سِيادَة الظِل: حكاية الرداء الابيض - تحت مجهر "سارة" - بقلم أحمد سعيد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: سِيادَة الظِل: حكاية الرداء الابيض
المؤلف / الكاتب: أحمد سعيد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: تحت مجهر "سارة"

تحت مجهر "سارة"

ترجل زيد من الحافلة ببطء، كانت أشعة الشمس الصباحية تنعكس على زجاج نوافذ الكلية، لترسم خيوطاً من الضوء فوق قميصه الأبيض المكوي بعناية. كانت الحقيبة الجلدية التي يحملها فوق كتفه تبدو ثقيلة بكتب التمريض، لكنها في الحقيقة كانت تحمل ثقل سرٍّ قد يودي بحياته. وقف عند البوابة، وعلى بُعد أمتار قليلة، كانت سارة تقف كأنها تمثال من الرخام الصامد. لم تكن ترتدي ملابسها الجامعية العادية، بل كانت ترتدي سترة رسمية سوداء، وعيناها خلف نظارتها الشمسية تراقبان حركة الطلاب بدقة "رادارية". تقدم زيد بخطوات هادئة، وبملامحه التي توحي بالبراءة المطلقة، رفع يده محيياً إياها بابتسامة خفيفة وودودة: زيد: "صباح الخير يا سارة. يبدو أنكِ وصلتِ مبكراً اليوم.. هل هناك محاضرة إضافية لم أعلم بها؟" نزعت سارة نظارتها ببطء، وبرزت عيناها اللتان تحملان نظرة فاحصة كأنها تحاول اختراق جلده لتصل إلى جوهره. سارة (بنبرة هادئة): "صباح النور يا زيد. لا توجد محاضرات إضافية، لكن هناك (أحداث) إضافية وقعت بالأمس. أحداث تجعل النوم يهرب من العيون.. أليس كذلك؟" فخ الكلمات لم يرمش لزيد جفن. استمر في المشي بجانبها نحو قاعة المحاضرات، وكان التناقض بينهما مثيراً؛ هي تسير بتوتر المحقق، وهو يسير بهدوء الواثق. زيد: "سمعتُ أن هناك اضطرابات في القرى المجاورة. الدنيا لم تعد آمنة كما كانت. أتمنى ألا يكون والدك العميد متعباً من ملاحقة هؤلاء الأشباح." توقفت سارة فجأة في منتصف الممر، مما أجبر زيد على التوقف والالتفاف نحوها. سارة: "والدي بخير، لكنه يبحث عن شاب بمواصفات خاصة جداً. شاب يرتدي البالطو الأبيض نهاراً، ويحطم عظام العمالقة ليلاً. شاب كان في قرية (ليلى) بالأمس.. وترك خلفه أثراً لا يتركه إلا طلاب كليتنا." اقتربت منه سارة، ومدت يدها لتمسك بمعصمه فجأة. شعر زيد بلمستها الباردة فوق الضمادة المخفية تحت ساعته. تجمدت الدماء في عروقه، لكن وجهه ظل كلوح من الثلج. سارة: "ماذا حدث لمعصمك يا زيد؟ هل جُرحت وأنت تقلب صفحات الكتب.. أم وأنت تقبض على نصل سكين؟" المناورة الكبرى سحب زيد يده بهدوء، وفك ساعة يده ليظهر لها الضمادة الصغيرة. زيد (بهدوء مستفز): "أوه.. تقصدين هذا؟ بالأمس في الصيدلية، انكسرت زجاجة مطهر وأنا أرتب الرفوف. تعرفين يا سارة، العمل في الصيدليات يحتاج لدقة، والخطأ فيها قد يسبب جروحاً.. تماماً كالتحقيقات التي تبنى على التخمينات." بدت الخيبة على وجه سارة لثوانٍ، لكنها لم تستسلم. سارة: "ليلى تدافع عنك بشراسة يا زيد. قابلتُها بالأمس، وكانت مستعدة لحرق الدنيا لكي لا تذكر اسمك. أخبرني.. هل تستحق هذه الفتاة أن تخاطر بمستقبلك من أجلها؟" هنا، تغيرت نظرة زيد. لم يعد "الطالب الغلبان"، بل ظهر وميض من القوة في عينيه الملونتين جعل سارة تتراجع خطوة دون إرادتها. زيد (بصوت رخيم وعميق): "ليلى ليست مجرد فتاة يا سارة. هي ابنة أصول، وعائلتها تعرضت لظلم لا يقبله رجل. وإذا كان هناك شخص قد أنقذها، فمن الواجب أن نشكره لا أن نطارده. أما بخصوص مستقبلي.. فأنا من يقرر أين ينتهي، وليس بلاغات الشرطة." المواجهة في قاعة المحاضرات دخلا القاعة، وكان الأستاذ قد بدأ بشرح "الإسعافات الأولية للكسور المعقدة". كانت سارة تجلس بجانبه، تدون الملاحظات، لكنها بين الحين والآخر كانت تنظر إلى يد زيد وهي تمسك بالقلم. فجأة، طرح الأستاذ سؤالاً صعباً عن كيفية التعامل مع كسر في الجمجمة ناتج عن ضربة بجسم صلب. ساد الصمت في القاعة، فرفع زيد يده بهدوء. زيد: "يجب أولاً تثبيت الفقرات العنقية، والتأكد من عدم وجود نزيف داخلي عبر فحص استجابة الحدقة للضوء، ثم..." استمر زيد في الشرح بدقة مذهلة، وكأنه يصف حادثة رآها بعينيه بالأمس. كانت سارة تراقب نبرة صوته، وطريقة تحريك أصابعه، وأدركت أن هذا الشاب يملك معرفة تتجاوز الكتب. هو ليس مجرد طالب يدرس الطب، هو "ممارس" يعرف كيف يتعامل مع الجسد البشري في حالاته القصوى. عندما انتهت المحاضرة، اقترب منهما أحد الطلاب وهو يلهث: الطالب: "زيد! سارة! هل سمعتم؟ الشرطة ألقت القبض على أحد المقربين من (عزام) في مدخل الكلية! يقولون إنه جاء ليبحث عن شخص ما هنا!" اتسعت عينا سارة ونظرت لزيد الذي ظل هادئاً، لكنه قبض بيده على حقيبته بقوة. سارة (بهمس): "يبدو أن أعداءك وصلوا إليك قبل والدي يا زيد. هل ستظل تدعي البراءة الآن؟" زيد (وهو يغادر القاعة بخطى سريعة): "البراءة يا سارة هي رفاهية لا يملكها من يعيش في الغابة. ابقي بجوار والدكِ.. فالقادم لن يكون مجرد استجواب."