شفره في الريح الفصل 3
كانت رائحة القمامة والرطوبة تكاد تكون ملموسة في الهواء الراكد للممر الخلفي. اختبأت يُسر خلف حاوية معدنية كبيرة، تتنفس بسرعة بينما تحاول تهدئة خفقان قلبها الذي يهدد بتمزيق أضلاعها. صوت صفارات الإنذار كان يعلو ويخفت في الشارع الرئيسي، لكنه يقترب. كانوا يبحثون عنها.
حقيبة الظهر كانت ثقيلة على كتفيها الهشين. فتحتها بيد مرتعشة، وبدأت في التخلص من كل ما قد يحدد هويتها: بطاقة الدخول لشركة "سايبر دين"، دفتر مواعيد الطبيب، حتى بعض الإيصالات القديمة. مزقتهم إلى قطع صغيرة وألقتهم في بركة ماء قذرة. لم يتبق سوى هاتفها الشخصي، كمبيوترها المحمول المحمول، ومحول الطاقة، والهاتف المحروق ذو الرقم الواحد، ودفتر ملاحظاتها الورقي القديم الذي كتبت فيه كلمة "المنارة".
فتحت الدفتر. كانت الصفحات مليئة بمعادلات رياضية، خرائط شبكية، وأكواد برمجية جانبية. لكن في الصفحة 47، في الزاوية اليسرى السفلية، كانت الكلمة مكتوبة بخط يدها المضطرب، وبجانبها إحداثيات جغرافية عشوائية (31.12, 29.53) رسمت كأنها في حالة غيبوبة. الإسكندرية.
هاتفها الشخصي رن فجأة. رقم غير معروف. ترددت، ثم أجابت، دون أن تنطق بكلمة.
"لا تتحدثي." قال صوت رجل، هادئ، عميق، يحمل لكنة خفيفة ليست محلية. "هم يتتبعون كل اتصال، حتى القصير. أرمي الهاتف الآن، في الحال. ليس في نفس المكان، امشي مائتي متر ثم تخلصي منه."
"من أنت؟" همست، مكسورة.
"ليس الآن. هناك هاتف عمومي عند رصيف الميناء القديم، بالقرب من مستودع رقم 5. سأتصل على ذلك الرقم في الساعة الواحدة صباحاً بالضبط. ستكونين هناك."
"ولماذا أصدقك؟" تحدته، محاولة إخفاء رعبها.
"لأنك قفزت من الطابق الحادي والعشرين ولم تموتي." كان هناك شيء يشبه الإعجاب في صوته. "لأن ذاكرتك تتحدث، وأنتِ بدأتِ تسمعين. الآن أرمي الهاتف. الآن."
انقطع الخط.
نظرت إلى الهاتف في يدها كما لو كان عقرباً. كانت تعلم أنه محمّن. شركة الأمن التي تعمل فيها هي التي زودتها به. كان يمكن أن يكون جهاز تعقب، أو أسوأ، جهاز تنصت دائم.
أمسكته بقوة، وخرجت من الممر الخلفي إلى زقاق ضيق. مشيت بخطوات سريعة غير منتظمة، تنظر خلفها بين الحين والآخر. بعد مائتي متر تقريباً، رأت قناة صرف مفتوحة. توقفت للحظة، ثم بكل قوتها، رميت الهاتف في المياه السوداء المتدفقة. اختفى في الظلام دون صوت.
شعرت بفراغ غريب. كانت منقطعة عن العالم تماماً. لا أصدقاء، لا عائلة تثق بها (والدتها توفيت منذ سنوات، ووالدها بعيد)، لا ملاذ. فقط ظلٌ مجهول في نهاية هاتف عمومي، وذكريات غريبة تدفعها نحو مدينة على البحر.
كانت بحاجة إلى مال، وتذكرة، وتغيير مظهرها. فكرت في بطاقات الائتمان الخاصة بها. سيتم تجميدها أو تعقبها فوراً. فتحت محفظتها. بعض النقد. يكفي ربما لتذكرة حافلة. لكنها بحاجة إلى أكثر من ذلك.
