الفصل التاسع عشر
الأسبوع اللي فات عدى على قصر الغريري في هدوء مريب، زي الهدوء اللي بيسبق العاصفة. كاريلا بدأت أخيراً تحس إنها بتتنفس، لقت ركنها الخاص وبدأت تتعود على الممرات العالية والخدم والبرود اللي محاوط المكان، وكأنها لقت "هدنة" مؤقتة مع القدر.
بس السلام ده كان مجرد "ديكور" للي بيخطط له ماركوس في مكتبه. ماركوس من النوع اللي مابينامش وراه حق، وموضوع "إيميل" وكيرت كان لسه بيغلي في دماغه.
إيميل لسه فص ملح وذاب، وماركوس مش هيستنى العمر كله لغاية ما الأستاذ يقرر يظهر.
ماركوس قعد مع ديمتري في المكتب، والاتنين وشهم مابيتفسرش. ماركوس سحب نَفَس طويل وقال
"إيميل مش هيطلع من جحره غير لو شاف 'جثة' قدامه، أو شاف فرصة عمره.. وإيميل أكتر حد بيكرهه وعايز يصفيه هو إنت يا ديمتري. إنت اللي كاسر عينه، وإنت اللي بتمثل له العائق اللي منعه يوصل لأحلامه."
ديمتري هز راسه بلامبالاة وكأنه بيتكلم عن مشوار عادي "عايزني أكون الطعم؟"
ماركوس ابتسم بابتسامة صفراء
"بالظبط.. بس لازم الطعم يكون مغري لدرجة تخليه يفقد عقله وينسى الحذر. إحنا هنستخدم 'كيرت' عشان يوصله المعلومة، بس من غير ما كيرت يحس إنه بيخون أخوه.. إحنا هنخليه ينشر 'إشاعة' تجننه."
الإشاعة اللي ماركوس خطط لها
الإشاعة كانت عبارة عن "سم" متغلف في شكل خبر سري:
"إن ديمتري الغريري اتصاب في عملية أخيرة، وموجود دلوقتي في شقة قديمة يستشفى بعيد عن العيون، ومعهوش غير ممرضة ، وإن حالته حرجة لدرجة إنه مش قادر يشيل سلاحه."
ماركوس كمل شرح الخطة لديمتري وهو بيخبط بالقلم على المكتب
"إيميل لما يسمع إنك 'ضعيف' ومكشوف وفي مكان مقطوع، هيجري زي الكلب المسعور عشان يخلص منك وياخد بتاره ويثبت لنفسه إنه أقوى من الغريري. كيرت هيسرب الخبر ده وسط رجالتهم على إنه 'سر' سمعه بالصدفة، وإيميل أكيد ليه عيون بتراقب."
ديمتري قام وقف، وعدل الجاكيت بتاعه، وعيونه كانت بتلمع ببرود مرعب
"أنا جاهز.. هروح الشقة، وهستناه يجي يكتب نهايته بإيده."
ماركوس بصله بجدية وأضاف
"مش عايز غلطة واحدة يا ديمتري.. إيميل غبي بس الغبي لما بيبقى يائس بيبقى خطر. أنا عايزك تجيبهولي حي.. أو على الأقل تسيب فيه نَفَس لحد مااعرف اعمل بيه اللازم "
ديمتري اومأ وطلع ، بس اللي ماكانش عارفه أنه الشقة اللي ماركوس اختارها والممرضة كمان .
كانت شقتها ، شقة حياة ...
فماركوس كان وعد مامته ماريا آخر مرة أنه هو هيتصرف
وفعلا هو هيتصرف ويخلي حياة تسيب جنيف لما تشوف الخطورة بجد
_____
كاريلا كانت قاعدة على طرف سريرها في أوضتها الواسعة، حاسة إن الحيطان بتضيق عليها من كتر التوتر. ماسكة الموبايل في إيدها وصوابعها بتترعش وهي بتبص للرقم اللي متسجل باسم "ماما".. الرقم اللي بقالها أسبوع مش قادرة تطلبه.
من ساعة ما حياة جت القصر وكاريلا اختارت تفضل، والشرخ اللي بينهم كبر.. أو ده اللي كاريلا كانت فكراه.
كانت بتسأل نفسها بوجع
"يا ترى رجعت بيتنا؟ وأكيد رجعت، هتعمل إيه يعني في جنيف لوحدها؟". للحظة كانت هتقفل الموبايل وتتراجع، بس فجأة استجمعت شجاعتها وقالت لنفسها بغرور مزيف "جرى إيه يا كاريلا؟ دي مامتك! من إمتى وإنتي بتقلقي قبل ما تكلميها؟".
