الخطاء ليست عشوائيه الفصل1
كان الشاشة الزرقاء هي ملاذها.
في عالم يصرخ فيه كل بكسل بلون وضوضاء ومعلومات، كانت شاشة الترميز الصامتة هي المكان الوحيد حيث تسود معادلات منطقية. يُسر تنقر على لوحة المفاتيح بإيقاع مألوف، عيناها الخضراوان تتتبعان سطور الكود التي تتدفق كشلال منظم. خارج نافذة شقتها الصغيرة في دبي، كانت أبراج الخليج تلمع كقطع إدنو عملاقة تحت ضوء القمر، ولكنها لم تلتفت.
عملها في شركة "سايبر دين" للأمن السيبراني كان مملاً بمثالية. تحليل الثغرات، بناء الجدران النارية، مطاردة المتسللين الافتراضيين. كان نظاماً. وكانت هي تحب النظم.
لكن جسدها كان يخونها مؤخراً.
ارتجافة خفيفة في يدها اليسرى، وهي نفس اليد التي تضغط على زر "التنفيذ". رعشة لا إرادية، كما لو أن عضلاتها تتذكر حركة لم تقم بها هي. تجاهلتها. إرهاق.
هاتفها الذكي اهتز. رسالة من د. كمال، طبيبها النفسي: "جلسة الغد الساعة العاشرة صباحاً. لا تنسي، يُسر. من المهم أن نتعمق أكثر في تلك الأحلام."
عضت شفتها. "الأحلام". لم تكن أحلاماً. كانت اقتحامات. مشاهد ساطعة، قصيرة، عنيفة، تأتي في لحظات الصحو. رائحة تراب بلاد الشام المحروق بشمس الظهيرة. وقع أقدام على أسطح قرميدية في مدينة قديمة لا تعرفها. ومؤخراً، الإحساس المخيف بيد تمسك بخنجر منحني، خفيف كالريشة، قاتل كالسم.
هزت رأسها بعنف، كما لو أنها تستطيع إخراج تلك الصور بعيداً. ركزت على الشاشة. كان بين يديها برنامج محاكاة جديد أرسله قسم الأبحاث للتجربة. مكتوب عليه "محاكاة التوتر البيوميكانيكي – النموذج 7.1". غريب. لم يكن قسمها يتعامل مع المحاكاة البيوميكانيكية عادة. لكن الأوامر كانت واضحة: اختبار ثبات البرنامج، البحث عن أي شذوذ في الكود.
فتحته.
لم يكن هناك نموذج تشريحي أو محاكاة للعضلات كما توقعت. كانت الواجهة نظيفة، بغيضة النظافة. خلفية سوداء، وفي المنتصف دائرة خضراء نابضة بانتظام، مثل نبضة قلب، أو مثل مؤشر تماسك إشارة في جهاز ما.
"واجهة بدائية جداً،" همست لنفسها، وأصابعها بدأت تتحرك تلقائياً لتشغيل أدوات التتبع والتحليل الخلفية.
ثم سمعتها.
أزيز.
لم يكن الآيز يأتي من السماعات. كان يأتي من خلف عينيها. صوت ميكانيكي منخفض، يصعد في النبرة ثم يهبط، مترافقاً مع نبض الدائرة الخضراء على الشاشة. وشعرت بدوار خفيف، كما لو أن الأرض تحت كرسيها لم تعد ثابتة تماماً.
"ماذا–؟"
قبل أن تكمل، انفجرت الدائرة الخضراء إلى شلال من الرموز. لم تكن لغة برمجة تعرفها. كانت رموزاً معقدة، متداخلة، تشبه الكتابات المسمارية المختلطة بشيفرات رياضية متقدمة. كانت تتدفق بسرعة رهيبة، ولكن شيئاً ما في عقل يُسر – ليس الجزء الواعي، بل شيء أعمق، أقدم – كان يفهم.
لم تكن تقرأها. كانت تشعر بها.
الكود كان يروي قصة. قصة سقوط. قصة مدينة عظيمة تحت سماء مختلفة، تنهار تحت وطأة… شيء. غضب سماوي. دمار. ثم هدوء. وأمل مخبأ في… في…
ألم.
طعنة حادة في جانب رأسها، كأن سكيناً من ثلج اخترق جمجمتها. أغمضت عينيها بقوة، وأصابعها تشبثت بحافة الطاولة. الرموز كانت تحترق الآن على شبكية عينها المغلقتين. وأصبح الأزيز صوتاً، صوتاً بشرياً، حزيناً، يهمس بلغة غنية ومجهولة، لكن المعنى وصل إليها مباشرة إلى الروح:
"الذاكرة… لا تموت. إنها تنتظر في الدم… في العظام… ابحثي عن البوابة… تحت البرج الذي يحمل القمر…"
"كفى!" صرخت يُسر، وهي تقفز من كرسيها، مبتعدة عن الشاشة كمن لسعته أفعى.
