عهد الظلال - دم على الحجر الفصل 6 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: عهد الظلال
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: دم على الحجر الفصل 6

دم على الحجر الفصل 6

لم تأتِ نوبة الذاكرة هذه كالاقتحامات السابقة. لم تكن رؤية أو صوتاً أو رائحة. كانت ألماً. كانت يُسر تقوم بتمرين التوازن على العارضة الخشبية فوق قناة الماء البارد. ركزت تنفسها، وزنتها موزعة بالتساوي. فجأة، انقبضت عضلة ساقها اليسرى في تشنج حاد، مؤلم بشكل غير طبيعي – ليس تشنج إرهاق، بل ألم حارق عميق، كما لو أن سكينا كان يغرس في نفس البقعة منذ زمن بعيد. ألمت، وكادت تسقط في الماء المتجمد. تمسكت بالعارضة في اللحظة الأخيرة، معلقة بيديها فقط. ارتج جسدها كله. "أخرجي!" أمر صوت المعلم بحدّة. أسقطت نفسها على الرصيف الخشبي، تلهث، تفرك ساقها. الألم كان يتراجع، لكن الإحساس المرعب بالقديم، بالجرح الذي لم تتعرض له، بقي. "ليس جسدك." قال المعلم، وهو يركع بجانبها، يداه تتحسسان العضلة بانتباه طبيب شرعي. "إنه جسدها. ذكرى جسدية. ندبة في اللحم عبر الزمن." "من... هي؟" همست يُسر، والعرق البارد يغطي جبينها. "السلف الذي تشاركينه الذاكرة. يبدو أنها أصيبت هناك." قال، ناظراً إلى موقع الألم بتفكير عميق. "الذاكرة الجينية... أحياناً تحمل أعمق من المشاهد. تحمل الصدمة نفسها. هذا خطر جديد. الألم يمكن أن يشلّك في اللحظة الخطأ." ساعدها على الوقوف. رجلاها كانتا ترتعشان، لكن ليس من التمرين. من الغزو. شعرت بأن جسدها لم يعد ملاذها الآمن. كان أرشيفاً لآلام الآخرين. "يجب أن تتعلمي التحكم في هذا أيضاً." قال، وصوته أقل حدة. "لا تكبتيه. اعترفي به. خصصي له مكاناً في وعيك، ثم اضبطيه. مثل صوت في الرأس يمكنك خفض صوته." قادها إلى ركن في الكهف حيث كانت هناك أرضية رملية ناعمة. "الآن، اجلسي. استدعي الألم." "ماذا؟ لا!" "افعليها. إذا هربت منه، سيطاردك. إذا واجهته، يمكنك أن تعرفي شكله، فتتجنبينه عندما يأتي غير مدعو." أغمضت عينيها، مرتعبة. تذكرت التشنج الحارق. ببطء، كما لو كانت تلمس جمرة، سمحت للإحساس بالعودة. لم يكن بنفس القوة، لكنه كان حاضراً، نابضاً في عضلتها. تنفست بعمق، محاولة فصل "ألمها" الحالي عن "ألمها" القديم. "من أين أتى؟" سأل المعلم، صوته هادئاً موجهاً. ركزت. مع الألم، جاءت صورة خافتة: حجر. أرضية من الحجر البارد. ظل شخص يقف فوقها. وأحاسيس أخرى: غضب، إحباط... وخوف. خوف مختلف. ليس خوف الموت، بل خوق الفشل. "كانت في مهمة." قالت يُسر، والعبارة تأتيها كما لو كانت تقرأها من كتاب. "وأخطأت. لم تكن دقيقة كفاية. تعرضت للطعن... في الساق. لتأديبها. أو لاختبارها." فتحت عينيها، مصدومة من الوضوح الذي جاء بهذه المرة. "لقد... عاقبوها؟" المعلم لم يبد متفاجئاً. "العقيدة القديمة... لم تكن دائماً متسامحة. الأخطاء تسبب موت الإخوة، أو فشل المهمة. العقاب كان وسيلة للتعلم. ندبة جسدية تذكرك إلى الأبد." كانت تفكر في شركة "سايبر دين". في عقوباتها "البناءة"، تحويلات المشاريع، التقييمات السلبية. كلها نظيفة، غير دموية. لكن الهدف نفسه: التحكم. الخوف من الفشل. "هذا ما يريده الأبطال أيضاً، أليس كذلك؟" قالت، نظرتها ثاقبة. "نظام لا مكان فيه للخطأ. لأن الخطأ يعني فوضى." "الخطأ يعني إنساناً." صححها المعلم. "وهذا ما يخيفهم أكثر من أي شيء." في ذلك المساء، كان التدريب مختلفاً. أعطاها سكيناً قصيراً، غير حاد، للتدريب. "الهدف ليس الطعن. الهدف هو اللمس." كان قد علق دائرة من الجلد على الحائط الصخري. "المس المركز. مرة واحدة. دون ضجة." حاولت. حركتها كانت خرقاء. السكين صفر فوق الجلد أو اصطدم بالصخور بصوت عالٍ. "أنت تحاربين السكين. والسكين يحاربك. يجب أن تصبحي واحداً معه." أخذ السكين منها. وفي حركة واحدة سلسة، كأن ذراعه امتداد للشفرة، لمس مركز الدائرة. لم يكن هناك صوت سوى حفيف خفيف للهواء. "الإرادة في النية، ليس في العضلة. انظري إلى حيث تريدين أن تلمسي، واتركي الذراع تتبع النظرة. حاولت مرة أخرى. فشلت. وعشر مرات أخرى. كانت الإحباط يغلي داخلها. ثم تذكرت ألم الساق. العقاب. الخوف من الفشل. تنفست، وطردت الفكرة. ركزت على بقعة الجلد الداكنة. لم تعد تفكر في السكين، أو في يدها. فكرت فقط في الوصول. حركت يدها. كان هناك طقطقة ناعمة، بالكاد مسموعة. السكين، بطرفه غير الحاد، مست مركز الدائرة تماماً. صمت. "جيد." قال المعلم. "الآن، افعليها مئة مرة." لكن قبل أن تبدأ، دوى صوت إنذار خافت من لوحه الرقمي. لم يكن صوتاً عالياً، بل اهتزاز مكتوم. وجهه تصلب. تحرك بسرعة نحو شاشة مراقبة خفية مموهة بين الصخور. ظهرت عليها صور حرارية مأخوذة من كاميرات خارجية حول مدخل الكهوف. كان هناك ثلاثة أشكال حرارية، يتحركون ببطء عبر الكهف الخارجي باتجاه الممر المائي. لم يكونوا صيادين عشوائيين. تحركتهم كانت منظمة، متزامنة. كانوا يمسحون الجدران بأجهزة. "زوار غير مرغوب فيهم." همس المعلم، عيناه تضيقان. "الأبطال. وجدوا آثارنا." قلب يُسر انقلب رأساً على عقب. "كيف؟" "التعقب يأتي بأشكال كثيرة. ربما تتبعوا الطاقة من المولد، أو رصدوا الاتصال الفضائي القصير الذي أجريته لتحميل الخرائط." نظرة لوم خاطفة ألقاها عليها. "لا يهم الآن. المهم أنهم هنا." "ماذا نفعل؟" "نفعل ما نتدرب عليه." قال، وهو يطفئ المصابيح الخافتة واحدة تلو الأخرى، يغرق الكهف في ظلام دامس، ليس مطلقاً، بل في الظل الذي دربتها عليه. "نختفي." لكن بينما كان يحزم المعدات الأساسية في حقيبة صغيرة، توقفت إحدى الأشكال الحرارية فجأة عند مدخل الممر المائي. بدا وكأنه يفحص شيئاً على الصخر. ثم أشار للآخرين. تسارعت حركتهم. "لقد وجدوا القارب." قال المعلم، صوته مسطحاً. "كان يجب أن أغمره. خطأي." كان الندم يلوح في عينيه للحظة، ثم اختفى، محلّه تركيز فولاذي. "خطة ب. هناك مخرج ثانٍ. في نهاية القناة، حيث يتسع الكهف. هناك فتحة تهوية ضيقة تؤدي إلى شق في المنحدرات فوق البحر. يمكننا الخروج منها." "وهم؟" "إذا تبعونا، سنواجههم في أرض نختارها، لا هنا." أمسك بحقيبته وأعطاها