رواية تاج في الظل - الفصل الثالث عشر - بقلم هبة نبيل | روايتك

اسم الرواية: رواية تاج في الظل
المؤلف / الكاتب: هبة نبيل
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثالث عشر

الفصل الثالث عشر

"بيت غفران" جلست غفران قرب النافذة الخشبية الصغيرة، وأشعة الصباح الباكر تتسلل إلى الغرفة البسيطة كأنها خيوط من ذهب تنسج حولها هالة دافئة. كانت يدها تعبث بطرف وشاحها وهي غارقة في شرود عميق. عيناها لم تكونا تنظران إلى شيء بعينه، بل كانتا تسافران بعيدًا، إلى تلك الليلة التي جمعتهما تحت ضوء القمر، حيث وقف أمامها بابتسامته الهادئة، ونظراته التي لم تزل تحاصر قلبها. كانت تتذكر صوته وهو يقول لها: —هذا لم يشغلني… الغنى والفقر لا يحددان مكانة الإنسان في قلبي. أنا لا أراكِ بملابسك البسيطة، بل بشجاعتك، بصدقك، بكلماتك التي لا تشبه كلمات أحد… بدعمك الدائم لي. وتتذكر كيف اقترب منها أكثر، وصوته يخفت كأنه يبوح بسر لم يسمعه أحد سواها: —ربما معكِ حق… أنا رجل تحيط به الظلال. لكن حين أجلس معك… يختفي كل هذا، وأشعر أني إنسان بسيط، ليس جنديًا ولا قائدًا ولا حتى ملكًا… إنسان عادي لا يملك سوى قلبه. حينها، ارتجف قلبها كما يرتجف الآن وهي تستعيد كلماته. ضحكته القصيرة الدافئة عادت لتهز أعماقها، ونظراته التي لم تشبه نظرات أي رجل آخر، كانت كأنها تُمسك روحها بين يديه. لم تنتبه غفران أن ابتسامة صغيرة قد ارتسمت على وجهها، وأن وجنتيها تورّدتا وهي غارقة في الذكرى، حتى فُتح باب الغرفة ودخلت سهام، شقيقتها الصغرى ذات العشرين عامًا، وهي تحمل بعض الحطب. توقفت لبرهة تراقب غفران، ثم ابتسمت بمكر وقالت: سهام: – يا الله… أهذه غفران أختي؟ أجلسكِ الفجر في هذا الركن وأنتِ تبتسمين لنفسك كفتاة صغيرة في الحكايات؟ ما الذي يجعلك تبتسمين هكذا؟ انتفضت غفران قليلًا، وضغطت على وشاحها محاولة أن تخفي ارتباكها: – ماذا تقولين يا سهام؟ كنت فقط… أفكر. جلست سهام بجانبها، وضعت الحطب جانبًا وأسندت رأسها إلى كتف أختها وهي تبتسم بدهاء: – تفكرين؟ أم أنكِ ما زلتِ تسمعين صوته في أذنيك؟ تسارعت أنفاس غفران للحظة، وفتحت فمها لتعترض لكنها لم تستطع إنكار ذلك. فصمتت، وأسندت رأسها إلى الجدار. ابتسمت سهام ابتسامة أوسع، وقالت برفق: – لقد غيّركِ يا غفران. أراه في عينيكِ… ذلك الرجل ايا كان لم يترككِ كما كنتِ. أغمضت غفران عينيها، وهمست: – كلماته يا سهام… جعلتني أرى نفسي مختلفة. جعلتني أصدق أنني أكثر من مجرد فتاة تعيش في قرية بسيطة. سهام، وقد تخلت عن مزاحها، أمسكت بيد أختها بحنان وقالت: – هذا جميل… لكن تذكري، يا أختي، أن الكلمات مثل السحر… قد تبني عالمًا، وقد تحرق القلب لو لم تكن صادقة. غفران – بصوت خافت، وهي ما زالت عالقة في الذكرى: – لا أدري… لكنني شعرت أن قلبه كان يتحدث لا لسانه. ومن يعرف قلبه… لا يمكن أن يكون كاذبًا. ساد صمت طويل