ضغطت على زرار الاتصال، وقلبها بيدق مع كل رنة.. رنة ورا تانية ومفيش رد، بدأت تفقد الأمل وتقول
"أكيد مش عايزة تكلمني.. أكيد لسه زعلانة مني". بس فجأة، الخط اتفتح وجه صوت حياة اللي كان باين فيه لهفة السنين في كلمة واحدة: "كاريلا؟".
كاريلا أول ما سمعت صوتها، دموعها كانت هتنزل بس حبستها وسألت بسرعة
"أيوة يا ماما.. إزيك؟ عاملة إيه؟ "
لكن فجأة، كاريلا سمعت صوت دوشة غريبة في الخلفية.. خبط وصوت كرتون بيتحرك وصوت حياة وهي بتنهج. كاريلا سألت باستغراب
"ماما؟ في إيه؟ إنتي في المطعم؟ لو مشغولة أكلمك وقت تاني؟".
حياة ردت وهي بتنهج وبتحاول تثبت الموبايل بين كتفها وودنها وهي شايلة صندوق تقيل
"لا يا حبيبتي، أنا بس بدخل الصناديق.. الحاجات اللي راما جهزتها لي وبعتتها وصلت أخيراً".
كاريلا استغربت
"حاجات إيه؟ وصناديق إيه يا ماما؟ أنا مش فاهمة حاجة!".
حياة أخدت نَفَس عميق وقالت بوضوح
"أنا نقلت جنيف يا كاريلا "
كاريلا اتصدمت وقامت وقفت من على السرير
"إيه؟ نقلتي جنيف؟ امتى؟ وإزاي؟ وهتقعدي لغاية إمتى؟".
حياة ردت بنبرة ليها معنى واصل لقلب كاريلا
"هقعد لليوم اللي تقرري فيه إنك ترجعي معايا ".
كاريلا سكتت تماماً.. الكلمة لجمتها لأنها مكنتش بتفكر ترجع، على الأقل مش دلوقتي وهي لسه بتكتشف العالم الجديد ده. وفجأة، بصوت واطي ومكسور قالت
"ماما.. أنا آسفة".
حياة سألتها بحنان وهي بتحط آخر صندوق في نص الشقة وبتمسح عرقها
"آسفة على إيه يا حبيبتي؟".
كاريلا بصدق
"على كل حاجة.. على كلامي القاسي ليكي آخر مرة، وعلى إني سبتك ومشيت".
حياة اتنهدت وقالت بصفاء
"وأنا كمان آسفة يا كاريلا.. كان لازم أتعامل مع الموضوع أحسن من كدة، والخطأ نصه عندي لإني خبيت عنك الحقيقة طول السنين دي مع اني مش سعيدة انك عرفتي من الأساس "
كاريلا ابتسمت بوسط دموعها، وبعدين سألت بقلق وكأنها تذكرت شيئ مهم
"طب والمطعم يا ماما؟ هتعملي فيه إيه؟".
حياة ردت ببساطة
"أجرته .. راما مش هتعرف تديره لوحدها عشان شغلها كمضيفة، وبما إننا مش راجعين دلوقتي، فكان أحسن حل إني أجره واستفيد بفلوسه".
كاريلا سألتها
"طب وإنتي هتعملي إيه هنا؟ هتعيشي منين؟".
حياة ردت ببساطة وقوة
"هتدبر يا قلبي.. هشتغل أي حاجة، حتى لو نادلة في كافيه ..."
كاريلا حست بالضيق وهي شايفة تضحية امها حاولت تعرض عليها مساعدة
"ماما.. أنا معايا فلوس، كاسبار إداني بطاقة وشيك، ممكن أديكي منهم..".
بس رد حياة كان قاطع ومفهوش نقاش
"لا يا كاريلا.. دي فلوس فؤاد الغريري. يمكن يكون أبوكي، بس هو ملوش علاقة بيا، أنا مش هاخد منه مليم".
كاريلا تنهدت واضح إنه علاقة ابوها وامها مش هتتحسن أبدا . حبت تغير الموضوع عشان عارفة دماغ والدتها
"طب بصي.. إيه رأيك أجيلك دلوقتي وأساعدك في ترتيب الشقة؟ انتي أكيد محتاجة إيد معاكي".
حياة فرحت بالعرض جداً وقالت
"يا ريت يا حبيبتي.. هبعتلك العنوان حالا في رسالة".
