الفصل الاول الاستيقاظ
أرضٌ حمراء… وسماءٌ سوداء.
عالمٌ تائه بين الحياة والموت، تضيع فيه العيون كما لو أنها تبحث عن شيءٍ لم يوجد قط، وتعلو فيه الأنفاس المتقطعة كأن الهواء نفسه يختنق.
غربانٌ جائعة تحوم فوق كل شيء، تُطلّ على الخراب وكأنها تنتظر إذنًا لتبدأ وليمتها.
فاحت الأرض برائحة الصدأ والدماء، رائحة ثقيلة كالبؤس نفسه، تتشبث بالصدر وترفض أن تُترك.
أما السماء… فكانت تُلقي ظلامها البارد بلا اكتراث، كأمٍّ قاسية تنظر إلى أبناءٍ يموتون تحت قدميها ولا تبالي.
صرخات الغربان شقّت السكون، صرخات أقرب إلى ضحكات حادّة، كأنها تحتفل بهذه الذبيحة البشرية الكبرى.
العينان التائتان في وسط هذا الخراب كانتا غريبتين… نظرة بلا روح، بلا معنى، كأنهما لا تنتميان لهذا العالم أصلًا.
وقف الفتى.
شعره الأسود بدا كالفحم المحترق، بشرته شاحبة تشي بمرضٍ قديم أو حياة لا لون فيها، وعيونه الحمراء الميتة تحمل بريقًا خافتًا… بريقًا من دم العالم كلّه.
ملابسه ممزقة، مُلطّخة، كأنها شهدت معارك لم يخضها هو.
نظر حوله ببرودٍ يثير القلق.
الرائحة كانت كريهة… حدّ الاختناق.
دماء، حديد، عرق… كأن الحرب نفسها كانت تطحن العالم وتصبّ ما تبقى منه هنا.
لم يسمع سوى هدير الغربان وهي تمزّق جثث الجنود المتعفنة.
رأى إحداها تحمل يدًا بشرية، وأخرى تتصارع على مقلة عين سوداء، كأنها قطعة فاخرة في وجبتها الأخيرة.
وفجأة…
عاد الضوء إلى عيني الفتى، لا بسبب الوعي، بل بسبب الألم القاسي الذي سبّبه نقر أحد الغربان في رأسه.
بدا للطيور جثة… فقررت تذوقه.
رمش، وتراجع خطوة، يحدّق في المكان كالغريب الذي سقط من السماء.
أين أنا؟
بل… من أنا؟
كيف جئت إلى هنا؟
دار بنظره حوله، واستوعب أنها ساحة معركة.
هل كنت في حرب؟
هل أنا جندي؟ محارب؟
خفض عينيه إلى ملابسه… لا تشبه ملابس القتلى حوله.
لا درع، لا شارة، لا سلاح…
ربما كان ناقلًا؟ خادمًا؟ عبدًا؟
«لا… لا… شيء لا يتطابق»، فكر وهو يحدق في يديه.
كانت يداه ناعمتين… خفيفتي الندبات… لا تحملان أثر تدريب أو عمل أو حرب.
همس لنفسه بصوتٍ مكسور:
"إذا… من أنا؟"
بعد وقتٍ طويل من التفكير، لم يصل الفتى إلى أي شيء…
عقله كان كصفحة محترقة، ثقوب سوداء في ذاكرة لا يعود منها شيء.
فبدأ يتحرك… بلا هدف، فقط لعل قدميه تقوده إلى معنى.
كانت الأرض تئن تحت خطواته؛ كل خطوة تصنع طقطقة لزجة، خليطًا من الدم والطين والرماد.
لا شجر، لا نبات، لا صوت سوى صرخات الغربان وحفيف أجنحتها السوداء وهي تهبط على الجثث كأنها تحصد محصولًا وفيرًا.
نظر إلى الجثث بقلق…
كان هناك نوعان منها.
الأولى: جنود يرتدون دروعًا حديدية كاملة وسيوفًا طويلة، وجوههم جامدة كالحجر.
والثانية: رجال بملابس جلدية سميكة وأقنعة محطمة وسيوف منجلية الشكل، كأنها أدوات حصاد للموت نفسه.
الجو كان باردًا… باردًا حدّ الألم.
ارتعش، وشعر بجلده يلسع كلما لامسه الهواء.
بعد أن أنهكته بحيرة الدم التي يمشي فيها، اتجه إلى جثة أحد الرجال ذوي الملابس الجلدية الثقيلة. كانت الجثة جافة نسبيًا، وكأنها ماتت منذ مدة، فركع قربها وبدأ ينزع الملابس بصعوبة.
كانت ثقيلة… كأنها تحمل وزر صاحبها.
لم يستطع سوى نزع الجزء العلوي، ثم أخذ الحذاء الجلدي، فقد كان يسير حافيًا منذ استيقاظه، وأصابعه كادت تتجمد.
وبينما كان يحاول ربط الحذاء، ارتجفت الأرض قليلًا…
ثم سمع الصوت.
عجلات.
خشب يصرّ.
ضحكات عالية… مختلطة بأغانٍ قذرة.
أصوات بشر… لكن لا راحة في سماعهم، فقط تهديد مبطّن.
التفت…
وما إن رآهم حتى جمد الدم في عروقه.
عربة خشبية ضخمة، تتدحرج عبر ساحة القتل، تتلوها عربات أخرى.
على جوانبها مُعلّقون بالسلاسل بشرٌ مرتعشون… أسرى؟ أم قرابين؟
وفي الخلف تتراكم أسلحة صدئة… وسيوفٌ مكسورة… وأطراف بشرية مقطوعة كأنها جزء من الغنيمة.
ليسوا جنودًا.
فكر بذلك فورًا.
ملابسهم لم تكن رسمية… كانت رثة، خشنة، مليئة ببقع دم جاف، وكأنهم يعيشون بين الجثث منذ عقود.
هؤلاء… زبّالوا الحرب.
الذين يأتون بعد المعركة ليجمعوا الحديد… والجثث… وأي شيء آخر.
ومع اقترابهم، انضغط قلبه بشدة.
وبدون تفكير، بدأت قدماه تركضان.
الهواء حوله أصبح أثقل… والخوف صار ينهش صدره.
خلفه… ارتفعت ضحكاتهم.
ضحكات بشر يستمتعون بصيدٍ جديد.
ثم صاح أحدهم بصوتٍ مبحوح، حادّ، يشقّ الهواء:
«توقف أيها الفتى! لا تخف… لن نؤذيك!»
نبرة صوته كانت كذبًا فاضحًا؛ نبرة صيّاد يرى فريسة صغيرة تحاول الهرب.
وكان هو — الرجل العجوز في مقدمة العربة — يلهب ظهر حصانه بالسوط، عينيه تتلألآن بجشع، وصوته يقطر خبثًا وهو يصرخ:
«هيا… هيا… لا تجعلني أضطر لجمعك مقطعًا!»