عهد الظلال - الظلال في الزجاج الفصل 2 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: عهد الظلال
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الظلال في الزجاج الفصل 2

الظلال في الزجاج الفصل 2

كانت رائحة المطهر في العيادة حادة لدرجة تكاد تحرق الأنف. يُسر جالت في المقعد المريح الزائف، محاولة أن تبدو طبيعية. كانت ترتدي نفس ملابس العمل الرسمية - بلوزة كحلية وبنطلون أسود - لكن حقيبة الظهر التي تحملها تحتوي على كل ما تملكه في العالم الآن. النبض الخفي للخطر كان يدق في صدغها، أقوى من نبضات قلبها. "يُسر، أنت تبدين متوترة أكثر من المعتاد." قال د. كمال من خلف مكتبه الواسع المصنوع من خشب زان. ابتسامته كانت دافئة، مثقفة، مثالية للغاية. كان يرتدي نظارة طبية ذات إطار رفيع، تلمع عليها انعكاسات شاشة الكمبيوتر المحمول الخافتة. "ليالي طويلة في العمل، دكتور. مشروع معقد." أجابت، صوتها متحكم فيه بعناية. "نعم، مشروع 'التوتر البيوميكانيكي'، أليس كذلك؟" قال، وأصابعه تمر سريعاً على لوحة المفاتيح دون أن ينظر إليها. "سجلت دخولك على النظام أمس في وقت متأخر جداً. ثم… توقف النشاط فجأة. هل حدثت مشكلة؟" كان السؤال عادياً، لكن عينيه، اللتين نظرتا إليها فوق حافة النظارة، كانتا تحملان فضولاً حاداً لا يناسب طبيباً نفسياً. "عطل تقني." قالت بسرعة. "قررت أن أستريح." "فهمت." قال د. كمال، ودفع نفسه بعيداً عن المكتب قليلاً. "لنتحدث عن هذه الأحلام. في جلستنا الأخيرة، ذكرتِ… خنجراً منحنياً. هل ظهر مرة أخرى؟" لاحظت يسر كيف أن يده اليمنى تحركت نحو درج مكتبه السفلي، ثم توقفت. إشارة عصبية؟ أم كان يصل لشيء؟ "ربما." قالت، متجنبة النظر المباشر. "لكن اليوم، أريد أن أسأل عن شيء آخر. هل سمعت عن ظاهرة تسمى 'الذاكرة الجينية العابرة'؟" صمت د. كمال لجزء من الثانية طويلة بما يكفي ليكون ملحوظاً. الابتسامة لم تختف، لكنها تصلبت قليلاً. "موضوع مثير للجدل في أوساط علمية معينة. لماذا تسألين؟" "قرأت مقالاً." كذبت. "بدا مهماً. كأنه يفسر… أشياء كثيرة." "يُسر،" قال بصوت ناعم، ناصح، "ما تمرين به هو نتيجة صدمة الطفولة المكبوتة، كما ناقشنا. هذا النوع من النظريات المتطرفة سيثير قلقك فقط. دعينا نركز على الحاضر." لكنها لم تعد تستمع. نظرتها انجذبت إلى شاشة الكمبيوتر المحمول المائل قليلاً على مكتبه. لم يكن مفتوحاً على ملفها الطبي. كان مفتوحاً على واجهة مراقبة. خطوط بيضاء تمثل مخططاً قلبياً، موجات دماغية… موجات دماغها. كان متصلاً بمقعدها. كانت البيانات تُسجل. الصدمة جمدتها للحظة. كان كل شيء هنا مجرد غطاء. الجهاز كان مسجلاً لاستجاباتها الفسيولوجية. "د. كمال،" قالت، محاولة إبقاء رعبها خارج صوتها، "أعتقد أنني… أتذكر شيئاً جديداً. عن منارة." في نفس اللحظة، على الشاشة، خط مخطط موجات الدماغ قفز فجأة، يرسم قمة حادة. تنبه د. كمال لها. عيناه اتسعتا قليلاً. "منارة الإسكندرية؟" سأل، محاولاً الحفاظ على هدوء صوته، لكن هناك جشعاً خلفه. كان هذا هو الدليل الأخير. لقد وضعت الطعم، وابتلعه. إنه واحد منهم. "نعم." قالت، وبدأت تتحرك. وقفت ببطء، كما لو كانت تشعر بالدوار. "أشعر بصداع شديد… أحتاج بعض الماء." "بالطبع، أجلسي، سأجلب لك." قال وهو يقف، ويده تفتح درج المكتب السفلي على مصراعيه هذه المرة. لم تنتظر لترى ما سيخرجه. في اللحظة التي التفت فيها نحو خزانة الماء الصغيرة، تحركت يُسر بسرعة ثعبان. ليس باتجاه الباب – كان مقفلاً بإحكام بالتأكيد – بل نحو النافذة الزجاجية الكبيرة المطلة على شارع الشيخ زايد السفلي من الطابق الحادي والعشرين. "يُسر! توقفي!" صرخ د. كمال، ويده تخرج من الدرج وهي تمسك بمسدس صغير يشبه مسدس التخدير. لكنها لم تكن تنوي القفز. كانت ذاكرتها الجينية تتحرك الآن بدون أمر منها. تحركت يداها، لا إلى إطار النافذة، بل إلى جوانب لوح الزجاج السميك. أصابعها بحثت بسرعة، تحت الإطار المعدني، حتى وجدت ما تبحث عنه: مسمار صغير، بارز قليلاً، صنعه التآكل. نقطة