_____
كاريلا فورا قامت و قلعت لبس "الهوانم" بتاع القصر، ولبست هدومها البسيطة اللي بتحس فيها إنها لسه كاريلا بتاعة زمان؛ بنطلون جينز مريح وبلوزة وردية من اللي كانت جايباهم معاها في شنطتها. أخدت موبايلها وحقيبتها وخرجت من القصر من غير ما تلفت النظر، وركبت أول تاكسي قابلها وادته العنوان اللي حياة بعتتهولها.
في الناحية تانية... عند الشقة القديمة
حياة كانت لسه قافلة مع كاريلا والفرحة مش سيعاها، قررت تنزل بسرعة تشتري شوية طلبات ومستلزمات من السوبر ماركت القريب. كانت بتفكر تعمل لكاريلا الأكلة اللي بتحبها، عشان تعوضها عن أيام البعد وتنسيها ولو لساعة واحدة إنهم في "جنيف" وفي وسط كابوس الغريري.
أول ما حياة قفلت باب الشقة ونزلت السلم، كان فيه عين "صقر" مراقباها من بعيد. ديمتري كان واقف في ركن ضلمة، لابس كاب ومداري ملامحه، ومستني اللحظة اللي "الممرضة" دي (زي ما هو فاكرها) تخرج فيها. ديمتري لغاية اللحظة دي ميعرفش إن الست دي هي "حياة" أم كاريلا، كل اللي يعرفه من ماركوس إن دي ممرضة تبعهم ومأجرين لها الشقة دي لسبب يخص الشغل.
بمجرد ما اتأكد إن حياة بعدت عن البيت، بدأ يتحرك "بتسلل" مرعب. خطواته كانت خفيفة جداً لدرجة إنها مابتعملش صوت على السلم الخشب القديم اللي بيزيق.
كان بيتحرك بحذر احترافي، عين بتبص على مدخل البيت وعين بتبص على الشقق اللي حواليه عشان يتأكد إن مفيش حد غريب لمحه.
وصل قدام باب شقة حياة، طلع "عدة احترافية" من جيبه، وفي ثواني كان فاتح الكالون من غير ما يكسره ولا يسيب أثر. دخل الشقة وقفل الباب وراه براحة جداً، وبدأ يمسح المكان بعينيه الخبيرة.
الشقة كانت عبارة عن "كراتين" وصناديق في كل حتة، وريحة حياة الهادية كانت لسه في الجو. ديمتري بدأ يوزع نفسه في المكان؛ شيك على الزوايا، دخل المطبخ، وبعدين الصالة، وبدأ يجهز "كمينه" لإيميل. سحب كرسي قديم وحطه في ركن ضلمة كاشف الباب، وقعد عليه ببرود وهو بيطلع سلاحه وبيركب فيه "كاتم الصوت".
كان قاعد زي "ملك الموت" اللي مستني ضحيته، ميعرفش إن الباب اللي هو مراقبه ده، مش هيفتحه "إيميل" المجرم.. اللي هتفتحه هي "كاريلا" اللي جاية تقابل مامتها وتساعدها في توضيب الشقة!
_____
كاريلا نزلت من التاكسي وهي بتبص حواليها بحيرة، المنطقة كانت زحمة والمباني شبه بعضها، وقفت في نص الشارع مش عارفة تروح فين ولا تيجي منين.
طلعت موبايلها عشان تطلب حياة، وفي اللحظة دي السما بدأت تنقط مطر خفيف، نقط المطر نزلت على شاشة الموبايل وخلت الرؤية مشوشة.
ولسه هتدوس اتصال، سمعت صوت دافي بينادي عليها من وراها
"كاريلا! "
لفت كاريلا لقت حياة جاية من بعيد، شايلة أكياس السوبر ماركت وفي عينيها فرحة الدنيا كلها. كاريلا مجرد ما شافتها جريت عليها وحضنتها بقوة، وحياة سابت الأكياس من إيدها على الأرض وضمتها لصدرها كأنها بتخبّيها من العالم كله
المطر بدأ يزيد شوية، فحياة ضحكت وقالت
"يلا يا قلبي هنتبل، شدي حيلك معايا في الأكياس دي!"
شالوا الأكياس وجريوا وهما بيضحكوا زي الأطفال تحت المطر، ودخلوا مدخل العمارة. كاريلا كانت بتبص على السلالم المتهالكة والحيطان المقشرة بضيق، المكان كان قديم أوي ومايليقش بمامتها ، بس قررت تسكت وتكتم الكلمة في قلبها عشان ماتكسرش فرحة مامتها باللمة دي.