إياها. "خذي هذا. تقدمي. أنا سأبطئهم." "لا! أنت لا تملك سلاحاً!" لم يجب. فقط أخرج من طيات معطفه قطعتين معدنييتين قصيرتين، ليستا خنجرين تقليديين، بل أكثر شبهاً بـ مفكات قوية مسننة. أدوات تسلق وتحطيم. "اذهبي. تتبعي الجدار الأيسر. ستجدين تيار هواء. اتبعيه. سأنضم إليك." كانت تريد الاعتراض، لكن نظرته كانت لا تقبل الجدل. كانت نظرة الرجل الذي ارتكب خطأاً وقرر تصحيحه بأي ثمن. انطلقت في الظلام، يديها تتحسسان الجدار البارد الرطب. سمعت خلفها صوت خطوات خفيفة جداً للمعلم وهو يتحرك في الاتجاه المعاكس، نحو مدخل الكهف. ثم سمعت أول الأصوات: هسيس مرشح، صوت معدني يخدش الصخر. كانوا داخل الممر المائي. تقدمت أسرع، قلبها يخفق في حلقها. وجدت تيار الهواء البارد كما قال. جاء من شق ضيق في السقف. كان عليها التسلق. ألقت الحقيبة على ظهرها وبدأت تسلق الصخور الخشنة، مستغلة كل نتوء صغير. التدريب على تسلق جدران الكهف كان ينفعها الآن. عضلاتها اشتكت، لكنها لم تفشلها. عندما وصلت إلى الشق، كان بالكاد يتسع لجسدها. زحفت داخله، الحجر يخدش ظهرها. ثم سمعتها من الأسفل. صوت معركة. ليس طلقات مسدس (كانوا سيفضلون الصمت والتخدير)، بل أصوات قاتمة: تأثير جسد على جسد، همهمة جهد مختنقة، صرير معدني على حجر. ثم صرخة مكتومة، قصيرة، تنتهي فجأة. لم تكن تعرف من الذي صرخ. اندفعت عبر الشق، أسرع، غير مبالية بالخدوش. النفق انحدر فجأة وفتح على منظر النجوم والبحار. كانت على حافة جرف صخري عالٍ. البحر الأسود يضرب الصخور بعنف بعيداً بالأسفل. الريح صفرت بقوة، كادت تطرحها عن التوازن. التفتت. لا أحد يتبعها بعد. انتظرت. ثانية. عشر ثوان. دقيقة. بدأ اليأس يتسلل. لو كان قد قُبض عليه... أو أسوأ... ثم سمعت حفيفاً من الشق. وشخصاً يخرج منه، متثاقلاً. كان المعلم. تنفسه كان ثقيلاً، متقطعاً. في ضوء النجوم، رأت دماً غامقاً يقطر من إحدى يديه، وعلى أحد "المفكات" المسننة في يده الأخرى. "واحد." قال ببساطة، وهو يلتقط أنفاسه. "الآخران تراجعا لطلب التعزيزات. ليس لدينا وقت." "أنت جريح!" "خدش." قال، لكن صوته كان مشوباً بألم. "هناك حبل مخبأ وراء تلك الصخرة. انزلي أولاً. إلى القاعدة حيث الأمواج. هناك قارب مطاطي صغير." وجدت الحبل، مثبتاً بمشبك حديدي قوي في الصخر. أمسكته وبدأت النزول، وهي تتأرجح في الهواء فوق البحر الهائج. الريح كانت تحاول اقتلاعها. ركزت على إيقاع تنفسها، على قبضتها. نزلت متراً تلو الآخر. عندما وصلت إلى القاعدة المبللة بالماء والرذاذ، وجدت القارب المطاطي الصغير مخبأ في تجويف. فكته ونفخته باستخدام أسطوانة صغيرة مرفقة. كانت تنتظر المعلم. نزل هو أبطأ، بيد واحدة، واضعاً الوزن على ساقه المصابة. عندما وصل، كانت تنفسته أكثر اضطراباً. "انطلقي." قال، وهو يسقط في القارب. "ابحري بمحاذاة الساحل شمالاً. هناك قرية صيد صغيرة. سنختفي هناك." أدارت المحرك الصامت ودفعتهم بعيداً عن الجرف. نظرت إلى الوراء، إلى الكهف الذي أصبح ملاذاً، ثم أصبح فخاً، ثم ساحة معركة. رأت