني مرّ إلى فمه، وطعم التراب الممزوج بالدماء يلتصق بلسانه.
حاول التمسك بالحبل بكل قوته… حتى لا تُقتلع رقبته، حتى لا يفقد رأسه ببساطة كما فقدها من حوله.
وبعد لحظات عذاب طويلة…
توقفت الحركة.
ظلّ ملقى على الأرض، يتنفس كمن خرج من قبره للتو.
رفع رأسه بصعوبة، والعرق والدم يختلطان على وجهه، فرأى ظلًا ضخمًا يمتطي حصانًا أسود لا يرى منه سوى الحوافر…
حوافر بحجم رأسه تقريبًا.
نزل الرجل من فوق الحصان، ضحكةٌ غليظة تتدحرج من صدره.
وقال وهو يقترب:
"أتمنى ألا تكون متَّ يا فتى… هذا سيُفسد يومي."
لم يرَ الفتى وجهه في البداية… فقط حذاء جلدي متسخ، طبقات من الدم الجاف تغطيه حتى صار لونًا آخر غير معروف.
ثم انحنى الرجل، وأمسك الفتى من رأسه بكل بساطة… ورفعه كما تُرفع دمية.
التقت أعينهما.
كان الرجل كارثة بشرية:
لحية كثيفة منفوشة بلا نظام، أنف ضخم، عينان بنيتان قاسيتان، وشعرٌ طويل متشابك كأعشاب جافة.
ابتسم وقال:
"أحسنت… البقاء حيًا ليس عادةً موهبة الجميع هنا."
كانت رائحة أنفاسه صادمة… كأنّ فمَه مدفنٌ صغير للبيض المتعفن.
التفت إلى رفاقه وهو يرفع الفتى كغنيمة:
"انظروا يا رفاق! ما وجدته لكم!"
كانوا ستة:
– الرجل العجوز الذي يقود عربة العبيد
– المرأة القصيرة السمينة ذات الشعر المائل إلى الأحمر، تقود عربة الأسلحة
– اثنان يجلسان فوق أقفاص الأسرى
– وفارس آخر يجر حصانًا ثانويًا خلف العربة
ضحك العجوز بصوت خبيث وهو يحدق في الفتى:
"هذا قد يُباع بسعر جيد كخادمٍ لأحد النبلاء… وجهه لا يزال صالحًا.
أما إن بعناه كجدار لحم لجنود الحرب… فلن نحصل منه على كثير. انظروا إلى ملامحه… إنها جميلة جدًا لهذا المصير."
قهقهت المرأة السمينة وهي تقلب نظرها فيه كأنه حيوان جديد:
"يا للرقة… هذا الفتى سيجلب مالًا كثيرًا إن بيع لعصابة شوارع.
وجهه الجميل سيستدرّ التبرعات، والنبلاء يحبّون المشاهد المأساوية… قد يجمع ثروة من الشفقة وحدها!"
انفجر الرجل الضخم ضاحكًا ضحكة تشبه نباح حيوان جائع، ثم قبض على شعر الفتى وسحبه بوحشية كأنه يمسك بجثة لا بإنسان. جرّه حتى وصل إلى عربة العبيد… وهناك، أدرك الفتى أن خياله — مهما كان مظلمًا — لم يقترب حتى من حقيقة ما ينتظره.
كانت العربة أشبه بكُتلة لحم بشري متخثر، تنبعث منها رائحة الدم الراكد والعرق المتعفن. الدماء تسيل من أطراف الخشب المتآكل، كأن العربة نفسها تنزف. رأى الفتى الأجساد المتراكمة فوق بعضها، بلا ترتيب وبلا رحمة. البعض في الأسفل كان مسحوقًا تمامًا… لا يعلم أحد إن كانوا لا يزالون يتشبثون بفتات حياة، أم أن أرواحهم غادرت منذ زمن، تاركة أجسادًا تنتظر فقط أن تُرمى مثل النفايات.
كان أغلب الأسرى جنودًا جرحى، وجوههم مشوهة، وعظامهم بارزة تحت الجلد من فرط النزف والتعب. آخرون كانوا أطفالًا ونساءً، لا يختلفون عنه في شيء… سوى أن حظهم العاثر جعلهم يقفون في طريق هؤلاء الشياطين.
ألقى الرجل الضخم الفتى في العربة بقوة، حتى اصطدمت ضلوعه بالخشب المنقوع بالدم، ثم تركه دون أن يزيل الحبل الخشن الملتف حول رقبته. أحسّ الفتى بالألياف القاسية تحفر طريقها في جلده، تمزق اللحم وتترك شعورًا حارقًا مع كل حركة بسيطة.
لم تمر لحظات حتى بدأت العربة بالتحرك. كانت تهتز بعنف كلما صعدت فوق جثة، أو قطعة درع، أو بقايا حصان محترق. توقفوا بين الحين والآخر، ليجمع هؤلاء “الزَّبالون” ما تبقى من أسلحة أو دروع أو أي شيء له قيمة… وفي بعض الأحيان، يعودون ومعهم عبد جديد، يتم رميه كحطب إضافي في كومة البشر.
كانت ساحة المعركة شاسعة على ما يبدو، فقد ظلّت العربة تتحرك لأكثر من ساعتين، تتقدم ببطء كأنها تزحف فوق جثث العالم كله.
وفجأة، صاح العجوز بينهم بصوت مرتجف:
"أسرعوا… لقد انتهى الوقت. إن لم نغادر الآن… سيبدأ التبخر… وسيبتلعنا."
تبادل الزبالون نظرة ثقيلة، نظرة يفهم فيها كل واحد الآخر دون كلمات… ثم بدأوا يتحركون بجنون، وكأن أرواحهم مُعلقة بخيط واحد، على وشك أن ينقطع في أي لحظة.