رواية تاج في الظل - الفصل الثاني عشر - بقلم هبة نبيل | روايتك

اسم الرواية: رواية تاج في الظل
المؤلف / الكاتب: هبة نبيل
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثاني عشر

الفصل الثاني عشر

"ابتسامة السر" كان البيت الريفي غارقًا في هدوء الصباح، والجدران الطينية تعكس ضوء الشمس الدافئ، بينما رائحة الخبز الساخن تنتشر من التنور. في الغرفة الداخلية، وقفت غفران وحدها، تفكر في كلمات "نصر الدين" التي لا تزال ترن في قلبها قبل اذنيها: "مثلك…قالها وكأنها قسم.. كأن قلبي وحده هو ما رآه حينها." ضحكة صغيرة خرجت منها بلا وعي، وواصلت دورانها، شعرها الطويل يتطاير كأنه أجنحة خفيفة. فجأة اصطدمت بجسد نحيل خلفها. توقفت بارتباك، لتجد شقيقتها الصغيرة سهام واقفة، تحمل في يديها قطعة خبز نصف مأكولة، تحدق بها بدهشة. سهام (بحاجبين مرفوعين): – غفران؟! ماذا تفعلين؟ كنتِ تدورين مثل المجنونة! هل أصابك الجنون حقًا؟ احمرّ وجه غفران، وضغطت على فمها لتكتم ضحكتها لتتابع سهام كلماتها... – ما هذا يا غفران؟! لم تجاوبيني اذا؟! أترقصين وحدك؟ لم أراكِ يومًا بهذا الحال. احمرّ وجه غفران، ووضعت يدها على صدرها تخفي اضطراب أنفاسها: – كنت… فقط أختبر خفة ثوبي الجديد. ابتسمت سهام ابتسامة خبيثة، واقتربت منها ببطء: – ثوبك؟! لا هذه ليست رقصة ثوب. هذه رقصة قلب وقع في الحب . حاولت غفران أن تتماسك، لكنها لم تستطع منع ابتسامة ارتسمت رغماً عنها. أشاحت بوجهها، وهي تتمتم: – سخافات… أنتِ دائمًا تبالغين. مدت سهام يدها، أمسكت بذراع شقيقتها برفق، ثم نظرت في عينيها مباشرة: – غفران، أنا لستُ طفلة بعد.. قد لا أفهم كل ما في قلبك، لكنني أعرفك أكثر من أي أحد. هناك من دخل حياتك… أليس كذلك؟ سكتت غفران، ترددت لحظة، ثم جلست على حافة الفراش، ويديها متشابكتان برتباك واضح. مالت سهام وجلست إلى جانبها، تنتظر الجواب. قالت غفران بصوت خافت، لكنه يحمل ارتجافًا غريبًا: – ربما… ربما هو شخص جاء من حيث لا أدري، لكنه ترك في قلبي شيئًا لم أعرفه من قبل. ابتسمت سهام ابتسامة واسعة، وعيناها تلتمعان بالفضول: – إذن كنتُ محقة! من هو؟ جندي من القصر القريب؟ أم غريب من السوق؟ ضحكت غفران بخفة، ثم وضعت إصبعها على شفتي شقيقتها: – هس! لا أسئلة كثيرة يا سهام. يكفي أن تعلمي أنني… سعيدة. تأملت سهام ملامح غفران طويلاً، ثم مالت برأسها وقالت بنبرة حانية: – سعادتك تعنيني، يا غفران. لكن حذار… أحيانًا السعادة التي تأتي فجأة تحمل في طياتها ألمًا لا نحتمله. ارتجف قلب غفران مع كلماتها، لكنها لم تُبدِ ذلك. اكتفت بابتسامة صغيرة، وأجابت: – ولأنك تعنين لي الكثير، فسأحمل سرّي وحدي… إلى أن يحين وقته. وقفت لتشغل نفسها بترتيب السلة بجانبها، لكن عينيها ظلتا معلقتين بالنافذة، حيث الشمس تشرق وكأنها تكتب على قلبها سطرًا جديدًا "حيرة سليمان" سليمان يسير وحده عصرا بين أشجار النخيل، خطواته مترددة، وصوت أفكاره يعلو في رأسه وجه غفران يطارده، صمتها المفاجئ حين ذكر مشاعره، ارتباكها، خوفها. سليمان يهمس لنفسه: – غفران.. ما الذي تخفينه عني؟ ما الذي يجعلكِ ترتجفين من مجرد كلمة؟ هل هو سر يخصني؟ أم يخص ماضيكِ؟ أم ربما حاضرنا جميعًا؟ يتوقف عند نافورة صغيرة، يحدق في المياه المتمايلة على ضوء القمر. يغمض عينيه ويشدد قبضته: – لن أترك الأمر يمر. سأعرف، حتى لو اضطررت لمواجهة العالم كله. "ثقل الحرس" كانت الشمس تميل إلى الغروب حين جلس سليمان في شرفة غرفته بالقصر، يراقب السماء وهي تتلون بدرجات البرتقالي والأحمر. أمامه كان يقف اثنان من الحرس، بصدور عريضة وعيون متحفزة، لا يتركان له فرصة ليلتقط أنفاسه دون أن يشعر بأنه مراقب. تمتم في نفسه وهو يتنهد: – الحماية التي تُفرض قسرًا… قيدٌ، مهما كانت نواياها. لم يطق صبرًا، فوقف فجأة واتجه نحو الداخل. التفت إليه الحارسان على الفور. سأله أحدهما بصوت مهيب: – إلى أين يا سيدي؟ ابتسم سليمان ابتسامة خفيفة، أخفت ضيقه: – إلى البهو، أريد أن أتمشى قليلًا. هل سترافقانني حتى في أنفاسي؟ أجاب الآخر بجدية جافة: – الملك أمرنا ألا نتركك وحدك، ولا لحظة. ضحك سليمان بمرارة، ثم قال ساخرًا: –إذن، هل ستدخلان معي حتى ان ذهبت إلى الحمام؟" انا اُسير داخل بهو القصر ليس خارجه ارتبك الحارسان، وتبادلا النظرات، قبل أن يرد الأول: – نحن فقط نؤدي ما أُمِرنا به. سار سليمان في الممر الطويل، خطواته بطيئة لكنها تحمل توترًا مكبوتًا. كان كلما التفت وجد عينيهما تلاحقانه. وأخيرًا توقف عند أحد النوافذ، وأمسك بإطارها الخشبي، ثم التفت إليهما قائلًا: – أتعلمان… الحراسة الحقيقية ليست في السيوف، بل في القلوب. ولو أراد عدو أن ينال مني، فلن تمنعاه ولو جلبتم جيشًا كاملًا. قال أحد الحرس وهو يشدد على رمحه: – ربما… لكن واجبنا أن نحاول. ظل سليمان يراقبهما لحظة، ثم ابتسم ابتسامة بها مكر: – واجبكما إذن أن تلازما قدميّ؟ أجاب الثاني: – نعم. أومأ سليمان برأسه، ثم تقدم بخطوتين إلى الأمام وكأنه استسلم للأمر. وما إن تجاوز زاوية الممر حتى لمح الباب الجانبي المؤدي إلى الساحة الخلفية للقصر. في جزء من الثانية، اتخذ قراره. التفت فجأة نحو أحد الحراس، وقال بلهجة حادة: – هناك حركة غريبة خلف النافذة! أسرعا! قفز الحارسان فورًا باتجاه النافذة، ينظران إلى الخارج في حذر. وفي تلك اللحظة، استغل سليمان ارتباكهما، وانطلق بخطوات سريعة نحو الباب الجانبي، وفتح القفل الحديدي برفق. انزلق إلى الخارج كما ينزلق الظل، وأغلق الباب خلفه قبل أن يلتفت الحرس إليه. في الساحة الخلفية، تنفس بعمق، وشعر بحرية لم يتذوقها منذ زمن. ارتدى عباءة بنية قديمة كان قد خبأها مسبقًا في