أضواء كاشفة تتحرك الآن عند مدخل الكهوف فوقهم. التعزيزات وصلت. "لقد... قتلت واحداً منهم." قالت، وصوتها يرتعش ليس من الرعب، بل من واقع الأمر الذي بدأ يغرق فيها. المعلم، الذي كان يضمد جرحه بضمادة من الحقيبة، توقف. نظر إليها، عيناه تعكسان أضواء الأعداء البعيدة. "نعم. وهذا لن يكون الأخير. الدم الذي يسيل اليوم هو ثمن خطأي، وثمن معرفتك. تذكري هذا الشعور. تذكري الثمن. لأن في هذا العالم، الظل لا يبقى نظيفاً. أحياناً، عليه أن يلطخ نفسه بالدم لينجو، أو ليحمي بذرة الحقيقة." أدارت وجهها نحو البحر المظلم أمامها، تمسك بدفة القارب بقوة. رائحة الملح ممزوجة الآن برائحة معدنية خفيفة للدم. لم يعد التدريب نظرياً. لقد رأت العنف، وشمت رائحة الموت. وكانت تعلم، في أعماقها، أن الدم على حجر المعلم اليوم، قد يكون على يديها غداً. لقد عبرت عتبةلم تأتِ نوبة الذاكرة هذه كالاقتحامات السابقة. لم تكن رؤية أو صوتاً أو رائحة. كانت ألماً. كانت يُسر تقوم بتمرين التوازن على العارضة الخشبية فوق قناة الماء البارد. ركزت تنفسها، وزنتها موزعة بالتساوي. فجأة، انقبضت عضلة ساقها اليسرى في تشنج حاد، مؤلم بشكل غير طبيعي – ليس تشنج إرهاق، بل ألم حارق عميق، كما لو أن سكينا كان يغرس في نفس البقعة منذ زمن بعيد. ألمت، وكادت تسقط في الماء المتجمد. تمسكت بالعارضة في اللحظة الأخيرة، معلقة بيديها فقط. ارتج جسدها كله. "أخرجي!" أمر صوت المعلم بحدّة. أسقطت نفسها على الرصيف الخشبي، تلهث، تفرك ساقها. الألم كان يتراجع، لكن الإحساس المرعب بالقديم، بالجرح الذي لم تتعرض له، بقي. "ليس جسدك." قال المعلم، وهو يركع بجانبها، يداه تتحسسان العضلة بانتباه طبيب شرعي. "إنه جسدها. ذكرى جسدية. ندبة في اللحم عبر الزمن." "من... هي؟" همست يُسر، والعرق البارد يغطي جبينها. "السلف الذي تشاركينه الذاكرة. يبدو أنها أصيبت هناك." قال، ناظراً إلى موقع الألم بتفكير عميق. "الذاكرة الجينية... أحياناً تحمل أعمق من المشاهد. تحمل الصدمة نفسها. هذا خطر جديد. الألم يمكن أن يشلّك في اللحظة الخطأ." ساعدها على الوقوف. رجلاها كانتا ترتعشان، لكن ليس من التمرين. من الغزو. شعرت بأن جسدها لم يعد ملاذها الآمن. كان أرشيفاً لآلام الآخرين. "يجب أن تتعلمي التحكم في هذا أيضاً." قال، وصوته أقل حدة. "لا تكبتيه. اعترفي به. خصصي له مكاناً في وعيك، ثم اضبطيه. مثل صوت في الرأس يمكنك خفض صوته." قادها إلى ركن في الكهف حيث كانت هناك أرضية رملية ناعمة. "الآن، اجلسي. استدعي الألم." "ماذا؟ لا!" "افعليها. إذا هربت منه، سيطاردك. إذا واجهته، يمكنك أن تعرفي شكله، فتتجنبينه عندما يأتي غير مدعو." أغمضت عينيها، مرتعبة. تذكرت التشنج الحارق. ببطء، كما لو كانت تلمس جمرة، سمحت للإحساس بالعودة. لم يكن بنفس القوة، لكنه كان حاضراً، نابضاً في عضلتها. تنفست بعمق، محاولة فصل "ألمها" الحالي عن "ألمها" القديم. "من أين أتى؟" سأل المعلم، صوته هادئاً موجهاً. ركزت. مع الألم، جاءت صورة خافتة: حجر. أرضية من الحجر البارد. ظل