الغرفة كانت هادئة فجأة. الأزيز توقف. على الشاشة، عادت واجهة البرنامج إلى صورتها الأولية: الدائرة الخضراء تنبض بهدوء مريب، كما لو أن شيئاً لم يحدث.
لكن شيئاً قد حدث.
يديها كانتا ترتعشان بوضوح الآن. وجسدها كله كان يتصبب عرقاً بارداً. وصوت الهمس لا يزال يتردد في أذنيها الداخليتين. البوابة. البرج الذي يحمل القمر.
تنفست بعمق، محاولة استعادة السيطرة على نفسها. هذا كان أكثر من مجرد هجمة "حلم" عابرة. هذا كان تفاعلاً. البرنامج أثار شيئاً بداخلها. كان برنامج ذاكرة. كان أنيموساً بدائياً. وفجأة، كل التحذيرات الغامضة، اجتماعات الشركة المغلقة، والأموال الطائلة التي تضخ في قسم الأبحاث غير المعلن النتائج… كلها بدت وكأنها تشكل صورة مرعبة.
"سايبر دين" لم تكن مجرد شركة أمن. كانت واجهة. واجهة لـ الأبطال.
الفكرة ضربتها كصاعقة. لطالما استهانت بنظريات المؤامرة التي تسمعها على هامش الإنترنت. ولكن هذا… هذا كان دليلاً ملموساً. دليلاً كان بداخلها، يصرخ منذ سنوات عبر ذاكرتها الجينية، وهي تتجاهله باسم المنطق.
نظرت إلى الشاشة. الدائرة الخضراء كانت لا تزال هناك. كانت تراقب. كانت تسجل.
الرعب تحول إلى تركيز حاد. لو كانت على حق، فهي الآن في خطر حقيقي. هذا "الحادث" سيكون قد سجل. د. كمال… كان جلسته غداً محاولة أخرى للوصول إلى ذاكرتها؟ هل هو واحد منهم؟
تحركت بسرعة. أصابعها، التي كانت ترتعش قبل لحظات، طارت الآن على لوحة المفاتيح بقوة ميكانيكية. شغلت برامجها الخاصة للتشويش والتشفير. بدأت في فك طبقات الحماية الداخلية للبرنامج الغريب، ليس كموظفة تختبر نظاماً، بل كمتسللة تبحث عن خلاصها.
وبينما كانت تعمل، جزء من وعيها كان يحفر في الذاكرة الحديثة. "البرج الذي يحمل القمر". كانت قد قرأت شيئاً… في تقرير قديم عن آثار الشرق الأوسط… بُرج… قمر…
ثم وجدتها.
في دفتر ملاحظاتها الرقمي، بين مقاطع كود عشوائية، كانت قد دونت قبل أشهر، أثناء نوبة من تلك "الهلاوس"، كلمة واحدة: "المنارة".
فجأة، كل شيء اتصل. المنارة. الإسكندرية. البوابة. كانوا يبحثون عن شيء. وكانت ذاكرتها تحمل المفتاح.
في تلك اللحظة، هاتفها الشخصي، غير المرتبط بشبكة العمل، اهتز برسالة من رقم مجهول. لم يكن هناك نص. فقط صورة رمزية صغيرة: نصل خنجر منحني، بسيط، قديم، متقاطع مع فرع زيتون. شعار الإخوان.
وتحت الصورة، ثلاث كلمات بالعربية:
"هم يعرفون. اهربي الآن."
نظرت يُسر من نافذتها إلى المدينة اللامعة. الأبراج التي كانت تبدو كإنجازات بشرية، الآن بدت كأقفاص ذهبية، أو كأبراج مراقبة. الأخطاء في الكود لم تكن عشوائية. كانت رسائل. والرسالة الآن كانت واضحة: حياتها كموظفة، كامرأة عادية، قد انتهت.
التقطت حقيبة ظهرها الصغيرة، وألقت فيها محول الطاقة، هاتفها، ودفتر ملاحظاتها الورقي القديم. قبل أن تطفئ الكمبيوتر، نظرت آخر نظرة إلى الدائرة الخضراء النابضة على شاشة الشركة.
"سأجد البوابة قبل أنتم،" همست، وكأنها تعد وعداً لنفسها وللصوت الحزين في رأسها.
ثم أغلقت الباب خلفها، واختفت في الممر المظلم، حاملة معها أسرار ماضيها السحيق، ووعوداً بمستقبل مليء بالظلال.