سِيادَة الظِل: حكاية الرداء الابيض - همسات فوق رمال مبللة - بقلم أحمد سعيد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: سِيادَة الظِل: حكاية الرداء الابيض
المؤلف / الكاتب: أحمد سعيد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: همسات فوق رمال مبللة

همسات فوق رمال مبللة

استأذن زيد من الحاج محمود ليخرج إلى حديقة المنزل الواسعة، مدعياً رغبته في تفقد محيط البيت وتأمين الحراسة مع عمر. كانت رائحة الأرض المبللة بعد المطر تختلط برائحة أزهار الليمون، والهدوء الذي ساد المكان كان هدوءاً هشاً، يقطعه فقط أنين بعيد لرجال العصابة الذين كان عمر يقتادهم إلى سياراتهم بعيداً عن أعين أهل البيت. لحقت به ليلى، مشت بخطى وئيدة خلفه حتى وقف بجانب شجرة ياسمين قديمة. كان زيد قد نزع قناع القوة مؤقتاً، وسند ظهره إلى جذع الشجرة، ونظر إلى السماء التي بدأت تصفو وتكشف عن نجوم شاحبة. ليلى (بصوت يرتجف رقة): "هل ستظل دائماً هكذا يا زيد؟ تظهر كالإعصار لتنقذنا، ثم تختفي كأنك لم تكن؟" التفت إليها زيد، وأزاح خصلات شعره الناعم عن جبينه المبتل بالعرق والدم. نظراته الملونة كانت في تلك اللحظة تعكس حزناً دفيناً لم يره أحد من قبل. زيد: "تمنيتُ لو كان لقاؤنا في ظروفٍ أجمل يا ليلى.. تمنيتُ لو كنتُ مجرد (زيد الطالب) الذي يحمل لكِ الكتب، لا (زيد) الذي يحمل في يديه أرواح الناس." ليلى (اقتربت منه خطوة): "أبي وأمي يريان فيك بطلاً، وأنا أرى فيك الشخص الذي حلمتُ به دائماً.. لكنني خائفة. الخوف الذي رأيته في عيون هؤلاء الرجال وهم ينظرون إليك، جعلني أدرك أنك تسير في طريق لا عودة منه." قبض زيد بيده على غصن قريب، واشتدت عضلات ساعده. زيد: "عندما كنتُ أعمل في المعمار، كنتُ أرى البيوت تُبنى حجرًا فوق حجر، لكنني تعلمتُ أيضاً أن القواعد الضعيفة تنهار عند أول زلزال. مجتمعنا ينهار يا ليلى، والفساد نخر في العظام. إذا لم أكن أنا ذلك (الوحش) الذي يخيف الذئاب، فمن سيحمي رقتكِ؟ ومن سيحمي شيب والدكِ؟" ليلى: "ولكن كليتك؟ دراستك؟ أنت متفوق، وبالطوك الأبيض هو حلم عائلتك." ابتسم زيد مرارة: "بالطوي الأبيض هو قناعي الأجمل. في المحافظة، أرتديه لأتعلم كيف أنقذ الحياة، وفي الليل أخلعه لأحمي تلك الحياة. أتعرفين يا ليلى؟ الطب والقتال وجهان لعملة واحدة.. كلاهما يحتاج لمشرط بتر الأجزاء التالفة." لحظة المكاشفة صمتت ليلى لبرهة، ثم مدت يدها ببطء شديد، ولمست الخدش الصغير على وجنته. لم يتراجع زيد، بل استسلم لمستها الرقيقة التي كانت تذكره بإنسانيته التي كاد ينساها. ليلى: "سارة.. تلك الفتاة التي أرسلت لك الرسالة.. هل هي قريبة منك؟" شعر زيد بغيرة ليلى المستترة خلف سؤالها، فابتسم لأول مرة بصدق: "سارة هي ابنة مدير الأمن، وزميلة دراسة لا أكثر. هي ذكية جداً، وقد بدأت تشك في أمري. رسالتها ليست حباً يا ليلى، بل هي إنذار بأن الحبل بدأ يضيق حول عنقي." ليلى (بلهفة): "إذن ارحل الآن! لا تدعهم يجدونك هنا. أبي سيتدبر الأمر مع الشرطة، سيقول إن اللصوص هربوا." زيد (وهو يمسك يدها برفق): "سأرحل.. لكن قبل أن أمضي، أريدكِ أن تعرفي شيئاً واحداً. كل ما فعلته، وكل ما سأفعله، كان لأجلكِ ولأجل أن أكون جديراً بالوقوف أمام بيتكِ يوماً ما، دون أن يجرؤ أحد على كسر عيننا بالفقر أو الحاجة." انحنى وقبّل جبينها قبلة سريعة، كأنها ختم على عهد سري بينهما. وفجأة، سمع صوت محركات سيارات الشرطة تقترب من بعيد، وأضواء "الفلاشات" الزرقاء والحمراء بدأت تنعكس على جدران البيوت البعيدة. زيد (بتحول مفاجئ للجدية): "عمر ينتظرني عند السور الخلفي. ليلى، لا تذكري اسمي أمام الشرطة مهما حدث. قولي إن شخصاً ملثماً أنقذكم. سارة ستكون هناك، وسوف تراقب كل كلمة تخرج منكِ." اختفى زيد في ظلام الحديقة كأنه لم يكن موجوداً، تاركاً ليلى تقف وسط عبق الياسمين، بقلبٍ يملؤه الحب والرعب، ومعطفٍ لا يزال يحمل دفء جسد الرجل الذي اختار أن يكون شيطاناً ليحمي الملاك.