عيون سارة.. والحصار الناعم
في أروقة كلية التمريض بمدينة المحافظة، كان لكل طالب شخصية تميزه، لكن زيد كان يمثل "الفراغ المحير". هدوؤه لم يكن هدوءاً عادياً، بل كان سكوناً يسبق العاصفة. كانت سارة، ابنة مدير أمن المحافظة، تراقبه منذ الفصل الدراسي الأول. سارة لم تكن طالبة عادية؛ فقد ورثت من والدها عقلية التحقيق وفراسة اكتشاف الكذب.
كانت تجلس في المحاضرة، وعيناها مثبتتان على زيد وهو يدون الملاحظات بتركيز. لاحظت أن أصابعه طويلة وقوية، ليست أصابع طالب يكتفي بحمل الأقلام، بل هي أصابع مقاتل يعرف كيف يقبض على السلاح.
بعد انتهاء المحاضرة، اقتربت منه سارة بابتسامة غامضة:
سارة: "زيد.. مذهل كيف تحافظ على تركيزك رغم كل الضجيج الذي يحدث في المحافظة هذه الأيام. هل سمعت عن حادثة المخزن؟"
زيد (دون أن يرفع عينه عن كتابه): "سمعتُ كما سمع الجميع يا سارة. يبدو أن هناك من يصفّي حساباته مع العصابات. نحن طلاب تمريض، عملنا هو المداواة لا متابعة أخبار الشوارع."
سارة (بخبث): "المثير يا زيد، أن تقرير الطب الشرعي الذي رآه والدي يقول إن المهاجمين استخدموا نقاط ضغط تشريحية لشل حركة الحراس.. نقاط لا يعرفها إلا من درس الطب أو التمريض ببراعة. مثلك تماماً."
توقف قلم زيد عن الكتابة لثانية واحدة، وهي ثانية كانت كافية لسارة لتعرف أنها تلمس الحقيقة.
زيد (ببرود): "ربما هو طبيب قرر أن يغير مهنته. اعذريني، لدي نوبة عمل في الصيدلية."
انسحب زيد بهدوء، لكنه شعر لأول مرة أن "البالطو الأبيض" بدأ يشفّ ويظهر ما تحته. سارة أصبحت خطراً حقيقياً، وذكاؤها قد ينسف كل ما بناه.