وصلوا قدام الشقة، حياة طلعت المفتاح وفتحت وهي بتقول بحماس
"أول ما ندخل هعملك أحلى صينية مكرونة بالبشاميل اللي بتحبيها، أنا جبت كل الطلبات..."
كاريلا كانت وراها بتضحك وبترد عليها، وفجأة ضحكتها اتجمدت.. حست ببرودة معدن "سخنة" بتلمس ضهرها من ورا، وصوت أنفاس غريبة وقريبة جداً من ودنها.
مقدرتش حتى تلف وشها، لأن فوهة المسدس كانت مغروسة في ضهرها بقوة. واحد لابس أسود بالكامل، ملامحه حادة وشعره مشعث، كان باين عليه إنه "مجنون" ومستعد يعمل أي حاجة.. ده كان إيميل.
حياة دخلت الشقة ولفت عشان تنادي كاريلا تدخل وراها، بس المنظر اللي شافته شلّ حركتها. شافت بنتها واقفة زي الصنم، ملامحها مرعوبة وشحب لونها، وإيميل واقف وراها ماسك الطبنجة ومصوبها على قلب كاريلا.
إيميل قال بصوت واطي ومبحوح، فيه نبرة غدر وتهديد "ادخلوا جوا من غير ولا نفس.. السلم ده مقطوع والحي ده ميت، لو فكرتوا بس تصرخوا، هفرغ الرصاص ده فيها قبل ما حد يوصلكم.. فاهمين؟"
حياة كانت بتبص لبنتها برعب، الأكياس وقعت من إيدها والطماطم اتنطرت على الأرض وهي مش فاهمة ايه اللي بيحصل .
_____
ماركوس كان بيمشي في ردهات القصر بخطوات موزونة، وعينه على الساعة كل شوية، مستني مكالمة من ديمتري تبلّغه إن "إيميل" بقى في خبر كان. كان راسم كل حاجة بالمللي في دماغه، ومستني اللحظة اللي يخلص فيها من الصداع ده.
وهو معدي من جنب الشرفة الكبيرة، لمح ليون قاعد، حاطط راسه بين إيديه وباين عليه الملل القاتل. ليون ده بالذات، حياته كلها عبارة عن "أدرينالين" ومغامرات، والصمت بالنسبة له زي السجن.
ماركوس وقف وبصله بطرف عينه وسأله
"إيه اللي مقعدك هنا لوحدك يا ليون؟ وإيه الهدوء اللي إنت فيه ده؟"
وبعدين كمل بسخرية مبطنة
"وبعدين فين كاريلا؟ مش المفروض إنكم بقيتوا 'توأم سيامي' ومبتفارقوش بعض مؤخراً؟"
ليون نفخ بضيق ووشه اتقلب بتمثيلية طفولية وقال
"يا ريت يا ماركوس! كاريل النهاردة مشغولة عني تماماً، سابتني وقالت ورايا مشوار مهم."
ماركوس بصله بنص اهتمام
و ليون كمل بعفوية
"قالت إن مامتها استقرت في شقة هنا في جنيف، وإنها رايحة عليها تساعدها في توضيب الحاجات "
الجملة نزلت على ماركوس زي الصاعقة. قلبه قبضه فجأة وحس إن فيه خيط اتقطع في الخطة بتاعته. سأل ليون وصوته بقى حاد لدرجة تخوف
"إنت متأكد من الكلام ده يا ليون؟ متأكد إنها راحت لمامتها في شقتها الجديدة النهاردة؟"
ليون استغرب من رد فعل ماركوس وبص له بدهشة
"أيوة طبعاً متأكد، هي اللي قالتلي بنفسها قبل ماتمشي .. "
وكمل بحسرة
"لو كنت عارف إنه هزهق كده كنت رحت معاها "
ماركوس مسمعش بقية كلام ليون، كان عقله بيعيد حساباته بسرعة البرق. "كاريلا هناك؟ كاريلا في وسط المعمعة مع ديمتري وإيميل؟". ماركوس مكنش عامل حساب إن كاريلا تروح هناك أبداً، هو بعت ديمتري يصفّي إيميل ويخوّف "الممرضة" (حياة)، لكن كاريلا تكون هناك
دي مشكلة ...وابوه لو عرف ...الكارثة تبقى أكبر
_____
حياة كانت بتتحرك لقدام ببطء وهي بتترعش، رجلها خبطت في الصناديق اللي مالية الأرض وكانت هتقع، بس عينيها مكنتش بتفارق بنتها اللي فوهة المسدس لسه لازقة في ضهرها.