بين الأختين، فقط تغريد العصافير من الخارج كان يملأ المكان، بينما بقيت غفران غارقة في كلماته، كأنها لا تزال تسمعها من فمه الآن. "لقاء جديد مع العرافة" كان النهار يوشك أن يميل إلى العصر، والسماء ملبّدة بسحب خفيفة تُلقي بظلالها على الحقول الممتدة. سار سليمان بخطوات مترددة عبر الطريق الضيق بين الأشجار، عينيه تترقبان من حوله وكأنه يخشى أن يراه أحد. لم يكن بصحبته هذه المرة لا جندي ولا نزار، ولا حتى غفران… وحده، يتبع إشارات غامضة قادته إلى كوخ قديم عند أطراف الغابة. كوخ صغير، جدرانه من الطين المتشقق وسقفه من القش اليابس، لكن ما إن اقترب حتى شعر بأن المكان يملك هيبة خاصة، كأن الأرض تحيطه بسكون لا يشبه سكون أي مكان آخر. تردد لحظة عند الباب، ثم مد يده ودفع الخشب المتهالك. صرير الباب اخترق الصمت، وحين دخل، استقبله صوتٌ خافت، نسائي، لكنه عميق وممتلئ بالغموض: العرّافة: – مرحبًا بك… يا سليمان. تجمد جسده للحظة، واتسعت عيناه، كأن السقف انخفض على صدره فجأة. أخذ خطوة إلى الوراء دون وعي، وصوته خرج متوترًا: – ماذا قلتِ؟ ابتسمت العرّافة، ثم جلست خلف طاولة خشبية صغيرة، فوقها أوعية من الطين وأعشاب جافة، وأشارت بيدها بثبات: العرّافة: – اجلس… لا تخشَ شيئًا. لا أحد يسمعنا هنا الأن. اُسميك بما وُلدت به… لا بما تختبئ خلفه. ابتلع سليمان ريقه، قلبه يخفق كطبول حرب، وجلس ببطء على المقعد المقابل لها. ظل يراقبها بعينين ضيقتين، مستعدًا للنهوض في أي لحظة. سليمان: – من أنتِ؟ وكيف… كيف عرفتِ اسمي الحقيقي؟ لا أحد هنا يعرفه. ضحكت العرّافة ضحكة قصيرة، أقرب إلى الهمس، وقالت: – أنا لستُ من ’هنا‘… أنا من حيث تتكلم الريح مع الأشجار، وتخبرني بما لا يقوله البشر. أسماؤكم، أسراركم، أقداركم… كلها تمر على مسامعي. مال سليمان إلى الأمام، صوته يخرج أكثر حدة: – إن كنتِ تعرفين من أكون… فاحذري أن تنطقي هذا الاسم أمام أحد. حياتي وحياة غيري ستنتهي إن خرج هذا السر. رفعت العرّافة يدها وكأنها تقطع الهواء، وقالت بثقة: – أعلم ذلك اطمئن. واجلس أنا لستُ من يخون الأسرار… بل من يكشفها لأصحابها. فقط ساد صمت قصير، لم يسمع فيه سليمان سوى حفيف الأعشاب الجافة المعلقة في السقف وهي تتحرك مع نسمة خفيفة دخلت من النافذه. أخيرًا، تكلمت العرّافة بصوت أعمق: – جئت إليّ اليوم لأنك تشعر بالثِقل داخل صدرك… لأنك لم تعد تميز بين الطريق الذي ينبغي أن تسلكه، والطريق الذي سيجلب لك الهلاك. حدق فيها سليمان طويلًا، ثم قال بصوت منخفض: – ربما… لكن إن كنتِ تعلمين اسمي، فاعليكِ ان تعلمين أيضًا ما يخفيه قدري. قولي لي إذن… ماذا ينتظرني؟ ابتسمت العرّافة، ثم مدت يدها إلى وعاء صغير فيه ماء عكر. أخذت ترسم بإصبعها دوائر على سطحه وهي تهمس بكلمات غير مفهومة. فجأة، توقفت، رفعت رأسها، وعيناها اللامعتان تثبتان فيه بقوة: العرّافة: – ما ينتظرك… هو عرش يقطر بالدماء. سيهتف الناس باسمك، لكنّ السيوف ستُشهر عليك قبل أن يهتفوا. سيقف قلبك بين اختيارين… إما أن تظل رجلًا يحمل قلبًا بسيطًا كما كنت مع تلك الفتاة… أو أن تتحول إلى ملك يلتهمه صراع الممالك. ارتجف سليمان وهو يسمع كلماتها. انكمش صدره أكثر، وصوت غفران وضحكتها مرَّ بخاطره في تلك اللحظة، فتمتم دون وعي: – أنا لا أريد العرش… لا أريده ولكني اريد ان استرد مملكتي واسترد معها كرامتي كان هذا انقلاب كاذب. أجابته العرّافة بابتسامة باهتة، كمن يعرف أن كلماته لا تُغير شيئًا: – الأقدار لا تسألك إن كنت تريد أم لا يا سليمان… بل تدفعك إليها كما تدفع الريح غصنًا هشًّا. لكن تذكّر… قلبك، لا عرشك، هو الذي سيقرر أي نهاية ستكون لك. خيم صمت ثقيل على المكان. ظل سليمان جالسًا، يحدق في عينيها الغامضتين، وقلبه يشتعل بأسئلة لا تنتهي. "الشكوك تتسلل" خرج سليمان من كوخ العرّافة ببطء، والهواء العليل الذي ملأ رئتيه لم يطفئ اضطراب قلبه. كان النهار ما يزال في منتصفه، والشمس تتسلل بين أغصان الأشجار، لكن في داخله كان الظل أثقل من أي نور. كلمات العرّافة ما زالت ترنّ في أذنه: "ما ينتظرك… عرش يقطر بالدماء… قلبك، لا عرشك، هو الذي سيقرر أي نهاية تكون لك" شدّ عباءته على كتفيه، وحاول أن يستعيد صلابته، لكن خطواته كانت متعثرة. وبينما هو يخرج من الممر الضيق الذي يؤدي إلى الحقول، وجد أمامه نزار واقفًا، وكأن القدر وضعه في طريقه عمدًا. كان نزار، ذاك الفارس، ذو العينين الحادتين، يقف مسندًا نفسه إلى جذع شجرة، يراقب صديقه بتفحص. ابتسم ابتسامة صغيرة لكنها لم تصل لعينيه: – أخيرًا خرجت، يا نصر الدين. توقف سليمان في مكانه، توترت ملامحه، وقال محاولًا أن يخفي ارتباكه: – نزار… ما الذي جاء بك إلى هنا؟ اقترب نزار ببطء، وصوته يزداد جدية: – هذا ما عليّ أن أسألك أنا. كنت أظن أن عندك اجتماعًا مع بعض الفلاحين… فإذا بك تختفي بين الأشجار، وتدخل إلى كوخ مهجور! ماذا هناك؟ أطرق سليمان للحظة، يبحث عن الكلمات. لم يشأ أن يفضح ما سمعه، ولا أن يكذب كذبة صريحة تكشفه بسهولة. رفع رأسه وقال بنبرة هادئة: – هل انت ايضا عُينت لمراقبتي يا نزار كنت فقط بحاجة لبعض الوقت… وحدي. أنت تعرف… منذ جئنا إلي هنا ورؤوسنا مثقلة بما جرى. هذا المكان… يبعث على السكينة. نظر إليه نزار مطولًا، كأن عينيه تحاولان اقتحام صدره. ثم ضحك ضحكة قصيرة، وقال: – سكينة؟ أنت آخر من أصدّق أنه يبحث عن السكينة. منذ عرفتك وأنت تبحث عن المعركة، عن مواجهة الخطر وجهًا لوجه. تجنب سليمان نظره، وتابع السير، فقال نزار وهو يلحق به: – هناك شيء تخفيه، يا نصر الدين. أليس كذلك؟ توقف سليمان فجأة، التفت إليه بعينين تحملان شيئًا بين الصرامة والرجاء: – إن كنت أخفي… فاعلم أن السبب ليس خيانة لك، ولا للملك. هناك أمور يا نزار… بعض الصدور أثقل من أن تُفتح قبل وقتها. ساد صمت ثقيل بينهما، لم يسمع فيه سوى حفيف الرياح بين أوراق الشجر. ظل نزار ينظر إليه، ثم أطرق رأسه وقال بنبرة أقل حدة: – لا أطلب منك أن تخبرني بما لا تريد قوله. لكن تذكر… أنا معك، في السراء والضراء. إن احتجتني… ستجدني. ارتسمت على وجه سليمان ابتسامة باهتة، امتزجت بالشكر والأسى في آن واحد. وضع يده على كتف نزار وضغط بقوة: – أعلم يا صديقي… أعلم. ثم تابعا السير معًا نحو القصر، لكن الغموض ظل عالقًا بينهما، كغيمة لا تنقشع بسهولة. "ميدان التدريب" مع إشراقة صباح جديد، اهتزت أرجاء ساحة التدريب في قصر الملك فهد بأصوات الصيحات والحديد المتصادم. كان الجنود مصطفّين في صفوف طويلة، العرق يتصبب من جباههم، والعرق يلمع تحت شمس لا تعرف الرحمة. وفي مقدمتهم وقف سليمان – أو كما عرفوه جميعًا باسم نصر الدين – بعينيه الحادتين، وصوته الجهوري الذي يملأ المكان قوة وحزمًا. رفع سيفه عاليًا ثم صاح: – إلى الأمام يا رجال! لا أريد أن أرى كسلًا… أنتم درع هذه المملكة، ومن لا يثبت اليوم في الميدان لن يثبت غدًا في ساحة الحرب! ارتفعت أصوات الجنود مجيبة: – نحن لها! نحن لها! أشار سليمان بيده، فانطلقت فرقة كاملة تركض حول الساحة بأدرعها الثقيلة، بينما فرقة أخرى كانت تتبارز تحت عينه اليقظة. كان يتحرك بينهم كنسيم حادّ، يراقب، يصرخ، ويوقف كل من تراخى بحركة حازمة. تقدم جندي شاب، كان يتعثر بخطواته، فتوقف سليمان أمامه، وصاح فيه: – اثبت قدميك! السيف ليس لعبة، إما أن تحمله بيد ثابتة أو تسقط به أنت! ارتبك الشاب وحاول تعديل وقفته، عندها اقترب سليمان بنفسه، أمسك بيده وأعاد وضع السيف قائلاً بصوت منخفض يسمعه وحده: – القوة ليست في ذراعك وحده، بل في قلبك. إن ارتجف قلبك، فلن ينفعك سلاحك.امسك بسيفك جيدا هكذا. نظر الجندي في عينيه وابتلع ريقه ثم هز رأسه بثبات جديد، ليندفع بعدها في المبارزة بحماس لم يظهر عليه من قبل. وقف نزار على الطرف، يراقب صديقه بدهشة ممزوجة بالقلق، ثم اقترب منه في لحظة هدوء قصيرة وقال: – ألا ترى أنك تدفعهم أكثر مما يحتملون؟ تدريبات اليوم أقسى من أي يوم مضى. أجابه سليمان دون أن يلتفت: – الحرب لا ترحم يا نزار. وأنا أشعر أنها أقرب إلينا مما يظن الملك نفسه. أطرق نزار رأسه، ثم همس: – دائما أشعر أنك ترى ما لا نراه… كأنك تعرف شيئًا يسبقنا جميعًا. توقف سليمان لحظة، نظر إلى الأفق حيث الجنود يركضون والغبار يتصاعد كستار كثيف، وقال بصوت عميق: – أنا لا أرى المستقبل، يا نزار… لكني أعرف أن الظلال بدأت تتحرك، وأن الدماء ستسيل قريبًا. لهذا… لن أسمح لأي جندي أن يضعف. كل رجل هنا، ربما يكون الفارق بين بقاء المملكة أو سقوطها. ساد صمت ثقيل بينهما، فقط أصوات الجنود وصليل السيوف كانت تملأ الأجواء. رفع سليمان سيفه مجددًا، ولوّح به عاليًا، فتعالت صيحات الحماس أكثر، وكأن روحه قد أشعلت فيهم نارًا جديدة.