القارب واظل الفصل 4
كان الماء أسود كالحبر تحت القارب الخشبي المتآكل. يُسر نزلت بحذر، وكل خطوة على السلم الحديدي البارد تصدر صريراً يختنق في صوت الأمواج. عندما وصلت قدمها إلى أرضية القارب غير المستقرة، تأرجحت لفترة وجيزة قبل أن تتماسك على حافته.
الرجل في المعطف لم يمد يده ليساعدها. وقف في مؤخرة القارب بلا حراك، يمسك بدفة صغيرة. ضوء القمر المتقطع من بين الغيوم كشف عن محيط جسده: أكتاف عريضة، وقفة مرنة كالقط. وجهه كان لا يزال مخفياً في ظل قلنسوة المعطف.
"اجلسي في المنتصف." قال صوته الهادئ، الذي بدا الآن أقرب وأكثر واقعية. "حافظي على انخفاض رأسك."
جلست على مقعد خشبي خشن. القارب اهتز تحت ثقلها ثم استقر. الرجل شد الحبل الذي ربط القارب بالرصيف بقوة واحدة ماهرة، ثم أدار محركاً خارجياً صامتاً بشكل مريب. لم يكن محرك قارب صيد تقليدياً؛ كان كهربائياً أو هجيناً، لا يصدر إلا همسة خافتة كتنهد الريح.
انطلقوا ببطء بعيداً عن الرصيف، نحو البحر المفتوح. أضواء الإسكندرية تتراجع خلفهم، تتحول إلى عقد من الألماس الأصفر على وشاح الظلام. الرجل تملص من فخ المدينة الساحلية إلى رحم البحر القديم.
لم تتكلم يُسر لعدة دقائق. كانت تراقبه. حركاته كانت اقتصادية، دقيقة. كان يقود القارب دون أن ينظر إلى البوصلة أو أي شاشة، كأنه يتبع خريطة مرسومة على جلد البحر. رائحة الملح والخشب الرطب والوقود المحترق (رائحة خفيفة، مختلفة) امتزجت في هواء الليل.
"من أنت؟" سألت أخيراً، صوتها يحمل تحدياً مقصوداً.
أدار الرجل رأسه قليلاً. ضوء القمر الساقط من جانب واحد كشف عن جزء من وجهه: خط فك حاد، لحية سوداء خفيفة مشذبة بدقة، وعينان داكنتان تلتمعان بانعكاس الماء. لم يبتسم.
"يمكنك أن تناديني 'مُعلّم'." قال. "وأنت، لم تعد مُبرمجة 'سايبر دين'. أنت الآن 'الطالبة'. أو 'اللقيطة'. اختاري ما يناسبك."
"أنا لست لقيطة." قالت بحدة. "وأنا لم أوافق على أن أكون طالبة لأحد."
"لقد وافقتِ عندما نزلتِ إلى هذا القارب." قال ببساطة. "الآن، نحن هنا، في البحر، حيث لا آذان تسمع. أخبريني، ماذا رأيتِ في شاشة ذلك البرنامج؟ ماذا سمعتِ؟"
ترددت. هل تثق به؟ لكن كما قال، الخيارات قليلة. "رموز... لا أعرفها. لكني فهمتها. كانت تتحدث عن سقوط. عن مدينة. ثم... صوت همس. قال 'البوابة تحت البرج الذي يحمل القمر'."
رأيت كيف أن كتفيه تصلبت قليلاً تحت المعطف. "البرج الذي يحمل القمر." كرر الكلمات كما لو كان يذوق طعمها. "المنارة. دائماً المنارة." نظر إليها. "وأنتِ، كيف عرفتِ أن المنارة هي المفتاح؟"
أخرجت دفتر ملاحظاتها من داخل سترتها وفتحته على الصفحة. مدته نحوه تحت ضوء القمر الخافت. "كتبتها. في حالة شبيهة بالغيبوبة."
أخذ الدفتر بيد مرتدية قفازاً رفيعاً من الجلد. نظر إلى الكلمة والإحداثيات. همهمة خارجة من صدره. "الذاكرة الجينية... مثل ندبة في الروح. تظهر في أكثر اللحظات غرابة." أعاد إليها الدفتر. "الإحداثيات تقود إلى نقطة في البحر، على بعد كيلومتر من موقع المنارة القديم تحت الماء. ليست المنارة نفسها. شيء... تحتها."
"البوابة." قالت يُسر، والشعور باليقين غمرها فجأة.
"أو القبر. أو السجن." قال المعلّم. "الأبطال يبحثون عنها منذ عقود. هم يعتقدون أن فيها قطعة أثرية، أداة سمعية تسمى 'الصوت المفقود'، تستطيع أن تروي التاريخ الحقيقي كما حدث، وليس كما نراه في الذاكرة المجزأة."
"ولماذا تريدها أنت؟" سألته، محدقة في ظل وجهه.
توقف عن القيادة للحظة، التفت نحوها بالكامل. عيناه في الظلام بدتا كثقبين من الظلمة الأعمق. "لأتأكد من أنها تُدمر."