ثم تذكرت. "المحفظة الرمادية". في ذروة جنون العمل قبل أشهر، عندما كانت تخشى من قرصنة البيانات، أنشأت محفظة مشفرة سرية على بلوكتشين، وحولت إليها جزءاً صغيراً من مدخراتها. كانت المفاتيح مخبأة في... في...
في الكود.
أخرجت كمبيوترها المحمول وفتحته، متكئة على جدار متهالك. الاتصال بالإنترنت كان مجازفة، لكنها مجازفة ضرورية. استخدمت شبكة وايفاي مفتوحة ضعيفة من مقهى قريب، عبر برنامج إخفاء هوية بدائي.
دخلت إلى بيئة البرمجة الخاصة بها، وفتحت مشروعاً قديماً كان تبدو كأنه محاكاة لتأثيرات الطقس. بدأت في تعديل سطور من الكود التي تبدو عشوائية. كانت هي الشفرة. قامت بتشغيل برنامج صغير خاص بها قامت ببنائه منذ سنوات كتحدي ذاتي. البرنامج بدأ في فك تشفير سطور الكود المحددة، محولاً إياها إلى سلسلة طويلة من الأحرف والأرقام: مفاتيح المحفظة الرمادية.
دخلت إلى الشبكة المظلمة باستخدام بوابة مؤقتة، ووصلت إلى محفظتها. كانت الأموال لا تزال هناك. ليست ثروة، لكنها تكفي للاختفاء لبعض الوقت. حولت جزءاً صغيراً إلى عملة ورقية يمكن صرفها في أماكن معينة غير رسمية في سوق الذهب.
أغلقت الكمبيوتر. الآن للمظهر. دخلت إلى متجر ملابس رخيصة ومكتظ. اشترت بنطالاً جينزاً أسود بسيطاً، وقميصاً رمادياً فضفاضاً، وجاكيتاً ذات قلنسوة، وقبعة بيسبول داكنة. في الحمام العام القريب، غيرت ملابسها، وربطت شعرها الطويل في كعكة مشدودة واخبأته تحت القبعة. نظرت في المرآة المشوهة. لم تكن تُسر مبرمجة "سايبر دين" الأناقة. كانت مجهولة.
توجهت إلى محطة الحافلات. كانت الحافلة المتجهة إلى الإسكندرية تغادر خلال ساعة. اشترت تذكرة بالكاش، واختارت مقعداً في الخلف بجانب النافذة. جلست منحنية إلى الأمام، قبعة منخفضة على عينيها، تتابع كل من يدخل المحطة.
قبل إقلاع الحافلة بدقائق، رأتهم. رجلان يرتديان ملابس مدنية عادية، لكن طريقة وقوفهما، وطريقة مسحهما للمكان بأبصارهما المنظمة، كانت تكشفهما. أحدهم كان يمسك جهازاً صغيراً – ربما كان ماسحاً حرارياً أو متتبعاً للإشارات.
أمسكت بنفسها. كانت تختبئ في ظل عمود. الحافلة بدأت المحرك.
أحد الرجال نظر باتجاه الحافلة. توقفت أنفاسها. كان يبدو وكأنه يحدق مباشرة نحو نافذتها. ثم التفت وتحدث إلى شريكه، وأشار باتجاه مختلف. ربما كان هناك هدف آخر، أو ربما كانت مخبأة بما يكفي.
ببطء، ببطء مؤلم، بدأت الحافلة بالتحرك، وخرجت من المحطة إلى زحام الشوارع المسائية. فقط عندما ابتعدت المحطة تماماً عن ناظريها، أخرجت نفسها من الظل وسمحت لنفسها بالتنفس.
