لقاء خلف ستائر المطر
كانت السماء فوق الطريق الواصل بين مدينة المحافظة والقرية قد تلبدت بغيوم رصاصية ثقيلة، قبل أن تنفجر في مطرٍ غزير غسل غبار الأشجار وحوّل الطريق الترابي إلى مستنقع من الطين. كان زيد يجلس في الحافلة المتهالكة، يراقب حبات المطر وهي تصطدم بالزجاج وتترك خلفها مسارات متعرجة تشبه الندوب التي في روحه.
فجأة، تباطأت سرعة الحافلة حتى توقفت تماماً خلف طابور من السيارات المتعطلة. نظر زيد من النافذة، وفي تلك اللحظة، توقف الزمن.
على جانب الطريق، كانت هناك سيارة بيضاء أنيقة متعطلة، وبجانبها تقف فتاة تحاول يائسة الاحتماء من المطر الغزير بقطعة قماش صغيرة. لم تكن مجرد فتاة؛ كانت ليلى. كانت ملامحها التي حفرها زيد في ذاكرته وفي رسوماته السرية تظهر الآن أمامه حية، نابضة، ولكنها كانت مغطاة بظلال من الخوف والقلق. كانت ترتدي معطفاً خفيفاً لا يقوي على برد الشتاء، وشعرها الذي كان يذكره بعبق الياسمين صار مبتلاً، يلتصق بوجهها الشاحب.
العبور من الظل إلى النور
لم يتردد زيد لثانية واحدة. نهض من مقعده، دفع باب الحافلة وخرج إلى المطر. لم يبالِ بملابسه التي ابتلت في لحظات، ولا بجرحه القديم الذي بدأ يئن تحت وطأة البرد. مشى بخطوات واثقة، وجسده المشدود كوتر القوس يشق الزحام.
كانت ليلى تحاول الاتصال بهاتفها، لكن يبدو أن الشبكة قد انقطعت في هذا المكان المعزول. كانت ترتجف، وتنظر يميناً ويساراً بخوف من الغرباء الذين بدأوا يلقون نظرات مريبة نحوها. وفي اللحظة التي اقترب فيها أحد الرجال ذوي النوايا السيئة ليسألها بوقاحة: "هل تحتاجين مساعدة أيتها الجميلة؟"، ظهر زيد كأنه انشق من غبار المطر.
وقف زيد أمامها مباشرة، حاجباً إياها عن عيون المتطفلين بجسده العريض. أزاح خصلات شعره الناعم والمبتل عن عينيه الملونتين، ونظر إليها. كانت نظرة تجمعت فيها سنوات الصمت، والفقر، والحب المكبوت.
"ليلى؟" نطق اسمها بصوتٍ هادئ ورخيم، كان له مفعول السحر في تهدئة روعها.
رفعت ليلى رأسها، وتلاقت عيناها بعينيه. للحظة، صمت كل شيء حولهما؛ صوت المطر، زعيق الأبواق، وصراخ الناس.
ليلى بنبرة غير مصدقة: "زيد؟.. هل هذا أنت حقاً؟"
كانت تنظر إليه بذهول؛ فزيد الذي تركته في الثانوية كان شاباً "غلبانًا" ومنزوياً، أما الرجل الواقف أمامها الآن فكان يفيض بالقوة والرجولة، عيناه تحملان عمقاً مخيفاً، ووقفته توحي بسيادة لم تألفها فيه.
مشهد الإنقاذ الصامت
زيد: "لا تخافي.. أنا هنا. ما الذي أتى بكِ إلى هذا الطريق في هذا الوقت؟"
ليلى وهي ترتجف: "كنت عائدة من كلية الطب البيطري.. تعطلت السيارة فجأة، ولا يوجد أحد يساعدني."
دون أن ينطق بكلمة أخرى، خلع زيد معطفه الثقيل ووضعه فوق كتفيها. شعرت ليلى بدفء جسده ينتقل إليها، وبرائحة عطره التي كانت مزيجاً غريباً من النظافة ورائحة أدوية الصيدلية. انحنى زيد نحو عجل السيارة، وبدقة "عامل البناء" وخبرة "الميكانيكي" التي اكتسبها قديماً، بدأ في التعامل مع العطل.
كانت يداه تتحركان بسرعة وبراعة، بينما كانت ليلى تراقبه بذهول. رأت عضلات ذراعيه وهي تشتد تحت القميص المبتل، رأت "الندبة" الصغيرة على جبهته التي حاول إخفاءها بشعره، وشعرت أن هذا الرجل يخفي وراءه أسراراً لا تنتهي.
زيد وهو يمسح الشحم عن يده بمنديل ورقي: "لقد أصلحتُ العطل مؤقتاً.. لكن لا يمكنكِ القيادة وحدكِ في هذا الجو. سأقود أنا بكِ حتى نصل إلى مدخل القرية، وسأترك سيارتي هناك."
لم تجادل ليلى؛ كانت تشعر بأمانٍ غريب في حضرته، أمانٍ لم تشعر به منذ سنوات. ركبا السيارة، وكان الصمت بينهما أبلغ من أي كلام. كانت ليلى تسرق النظر إليه وهو يقود؛ كان يمسك المقود بثبات، وعيناه الملونتان ترقبان الطريق بحدة الصقر.
المواجهة العاطفية تحت وطأة المطر
ليلى (بصوت خفيض): "لقد تغيرت كثيراً يا زيد.. لم تعد ذلك الشاب الذي كان يهرب من نظراتي في المدرسة."
زيد (دون أن يلتفت): "الحياة مدرسة قاسية يا ليلى.. تُغير فينا الكثير دون أن نستأذن. المهم أنكِ بخير."
ليلى: "سمعتُ أخباراً في المدينة.. يتحدثون عن (شاب مجهول) يحمي المنطقة، وعن إمبراطورية تُبنى في الخفاء.. هل تعرف شيئاً عن هذا؟"
قبض زيد على المقود بقوة أكبر، لكن ملامحه ظلت باردة كالثلج.
زيد: "الناس يحبون الأساطير يا ليلى.. لا تصدقي كل ما يقال."
وصلت السيارة إلى مشارف القرية. توقف زيد، ونظر إليها نظرة أخيرة قبل أن يهم بالخروج.
زيد: "لقد وصلنا.. ادخلي بيتكِ ولا تخرجي في مثل هذا الجو مجدداً. الدنيا لم تعد آمنة."
ليلى: "زيد.. شكراً لك. هل سأراك ثانية؟"
ابتسم زيد ابتسامة غامضة، أزاح شعره عن عينيه وقال:
"الأقدار التي جمعتنا تحت هذا المطر.. هي التي ستقرر متى نلتقي."
نزل من السيارة، واختفى وسط ضباب الليل والمطر، تاركاً ليلى في حيرة من أمرها، تتساءل: من هو "زيد" الحقيقي؟ هل هو طالب التمريض الغلبان؟ أم هو ذلك "الشبح" الذي ترتعد منه فرائص المجرمين؟