الضعف. "البوابة ليست في الأسفل، دكتور." قالت، وصوتها يحمل نبرة هي ليست نبرتها تماماً. نبرة أكثر صلابة، وأقدم. "إنها في نقاط التحول." وضغطت. كانت قوة الضغط محسوبة بدقة مذهلة، على المسمار، بزاوية غير منطقية. صوت شرخ حاد مثل الرعد انطلق عبر الزجاج السميك. ثم، ليس انهياراً، بل تقشراً – شبكة من الشقوق انتشرت من نقطة الضغط، مشكلة نمطاً متقناً يشبه نسيج العنكبوت. د. كمال أطلق المسدس. صافرة خافتة، وأبرة تخدير طارت في الهواء. لكن يُسر كانت قد التفت جانباً بالفعل. الإبرة اخترقت الزجاج المتشقق، مما جعل جزءاً منه ينهار نحو الداخل، مكوناً فتحة غير منتظمة بحجم رأس. الرياح العاتية على ذلك الارتفاع دخلت بزمجرة. "إنها مجنونة! أوقفوها!" صاح د. كمال في جهاز اتصال. أبواب العيادة انفتحت بقوة. دخل رجلان يرتديان بذلات سوداء، ليسوا حراس عيادة، حركتهم سريعة وهادئة. محترفون. لم يكن هناك وقت للتفكير. الغريزة أخذت زمام الأمور. أمسكت يُسر بحقيبة ظهرها ودفعتها بقوة عبر الفتحة في الزجاج، خارج المبنى. ثم، في حركة واحدة سلسة – حركة شعرت أنها قامت بها ألف مرة في أحلامها – وضعت قدميها على حافة النافذة وقفزت. ليس للأسفل، بل جانباً. كان هناك إفريز زخرفي من الحجر بعرض كف اليد يحيط بالمبنى تحت صف النوافذ مباشرة. قدميها هبطت عليه بثبات مذهل، وظهرها ملتصق بالزجاج المتبقي. الريح ضربتها بقوة، مهددة بتمزيقها من موقعها الضئيل. تحتها، مباشرة، امتدت مساحة فارغة لـ 21 طابقاً تنتهي بالأسفلت. سمعت صراخاً خافتاً من داخل الغرفة. أحد الرجال السود كان يحاول الزحف نحو الفتحة. نظرت يُسر لليسار. كانت تبعد حوالي عشرة أمتار عن زاوية المبنى، حيث تلتقي نافذتان وتشكلان دعامة. كانت مسافة مستحيلة. ثم تذكرت. الذاكرة العضلية. الرعشة في يدها. لم تكن ضعفاً. كانت استدعاءً. أغلقت عينيها للحظة، واستسلمت للإحساس. لم تكن تبحث عن ذاكرة، بل عن إيقاع. إيقاع التنفس، وتوتر العضلات، وتوزيع الوزن. عندما فتحت عينيها، كانت نظرة الرعب قد حل محلها تركيز بارد، غريب. تحركت. يدها اليمنى، بقبضة غير عادية، ضربت الزجاج المجاور لها ليس لكسره، بل للاستناد عليه للحظة. ثم اندفعت بسرعة على طول الإفريز الضيق، خطواتها قصيرة، سريعة، ومرنة. كانت لا تمشي، بل تتزلج على الحافة. الريح صفرت في أذنيها، ولكن داخلها، كان هناك صمت غريب، صلاة صامتة لسلف لم تعرف اسمه، لكنه علمها هذه الخطوة منذ قرون. الرجل عند النافذة أطلق مسدسه مرة أخرى. الإبرة أخطأتها ببوصات، واخترقت الزجاج خلفها. خمسة أمتار. ثلاثة. كانت زاوية المبنى تقترب. لكن الإفريز كان ينتهي قبلها بمترين، ليُستبدل بنافذة زجاجية ناعمة بدون أي حافة. لم تتردد. في اللحظة التي وصلت فيها لنهاية الحجر، دفعت نفسها بقوة لأعلى ولجانب، ويديها ممدودتان. أصابعها التقطت ليس إطار النافذة، بل الفواصل المعدنية الرأسية بين ألواح الزجاج. كانت رفيعة، زلقة، ولكن قبضتها كانت حديدية. علقت هناك للحظة، تتأرجح في الهواء، قدميها تبحثان عن نقطة ارتكاز. ثم، باستخدام قوة ذراعيها فقط، سحبت جسدها لأعلى، وقدمها اليسرى ركلت الزجاج بجانب القفل. كان زجاجاً مقاوماً للكسر، لكن الصدمة في النقطة الصحيحة فتحت النافذة للداخل بفرقعة. تسلقت للداخل، وهبطت على أرضية ممر مهجور في المبنى. كانت ترتجف من الأدرينالين والرعب، لكن شيئاً ما بداخلها كان يهتف بانتصار غريب. نظرت للخلف، نحو نافذة العيادة البعيدة. رأت ظلاً صغيراً لد. كمال وهو يحدق إليها، وجهه مشوهاً بالغضب والدهشة. كانت حرة. لكنها كانت الآن مطاردة. التقطت حقيبتها، وهرولت باتجاه مخارج الطوارئ. في رأسها، كانت كلمات الرسالة المجهولة تحترق كخريطة: "اهربي الآن." ولكن إلى أين؟ الرجل ذو الخنجر والزيتون كان قد أرسل الرسالة. كان يريد مقابلتها. كان طريقها الوحيد الآن هو النزول إلى الشارع، والاختفاء في بطن المدينة، وإيجاد الظل الذي أرسل إليها الإنذار. لقد بدأت اللعبة. ولعبة الظلال لا تترك للاعبين إلا خيارين: الفوز، أو الموت في صمت.