الطريق إلى الإسكندرية استغرق ساعات. كانت الليالي مظلمة خارج النافذة، منقطة بأنوار متفرقة لمدن صغيرة. النوم كان مستحيلاً. كل مرة كانت تغمض عينيها، كانت ترى الدائرة الخضراء النابضة، أو وجه د. كمال المتصلب، أو الفراغ المخيف تحت أقدامها على حافة المبنى.
لكن شيئاً آخر بدأ يحدث. الهدوء النسبي، إيقاع الحافلة، حرمانها من النوم – كلها فتحت باباً في ذهنها. لم تكن رؤى كاملة، بل أحاسيس. رائحة مياه مالحة مختلطة بغبار الحجر الجيري. إحساس بحرير رقيق على جلدها. وهمس، هذه المرة بلغة كانت تفهمها – لغة يونانية قديمة، ولكن بنبرة مختلفة:
"الحقيقة ليست جوهرة واحدة، بل فسيفساء... كل قطعة في مكانها الخطأ. المنارة لا ترشد السفن فحسب، بل تحرس الباب..."
فتحت عينيها فجأة. كانت الحافلة قد توقفت في محطة استراحة. بعض الركاب نزلوا للتدخين أو لشراء مشروبات. نظرت إلى ساعتها الرقمية البسيطة. منتصف الليل. بقي ساعة على الموعد عند الهاتف العمومي.
نزلت من الحافلة، واختلطت بحشد صغير، ثم انسلت بعيداً نحو الشاطئ. هواء البحر البارد ضرب وجهها، حاملاً معه رائحة الملح والوقت. وجدت رصيف الميناء القديم. كانت المنطقة شبه مهجورة، تضيئها أعمدة إنارة صدئة تبعث ضوءاً برتقالياً متقطعاً. مستودع رقم 5 كان مبنى طويلاً من الطوب الأحمر، نصفه مدمر.
وكان هناك، تحت عمود إنارة مكسور، هاتف عمومي قديم بلونه الأصفر الباهت.
اقتربت ببطء، كل حاسة فيها متيقظة. لا أحد في الأفق. فقط أمواج البحر تتكسر على الأرصفة الحجرية بصوت رتيب.
في الساعة الواحدة صباحاً بالضبط، رن الهاتف.
دقت رنينه الحاد في الليل الهادئ كجرس إنذار. ترددت لثلاث رنات، ثم رفعت السماعة.
"لا تقل اسمك." قال نفس الصوت الهادئ. "امشي بمحاذاة الرصيف باتجاه الشرق. ستجد سلماً حديدياً ينزل إلى الماء. انزليه. سأكون في القارب."
"كيف أعرف أن هذا ليس فخاً؟"
"لأنك لو كنتُ منهم، لكنت قتلتك وأنتِ نائمة في الحافلة." قال ببساطة. "لديك قطعة من اللغز. وأنا لدي قطعة أخرى. معاً، قد نعرف الحقيقة. لوحدنا، سنموت جهلاً. الخيار لك."
نظرت إلى البحر الأسود، ثم إلى السماعة في يدها. كانت في مفترق طرق. العودة إلى عالم يعرفها كان مستحيلاً. الأمام كان مجهولاً، وخطيراً.
لكن هناك، في صمتها الداخلي، كان صوت الهمس اليوناني القديم يتردد: "تحرس الباب..."
"سأنزل." قالت، وأغلقت السماعة.
مشيت باتجاه الشرق كما أمر، قلبها ينبض كطبل حرب في صدرها. في الظلام، وجدت السلّم الحديدي المتآكل. نظرت إلى الأسفل. كان هناك قارب صيد صغير متهالك، يرفرف بلوحته الخشبية على الماء. وشخصية وحيدة تقف فيه، ملفوفة بمعطف داكن، وجهها مخفي في الظل.
لم تكن تعلم من هو، أو إلى أين سيأخذها. كل ما تعلمه هو أن اللعبة قد تغيرت. لم تعد مطارَدة فقط. أصبحت صائدة للحقيقة الآن. ونزلت على السلّم الحديدي البارد، نحو القارب، والأمواج، والظل الذي ينتظرها.