صدمتها الصراحة في صوته. "تدمر؟! لكنها قد تكون... الحقيقة!"
"الحقيقة المطلقة في أيدي أي من الفصائل هي سلاح للاستعباد." قال، وعاد ليوجه القارب. "الأبطال سيستخدمونها لبرمجة البشرية نحو 'التناغم' القسري. وإخوتنا... بعض إخوتنا، سيستخدمونها لخلق فوضى لا تعرف الشبع، لتحطيم كل شيء على أمل أن ينهض شيء أفضل من الرماد. كلا الخيارين خطأ. الحقيقة يجب أن تبقى... غير مكتملة. مجزأة. حتى يظل البحث عنها هو ما يحررنا، وليس امتلاكها."
كانت فلسفته قاسية، مثبطة، ولكن كان فيها منطق لا يمكنها إنكاره. سألته: "وأنت... أين تقف أنت من 'إخوتنا'؟"
ابتسم للمرة الأولى، ابتسامة سريعة غير دافئة. "أنا استقلالي. أو هارب. أو خائن. التسمية تعتمد على من تسألين. أنا أتبع ما أعتقد أنه الجوهر الحقيقي للعقيدة القديمة: 'لا شيء حقيقي، كل شيء مباح'. بما في ذلك العقيدة نفسها."
أشار بيده إلى الأفق حيث بدأت معالم الشاطئ الصخري تظهر كوحش ضخم نائم. "سنذهب إلى مكان آمن. مكان ليس للإخوان ولا للأبطال. سنتدرب هناك."
"تدرب على ماذا؟ أن أصبح قاتلة؟"
"التدريب على البقاء." صححها. "على أن ترى العالم كما هو، لا كما يُخبرونك أنه. ستتعلمين كيف تتحركين، كيف تتنكرين، كيف تستمعين حقاً. وستتعلمين كيف تتحكمين في ذلك... الشيء الذي بداخلك. الذاكرة العابرة. إنها نعمة ونقمة. إنها تجعلك مرئية لهم، ولكنها أيضاً سلاحك الوحيد لمعرفة ما لا يعرفونه."
القارب اقترب الآن من سلسلة من الكهوف البحرية منحوتة في المنحدرات الصخرية. بدا المدخل كشق مظلم لا يأوي إلا الموت. لكن المعلّم قاد القارب بدقة داخل الظلام.
انعدمت الرؤية للحظة، ثم فجأة، انبعث ضوء أخضر خافت من مصابيح صغيرة موضوعة على جدران الكهف. كانوا في ممر مائي طبيعي، سقفه من الحجر الجيري المتدلي. الهواء أصبح بارداً ورطباً.
في نهاية الممر، اتسعت الكهف إلى ما يشبه القبة المخفية. هناك، كان هناك رصيف خشبي صغير، وباب معدني مموه ليبدو كجزء من الصخر. كان ملاذاً.
ربط المعلّم القارب. "هذا هو بيتك الجديد، حتى تتعلمي كيف لا تحتاجين لبيت." قال. "الآن، أول درس: أنس كل ما تعتقدين أنك تعرفيه عن نفسك. لأنهم يعرفون ذلك. هم سيستخدمونه ضدك. أنتِ الآن صفحة بيضاء. والظل هو حبرك."
فتح الباب المعدني. من الداخل، انبعث ضوء دافئ. كانت الغرفة صغيرة، نظيفة بشكل صارم، فيها سرير بسيط، طاولة، ورفوف عليها كتب قديمة وأجهزة إلكترونية عتيقة. على الجدار، معلق كرمز وحيد، كان هناك خنجر منحني بسيط، متقاطع مع فرع زيتون محفور في الخشب.
"الخنجر والزيتون..." همست.
"الأداة والهدف." قال المعلّم، وهو يخلع معطفه أخيراً. ارتدى ملابس سوداء بسيطة، وحركة يده عند خلع المعطف كشفت للحظة عن طرف مقبض خنجر حقيقي مثبت على ساعده. "القتال من أجل السلام. الفوضى من أجل الحرية. مفارقاتنا الأبدية."
أغلقت يُرس الباب خلفها، وشعرت بأنها محاصرة مرة أخرى، ولكن هذه المرة باختيارها. كانت في عرين الذئب. وكان عليها إما أن تتعلم النباح، أو أن تُفترس.
"متى نبدأ؟" سألته، ونبرتها تحمل استسلاماً غريباً للقدر الغريب الذي وجدت نفسها فيه.
نظر إليها، وتلك الابتسامة السريعة غير الدافئة عادت إلى شفتيه. "لقد بدأنا، يا طالبتي. أول درس: كيف تنامين وعين واحدة مفتوحة."
وكان الظل في الكهف يبدو وكأنه يتحرك، ويحيط بها، ويستعد لابتلاع هويتها القديمة، وولادة هوية جديدة منها – هوية قد تكون هي المنقذ، أو الهالكة، أو ربما كليهما.