إيميل وقف قدامهم في نص الصالة، ملامحه كانت مضطربة وفيها جنون غريب، رفع صباعه على بقه بإشارة "سكوت تام"، وبعدين عمل بإيده حركة "ذبح" على رقبته، رسالة واضحة: "كلمة واحدة وهتتقتلوا".
حياة سحبت كاريلا في حضنها فوراً بوضعية حماية، والاتنين كتموا أنفاسهم وصمتوا تماماً. إيميل بدأ يوزع نظراته في الشقة الضيقة، وعينيه بتدور على صيد معين، وبدأ يتحرك بحذر خطوة ورا التانية وهو لسه مصوب المسدس ناحيتهم وبيرجع لورا كأنه بيتأكد إن مفيش حد هيغدر بيه.
حياة كانت بتفكر
"هو مش عايز يقتلنا؟ طيب بيدور على إيه؟ هل ده حرامي؟ ولا بيتأكد إننا لوحدنا؟". مكنتش تعرف إن إيميل جاي "يصطاد" الغريري اللي فاكره مصاب وجوا.
في الوقت ده... خلف باب أوضة حياة
ديمتري كان واقف زي "شبح الموت"، ساند ضهره على الحيطة جنب الباب، أنفاسه هادية لدرجة مرعبة، صباعه على الزناد وعينيه حادة زي الصقر. ديمتري كان في قمة تركيزه، مستعد للحظة اللي الباب فيها يتفتح عشان ينهي الليلة دي.
صوت خطوات إيميل بدأت تقرب... "تزييق" الخشب تحت رجليه كان بيعلن عن موته. إيميل مد إيده المرتعشة وحطها على مقبض الباب، وفي اللحظة دي حياة همست في ودن كاريلا بصوت يادوب مسموع
"راقبيه يا كاريلا.. وأنا هحاول أطلب الشرطة من جيبي".
كاريلا هزت راسها برعب وهي حاسة إن قلبها هيوقف.
بس فجأة... الفوضى انفجرت!
"طااااااخ!"
صوت طلقة رصاص هزت أركان الشقة الضيقة. كاريلا صرخت صرخة مكتومة وهي بتنزل للأرض وبتاخد وضعية القرفصاء من الصدمة. إيميل اتنطر لورا وهو بيضرب نار بعشوائية، وديمتري خرج من ورا الباب بحركة سريعة واحترافية، تفادى الطلقة وطلع يواجهه وهو رافع مسدسه بمنتهى الثبات.
و حياة سحبت كاريلا بقوة لورا وهي بتحاول تخبيها ورا ضهرها .
ديمتري وهو بيتحرك ناحية إيميل، عينه وقعت "بالصدفة" عليها . في اللحظة دي، ملامحه الصخرية اتهزت؛ عقد حاجبه بعدم فهم ودهشة، وكأنه بيسأل نفسه
"إيه اللي جاب دي هنا؟ وايه علاقتها بالممرضة؟".
كاريلا كمان بصت له بصدمة، مكنتش متخيلة إن "ديمتري" الشخص اللي بدأت تثق فيه، موجود هنا وفي وسط ساحة حرب!
بس اللحظة دي مكملتش، لأنه إيميل وهو بيتراجع، لمح حياة قريبة منه، وبحركة يائسة سحبها من دراعها وخلاها "درع بشري" ليه، وحط المسدس في دماغها وهو بيصرخ في ديمتري
"نزل سلاحك يا ديمتري! نزل السلاح وإلا هفرغ الدماغ دي قدامك!"
ديمتري وقف مكانه، عينيه كانت بتطلع شرار، والوضع بقى "حبس أنفاس"؛ كاريلا بتصرخ بهستيريا: "ماماااااا!"، وإيميل بيضغط على دماغ حياة
الأسئلة بدأت تنهش في دماغه وتلخبط كل حساباته:
"إيه اللي بيحصل هنا؟ الست دي.. الممرضة اللي ماركوس قالي عليها، هي نفسها أم كاريلا؟ إزاي؟ وليه ماركوس خبا عني معلومة زي دي؟"
"هل ماركوس كان عارف الحقيقة وبعتني هنا 'طعم' وأنا مش داري إن دي أمها؟ هل كان قاصد يدخلها في القصة ؟
وكاريلا كمان ؟