حكيم الظل وسيدة الديار
مرت خمس سنوات على تلك الليلة الجبلية التي هزت أركان المحافظة. المدينة الصغيرة لم تعد كما كانت؛ الفوضى تلاشت، وحلّ مكانها نظامٌ صارم لم تفرضه الحكومة وحدها، بل فرضه "الاحترام" لشخص واحد جعل من كرامة الناس خطاً أحمر.
في وسط المدينة، وقف مبنى ضخم وحديث، يجمع بين كونه "مستشفى تخصصياً" وبين كونه "مركزاً لإدارة الأعمال". فوق البوابة الرئيسية، نُقش اسم "مجموعة الحكيم للاستثمار والخدمات الطبية". لم يكن مجرد مشروع تجاري، بل كان "الحصن" الذي بناه زيد ليؤمّن مستقبل كل من وثق به.
مشهد التخرج والسيادة
في ذلك اليوم، كانت شمس الأصيل ترسم خيوطاً ذهبية على شرفة المكتب الرئيسي. دخل عمر، الذي أصبح الآن مديراً للأمن في المجموعة، يرتدي بدلة رسمية تستر ضخامة جسده التي لم تزدها السنين إلا صلابة.
عمر: "دكتور زيد.. كل شيء جاهز. (الإخوة) موزعين في كامل المنطقة، والهدوء يسود. حتى رجال عزام القدامى أصبحوا الآن يعملون في مصانعنا."
زيد (بابتسامة هادئة): "أحسنت يا عمر. تذكر دائماً، نحن لا نحكم بالخوف، بل بالعدل. والمال الذي نجنيه يجب أن يذهب جزء منه لتطوير المدارس والمستشفيات في القرى المجاورة."
التفت زيد نحو نافذته الكبيرة. كان يرتدي قميصاً أسود فاخراً، وساعته التي ورثها عن والده كانت قد استُبدلت بأخرى ثمينة، لكن جرح معصمه القديم كان لا يزال هناك، يذكره دائماً من أين بدأ.
لقاء الأقدار
في المساء، توجه زيد بسيارته السوداء الفارهة نحو "القرية". لم يعد يدخلها كمتسلل، بل كانت السيارات تتنحى جانباً احتراماً له. توقف أمام منزل الحاج محمود، الذي تم تجديده ليصبح قصراً ريفياً أنيقاً.
خرجت ليلى لاستقباله. كانت قد تخرجت وأصبحت تدير أكبر مزرعة نموذجية للإنتاج الحيواني في المحافظة. كانت عيناها تلمعان بذات الحب، لكن بنضجٍ أكبر.
ليلى: "تأخرت اليوم يا دكتور.. هل كانت هناك عملية صعبة؟"
زيد (وهو يمسك يدها): "العمليات الصعبة انتهت منذ سنوات يا ليلى. اليوم كنتُ أضع حجر الأساس لمدرسة التمريض الجديدة. أريد أن يتخرج منها شباب يحملون (البالطو الأبيض) بقلوب شجاعة."
ضحكت ليلى وهي تنظر إلى حقيبته الطبية الموضوعة في السيارة، وبجانبها غمد سكين قديم لا يفارقه.
ليلى: "لا تزال تحتفظ به؟"
زيد: "المشرط للمستشفى، والسكين للذئاب. هكذا علمتني الحياة."
كلمة أخيرة من "سارة"
بينما كان زيد وليلى يجلسان في حديقة المنزل، رنّ هاتفه. كانت رسالة من "العقيد" سارة، التي ترقت في سلك الشرطة وأصبحت مسؤولة عن أمن المحافظة:
"عزيزي الدكتور زيد.. نبارك لك افتتاح الفرع الجديد للمستشفى. والدي يرسل لك تحياته، ويقول لك إن (الريشة البيضاء) التي وجدناها يوماً في الجبل، لا تزال محفوظة في مكتبه كرمز للرجل الذي أنقذ القانون.. خارج حدود القانون. دمتَ ذراعاً قوية للحق."
أغلق زيد هاتفه، ونظر إلى ليلى، ثم إلى أفق القرية الواسع. لقد أتمّ مهمته؛ بنى لنفسه اسماً، ولعائلته حصناً، ولحبيبته وطناً. لم يعد "الشيطان الأبيض" مجرد أسطورة لإخافة المجرمين، بل صار "الحكيم" الذي يداوي بيد، ويحمي باليد الأخرى.