ركن قريب، ثم غطى رأسه بغطاء سميك يخفي ملامحه. تمتم في نفسه بابتسامة خفيفة: – الآن… سأمضي حيث أريد. حيث أستطيع أن أرى غفران… بعيدًا عن عيون الملك، وعن عيون العالم. وانطلق بخطوات ثابتة نحو البوابة الخلفية للقصر، يذوب في الزحام كأنه رجل من عامة الشعب، لا يُميز بين آلاف الوجوه وعندما عاد الحرسان لم يجدوه امتزج وجههم بين الدهشه والريبه من رد فعل الملك عندما يعرف. "لقاء عند ضفاف النهر" كان الليل قد أسدل ستاره، وهدأ صخب النهار في الحقول، حين وصل سليمان إلى النهر الصغير الذي يشق الأراضي الزراعية بهدوء. كانت المياه تعكس ضوء القمر مثل خيوط فضية تتراقص رجفه النهر. جلس على صخرة ملساء، يراقب المجرى، يسترجع في ذهنه ابتسامة غفران وحديثها الصريح الذي اخترق قلبه منذ لقائهما الأخير. لم تمضِ لحظات، حتى لمح ظلًا يقترب من الضفة الأخرى. كانت خطواتها خفيفة، تحمل شيئًا من التردد، لكنها ثابتة في وجه الريح. اقتربت أكثر، حتى أضاء وجهها نور القمر، فإذا هي غفران، تحمل سلة صغيرة فيها بعض الخبز والتين. توقفت حين رأته، وعيناها تلمعان بدهشة: – نصر الدين !… ماذا تفعل هنا؟ ابتسم ابتسامة نصفها حنين ونصفها مكر: – لا أطيق جدران القصر، ولا أثق بالعيون التي تراقبني. أردت أن أراكِ بعيدًا عنهم جميعًا. أطرقت برأسها، تخفي ارتباكها، ثم جلست على حجر قريب وهي تقول: – لماذا تخاطر؟ لو عرف الملك فهد… قد يغضب. اقترب منها بخطوة، وصوته انخفض حتى صار أشبه بالهمس: – غضب الملك أهون عندي من ألا أراكِ. شهقت بخفة، ثم أشاحت بوجهها عنه، تلتقط حجرًا صغيرًا وترميه في النهر: – لا تقل هذا… أنا فلاحة فقيرة يا نصر الدين وانت قائد مهاب، لا تليق بي كلماتك. جلس إلى جانبها، وعيناه تبحثان عن عينيها: – هذا لم يشغلني الغني و الفقر لا يحددان مكانة الإنسان في قلبي. أنا لا أراكِ بملابسك البسيطة، بل بشجاعتك، بصدقك، بكلماتك التي لا تشبه كلمات أحد بدعمك الدائم لي . صمتت لحظة، ثم قالت وهي تحدق في مجرى الماء: – أنت رجل غامض، تحمل أسرارًا لا تريد أن تُكشف. أحيانًا أشعر أنك أعظم بكثير مما تحاول أن تظهر… وأحيانًا أخاف أن يكون بيننا حجاب لن يُرفع. ابتسم ابتسامة حزينة: – ربما معك حق… أنا رجل تحيط به الظلال. لكن حين أجلس معك… يختفي كل هذا، وأشعر أني إنسان بسيط، ليس جنديا ولا قائد ولا حتي ملك انسان عادي لا يملك سوى قلبه. رفعت غفران رأسها أخيرًا، ونظرت إليه نظرة طويلة، مليئة بالتردد والقلق والدهشة. مدت يدها إلى السلة، وأخرجت قطعة خبز، وناولته إياها: – خذ… كلما شعرت أني خائفة منك، أذكّر نفسي أنك تأكل الخبز مثلنا. ضحك بخفة، وهو يأخذها من يدها: – لو تعلمين كم هي ثمينة هذه القطعة عندي الآن… ليست خبزًا فقط، بل هدية منكِ ولكني اريد ان اسألك بشأن ليلة امس ماذا حدث لكِ فجاة وجعلك تغادري