كان ينظر له نزار ويبتسم ولكن في أعماق سليمان، لم يكن يدربهم فقط على حرب مجهولة… بل على مواجهة قدرٍ يعرف أنه قادم لا محالة. "بين الملك والصديق" كانت شمس المغيب تتسلل من النوافذ العالية في قاعة العرش بقصر النور، تلون الأرضية الرخامية بظلال حمراء ذهبية، بينما وقفت المشاعل على الجدران تشتعل بنار هادئة. الجو كان هادئًا أكثر من اللازم، وكأن القصر يحبس أنفاسه في انتظار ما سيحدث. جلس الملك فهد على عرشه ، مرتديًا عباءته الملكية الثقيلة، وفي يده عصا قصيرة يطرق بها أحيانًا على الأرض بخفة. كان وجهه هادئًا لكن في عينيه عمق غامض، لا يفضح ما يدور بداخله. دخل سليمان – أو نصر الدين كما يعرفه الجميع – بخطوات ثابتة، رغم أن قلبه كان مليئًا بتساؤلات تتنازع داخله. وقف أمام الملك وانحنى قليلًا، ثم رفع رأسه وقال: – مولاي… جئت اليوم لحديث ليس عن الحرب، ولا عن الجنود… بل عن أمرٍ يخصني. رفع فهد حاجبه بابتسامة خفيفة، كأنه يعرف ما سيقوله قبل أن ينطق: – أمر يخصك؟! هذا نادر منك، يا نصر الدين. أنت دائمًا تجعل نفسك آخر من تفكر به. تنفس سليمان بعمق، ثم قال: – تسمح لي اولا ان نتحدث على انفراد؟! اؤمئ الملك فهد واشار إلي الجنود بالأنصراف صمت قليلا يراقب وجه سليمان ثم قال... فهد: –ماذا بك يا سليمان؟ تحدث. سليمان: الأمر يتعلق بفتاة… فتاة تُدعى غفران. ارتسم على شفتي الملك فهد ابتسامة غامضة، أشبه بابتسامة من يسمع لحنًا قديمًا يعرفه جيدًا. شبك أصابعه فوق بعضهما وقال: – غفران… نعم، الأسم وحده يكفي ليثير الفضول. اقترب سليمان خطوة، وصوته يفضح اضطرابه رغم محاولته التماسك: –التقيتها أكثر من مرة … هي ليست كأي فتاة عرفتها. صادقة، جريئة، قوية… لكنني أشعر أن هناك الكثير من الأسرار حولها. كلما نظرت إليها، أحسست أنها تحمل قصة أعظم مما تبدو عليه. ظل الملك صامتًا للحظة، عيناه تحدقان في سليمان وكأنهما تحاولان أن تخترق قلبه. ثم قال ببطء، وكأنه يزن كل كلمة: – غفران يا سليمان… ليست كبقية النساء. هي ابنة الأرض والسماء في آن واحد… ولها من القدر ما لم تره عينك بعد. تجمد سليمان مكانه، كلماته خرجت متقطعة: – ابنة الأرض… والسماء؟! ما الذي تعنيه يا فهد تحدث معي بدون الغاز؟ ابتسم الملك ابتسامة مبهمة، ونهض عن عرشه بخطوات هادئة، حتى وقف أمام سليمان مباشرة. ثم انحنى قليلًا ليقترب منه وهمس: – أعني أن غفران تحمل في قلبها ما لا يعرفه الناس… وأنك، أنت وحدك، ستكتشفه حين يحين الوقت. ضاق صدر سليمان، وشد قبضته بقوة، كأنه يحاول أن يمسك بالمعنى الهارب: –لكن… لماذا أشعر أن كل من حولي يعرف عنها أكثر مني؟ لماذا تتحدث وكأنك تخفي شيئًا؟ ربت الملك فهد على كتفه، وقال بصوت عميق لكنه محمل بالغموض: –لأن بعض الحقائق يا سليمان… لا تُقال، بل تُعاش. ولأن غفران ليست امرأة تمر في حياتك عابرًا… بل اختبار سيكشف من تكون أنت حقًا. ازدادت أنفاس سليمان اضطرابًا، وعيناه تشتعلان بفضول لم يستطع السيطرة عليه. كان يريد أن يضغط عليه أكثر، أن يسمع الإجابة كاملة… لكن ابتسامة الملك الغامضة كسرت اندفاعه. قال بصوت يحمل غضب مكبوت: – كما تشاء يا فهد سانصرف الآن ثم استدار بخطوات بطيئة، كأن الأرض تثقل قدميه، وفي داخله أسئلة مشتعلة تحرق صدره: من تكونِ يا غفران؟ ولماذا يحيطك الجميع بالغموض؟ وهل القدر جعلك في طريقي صدفه ام عمدا؟ "الممرات المشتعلة بالأسئلة" كانت أبواب قاعة العرش تُفتح ببطءٍ خلفه، تصدر صريرًا طويلًا كأنها تُغلق على سرٍ لن يُكشف بسهولة. خرج سليمان بخطوات ثقيلة، كأن الأرض حجارة تلتصق بقدميه. الممرات الطويلة في القصر بدت له فجأة ضيقة، رغم اتساعها ورخامها الأبيض الذي يعكس ضوء المشاعل. كان الجنود المنتشرون على جانبي الممر ينظرون إليه بانحناء احترام، لكنه لم يلتفت إليهم؛ عيناه كانتا تسرحان في الفراغ، وقلبه يتصارع مع نفسه. سليمان (بصوت داخلي وهو يمرر يده على جبينه): – لماذا يا فهد… لماذا تتحدث وكأنك تعرف كل شيء وتتركني غارقًا في ظلام الأسئلة؟ غفران… من تكون؟ ابنة الأرض والسماء؟! أي معنى هذا؟ توقف لحظة عند نافذة كبيرة تُطل على حدائق القصر. كانت الشمس قد أوشكت على المغيب، والسماء تكتسي بحمرة غامقة. ظل واقفًا يتأمل الأفق، وصوته الداخلي يتحدث بحدة أكبر: – أنا رجلٌ لا يهاب السيوف ولا المؤامرات… لكن عينيها تُربكني. ضحكتها… كلماتها البسيطة، تجعلني أنسى أنني قائد، أنني… ملك. كيف لامرأة من عامة الناس أن تُربك روحي إلى هذا الحد؟ شعر بقبضته تُغلق تلقائيًا، فرفعها أمام عينيه وكأنه يوبّخ نفسه: – أنا لستُ فتىً يتأثر بابتسامة… أنا قائد جيوش، ملكٌ يُنتظر منه أن يحسم لا أن يتردد. لكن… كلما تذكرت كلماتها، أسمع في داخلي رجلًا آخر، رجلًا لا يعرف الحرب ولا المؤامرات، رجلًا بسيطًا… عاديًا. رجلا من العامه بعيدا كل البعد عن الصرعات هذه. أغمض عينيه لحظة، واستعاد صدى كلماتها التي ما زالت تُطارده: أراك رجلًا يحمل في عينيه قصة لم تُروَ بعد… تحاول أن تبدو جنديًا بسيطًا، لكن قلبك يعرف العروش جيدًا. فتح عينيه بسرعة وهو يهمس: – وكأنها تعرف… تعرف أنني لستُ نصر الدين فقط. هل يمكن أن تكون قد شعرت بالحقيقة؟ سار بخطوات أسرع، كأنه يحاول الهروب من الأسئلة التي تُطارد عقله. وفي داخله صراع يزداد: – واجبي أن أُخفي حقيقتي… واجبي أن أُحمي مملكتي، و أن يبقي فهد مطمئنًا. لكن قلبي… قلبي يُريد أن يركض إليها، أن يسألها: من تكونين؟ ولماذا أشعر أن قدري معقود بيديكِ؟ عند نهاية الممر، وقف لحظة أمام بوابة خشبية كبيرة تُؤدي إلى أروقة الجنود. رفع رأسه عاليًا، وكأنه يُعلن لنفسه قرارًا، حتى وإن لم يصرّح به بصوت مسموع: – لن أترك هذا الغموض يبتلعني… سأعرف حقيقتكِ يا غفران، ولو اضطررتُ لفتح أبواب القدر بيدي. ثم دفع الباب بخطوة حاسمة، وصدى وقع أقدامه يختفي في العمق، بينما في داخله عاصفة لم تهدا.