بهذا الشكل هل حدث مني شئ خطأ. لم تتحدث ولكنها ابتسمت على استحياء، لكنها أخفت وجهها بسلة القش. ومع ذلك، لم يفت سليمان أن يرى الاحمرار الذي غمر وجنتيها. ساد الصمت لحظة، لم يسمع فيها إلا خرير الماء، ورفرفة خفيفة لطيور الليل. ثم قالت فجأة، بصوت مبحوح: – سليمان… أعدني أن تظل بخير. أشعر أن الخطر يقترب منك اعدني ان لم يحدث لك شئ. اقترب أكثر، حتى صار صوته عند أذنها: – أعدك… لكنكِ أنتِ من تجعلينني بخير. ارتجفت، وأمسكت بسلة القش بقوة، ثم نهضت مسرعة: – يجب أن أعود قبل أن تقلق على شقيقتي. الليل طال ولم اشعر به. وقف هو أيضًا، وعيناه تتعلقان بها كمن يخشى أن يختفي النور إن رحلت: – سأراكِ قريبًا… مهما حاولت الأقدار أن تفرق بيننا.. التفتت نحوه للحظة قصيرة، ثم أسرعت مبتعدة بين الأشجار، تاركة خلفها صدى خطواتها، وقلبه الذي بات أثقل مما كان. وقف سليمان على الضفة، يراقبها حتى اختفت. ثم رفع رأسه إلى السماء، وتمتم: – غفران… ليتك تعرفين من أكون حقًا. ولكن سيحدث ذلك قريبا اعدك. "عودة القائد العنيد" كان الليل قد انتصف حين عاد سليمان إلى أسوار القصر. ارتدى عباءة داكنة واسعة أخفى بها ملامحه، وسار بين الأزقة المظلمة التي تقود إلى البوابة الخلفية. كان قلبه يخفق بقوة، ليس خوفًا من أن يُكشف أمره، بل من الفوضى التي زرعتها غفران داخله. اقترب من الحراس الذين يقفون عند البوابة الخلفيه، فسلّم عليهم بصوت متعمد أن يكون أجشًّا: – ليلة هادئة، أليس كذلك؟. ألقى الحارس نظرة خاطفة إليه، ثم أجابه بفتور: – نعم… هادئة جدًا. لا نرى الليالي هادئة إلا حين ينام الملك مطمئنًا. أومأ سليمان دون أن يكشف وجهه، ثم مرّ بجانبهم ودخل. كان يحاول أن يضبط أنفاسه حتى لا يثير الشك. وما إن عبر الساحة الداخلية، حتي انتبه احدي الحراس وقال... الحارس: –من ذلك الغريب الذي تحدث معانا للتو ثم دلف إلي الداخل؟!.. حارس اخر: _لا أعلم نظرات متبادله بينهم تحمل الريبه ثم هرعه مسرعين ليتفقده القصر وما ان دخل سليمان وابتعد قليلا حتى أزاح العباءة والعمامه عن رأسه، فظهر وجهه تحت نور المشاعل. كان تعبه ظاهرًا، لكن عينيه تلمعان بوميض مختلف، وشيء من الحيرة. التفت ليجد نزار يقف في زاوية الرواق، ذراعاه متشابكتان وصوته هادئ لكن حاد: – أخيرًا عاد القائد العنيد… كنت أعلم أنك ستتسلل. ظننت أنك تجهل أن الملك أمر بمضاعفة الحراسة عليك. توقف سليمان، وحاول أن يبدو هادئًا: – لم أرد أن أكون سجينًا في هذا القصر تعرفني جيدا يا نزار لم اتحمل القيود. كنت بحاجة لأن أتنفس. اقترب نزار خطوة، ورفع حاجبيه: – أم كنت بحاجة إلى شيء آخر؟… إلى لقاء أحدهم مثلًا؟ انعقد حاجبا سليمان قليلًا، ثم قال وهو يتجه نحوه ببطء: – ما الذي تقصده؟ ابتسم نزار ابتسامه خفيفة: – لا شيء… لكن عينيك لا تكذبان يا صديقي. لقد رأيت تلك النظرة من قبل… نظرة رجل التقى بمن حرك قلبه. صمت سليمان لحظة وابتسم، ثم مال برأسه وقال بصوت منخفض: – حتى لو كان ذلك صحيحًا… فالأمر يخصني وحدي يا نزار. – نعم يخصك ولكن يخص حياتك هنا إيضا. – قال نزار بجدية مفاجئة – أنت لا تعرف أن كل خطوة تخطوها مراقبة. هناك من ينتظر هفوة صغيرة منك لينهشك كالذئب. قالها نزار محذره تجمد سليمان للحظة، ثم تمتم: – أعرف… وقد شعرت اليوم أن الخطر أقرب مما أظن ولكن لا يهمني . مدّ نزار يده وربت على كتفه: – إذن كن أكثر حذرًا. لا تظن أن قناع الجندي سيخدع الجميع إلى الأبد. العيون تزداد حولك، والهمسات عنك تنتشر… تنهد سليمان وهو يرفع بصره إلى سقف القصر العالي: – لا تقلق بشأن هذا الأمر يا نزار انا اعلم ما يجب على فعله أجابه نزار بنبرة صارمة: – إذن لا تضعف. لا تسمح لمشاعرك أن تُعميك، ولا تنسَ أن وراء هذه الجدران من يتمنى موتك قبل بزوغ فجر الغد. ظلّ سليمان صامتًا، ينظر في عيني صديقه بامتنان وخوف في آن واحد. ثم تحرك بخطوات بطيئة نحو ممر غرفته، وداخل قلبه كان صراع عاصف بين واجبه كملكٍ مختفٍ، وبين رجل وجد في وجه فلاحة فقيرة معنى لم يعرفه من قبل. وعندما كان نزار على وشك ان يغادر سمع وقع خطوات سريعه ليتحفز ويشدد على السلاح بجانبه ليظهر اثنان من الحراس وهم يلهثون ليقول احدهم الحارس: –سمو القائد نزار نريد قول شيئا لك! نزار بنبره امره: –تحدث الحارس: –منذ لحظات قليلا اتي رجلا غريب القي بتحيته علينا ثم دلف داخل القصر ولم نعرف من هو؟! نزار ببتسامه وكأنه علم هويته لتختفي فجاة ابتسامته ويحل محلها نظره صارمه نزار: – لم اري احدي دخل للتو إلي القصر هذه مجرد خيالات اذهبا الأن لأماكنكم ولا تخبره احد بما حدث "لقاء غير متوقع" كان النهار في منتصفه، والشمس تشرق عالية في السماء، تبعث دفئًا هادئًا على الأرض المترامية بالبساتين والحقول. الهواء يحمل عبق الأعشاب البرية وصوت العصافير يتخلل الأغصان. سار سليمان بجوار غفران على طريق ترابي يفصل بين حقول القمح والكروم. كانت خطواتهما بطيئة، وكأنهما يستمتعان بهذا الهدوء بعيدًا عن صخب القصر. قال سليمان وهو ينظر إلى الأفق: – عجيب كيف يمنحني النهار شعورًا بالحرية… رغم أنني مراقَب في كل لحظة هناك في القصر. ابتسمت غفران وهي تمسك بطرف ثوبها من هبة نسيم خفيفة: – النهار لا يعرف القيود، يا نصر الدين. الشمس تكشف كل شيء… إلا أسرار البشر، فإنها تبقى مخفية حتى عن الضوء. نظر إليها نظرة عميقة كأنه يزن كلماتها، ثم همّ بالرد، لكنّ شيئًا لفت انتباهه. كان هناك دخان أبيض يتصاعد من بين الأشجار القريبة، ليس دخان نار مشتعلة، بل دخان أعشاب تُحرق عمدًا. قال سليمان وهو يحدق: – هل ترين ذلك؟ أومأت برأسها: – نعم… كأنها نيران صغيرة، لكنها ليست نار حقل. قادهم الفضول فاتجها معًا نحو مصدر الدخان، وكلما اقتربا انكشفت أمامهما مساحة صغيرة وسط الأشجار، يتوسطها كوخ خشبي قديم يبدو كأنه بُني منذ عقود ونُسي في هذا المكان. الكوخ لم يكن مخيفًا بقدر ما كان غريبًا. حوله أحجار مرسومة عليها رموز غامضة، ومن داخله يتصاعد البخور ممزوجًا برائحة الأعشاب المحترقة. ترددت غفران، لكنها تمتمت: – لا أحد يعيش هنا عادة… من يسكن هذا الكوخ الأن ؟ فجأة انفتح الباب الخشبي محدثًا صريرًا، وخرجت منه امرأة مسنّة، طويلة رغم انحناءة ظهرها، يكسو شعرها البياض كأنه خيوط قطن، وعيناها لامعتان ببريق مقلق. ارتدت رداءً داكنًا تزينه عقود مليئة بالأحجار والأصداف. رفعت يدها وكأنها كانت تنتظر، وقالت بصوت أجشّ لكن قوي: – ها قد وصلتما… الشمس هي التي دلّتكما عليّ. شعرت غفران بالارتباك، فنظرت إلى سليمان وهمست: – كيف تعلم أننا جئنا؟ ردت العجوز دون أن تنتظر سؤالًا: – أنا لا أرى بعيونكم… بل أرى بعيون القدر. والقدر أخبرني أنكما ستسلكان هذا الطريق اليوم. اقترب سليمان منها بخطوات ثابتة، وقال بهدوء يحمل الحذر: – ومن تكونين أنتِ؟ – يُسمّونني العرّافة… سيدة الأسرار. أقرأ الماضي، وألمس الحاضر، وأتذوق المستقبل قبل أن يجيء." ابتسمت غفران بسخرية خفيفة وهي تطوي ذراعيها: – المستقبل؟ لا أرى إلا كوخًا ودخانًا وأعشابًا. لكن العرّافة رفعت يدها ببطء نحو غفران، وحدقت في عينيها طويلًا حتى ارتجفت الفتاة دون أن تدري. ثم قالت بصوت غامض: – أنتِ… يا ابنة الأرض، سيكون قلبك ساحة حرب بين الحب والولاء. النار ستُحاصر خطواتك، وستُختبرين بما لا يقوى عليه الكثير. ارتبكت غفران وتراجعت خطوة للخلف، وتمتمت: – ماذا تقولين؟ التفتت العرّافة فجأة إلى سليمان، وكأنها لم تر أحدًا سواه في تلك اللحظة. اقتربت منه حتى شعرت أنفاسها الساخنة على وجهه، ثم رفعت يدها المرتعشة نحو صدره وقالت: – وأنت… أنتَ يا من تخفي ما لا يخفى. تحمل في قلبك سرّين؛ أحدهما عرش… والآخر هاوية. سيأتي يوم يُسقط عنك القدر قناعك… ولن يبقى لك سوى الحقيقة ولكن هذا بعد نصر قريب يانصر الدين ." تسمر سليمان في مكانه، وارتجف قلبه كأنها اخترقت جدار صمته وهويته المخبأة. حاول أن يتماسك وقال: – أظن أنكِ تمارسين العب بالكلمات." ضحكت العرّافة ضحكة قصيرة مشوبة بالرهبة: – الألغاز تصنع ملوكًا… وتحطم آخرين. وأنت، يا نصر الدين… ستعرف قريبًا أن العيون الأقرب إليك، هي أخطر من السيوف التي تُشهر في وجهك. سكتت لحظة، ثم أغلقت الباب ببطء، تاركة وراءها دخان البخور يتلاشى في ضوء الشمس، فيما بقي سليمان وغفران واقفين مذهولين. التفتت غفران نحوه بسرعة، عيناها متسعتان بدهشة: – ماذا كانت تقصد؟! من أنت حقًا يا نصر الدين ومن من عرفت اسمك؟ ولماذا تكلمت عنك وكأنك… ملك؟! وقف سليمان صامتًا، يشيح بوجهه عنها، وقد انعقد لسانه وسط الصراع العاصف في داخله.