مدرسة الألم والدقة
كان الليل في "الخلاء" موحشاً، لا يكسر صمته سوى نقيق الضفادع البعيدة وحفيف أوراق الذرة. وقف زيد بقميصه الأسود الذي التصق بجسده من أثر الرطوبة، وأمامه وقف عمر وسامر. كان التباين بين الثلاثة غريباً؛ عمر بجسده الضخم الذي يشبه تمثالاً من الطين الأسواني، وسامر بنظاراته الطبية وجسده الناحل، وزيد الذي يتوسطهما بجماله الهادئ الذي يخفي وراءه بركاناً من المعرفة والصلابة.
زيد بصوت خفيض وواثق: "القوة يا عمر ليست في حجم عضلاتك، فالفيل أضخم من الأسد لكنه لا يحكم الغابة. القوة هي أن تعرف أين تضرب، ومتى تضرب، وبأي قدر من العنف."
بدأ زيد يشرح لعمر أساسيات القتال التي استلهمها من دراسته في الكلية. أمسك بذراع عمر وضغط على نقطة محددة تحت المرفق، فصرخ عمر وسقطت يده مشلولة لثوانٍ.
زيد: "هذه تسمى الضفيرة العصبية. ضربة واحدة دقيقة هنا تعادل عشر لكمات عشوائية في الوجه. في كلية التمريض يعلموننا كيف نداوي هذه المناطق، وأنا سأعلمكم كيف تستهدفونها."
طوال ساعات الليل، كان زيد يحول عمر من "مصارع شوارع" إلى "آلة صامتة". علمه كيف يخفي أنفاسه، وكيف يتحرك كالشبح فوق التراب دون أن يصدر صوتاً، مستخدماً خبرته في "الخياطة" ليشرح له أن الجسد البشري له "درزات" وضعيفة يمكن فكها بسهولة إذا عرفت البداية.
عقل الشبكة
التفت زيد إلى سامر، الذي كان يحمل جهاز حاسوب محمولاً قديماً وبقايا أجهزة لاسلكية جمعها من الخردة.
زيد: "سامر، أنت لن تلمس مطواة ولن تطلق رصاصة. أريدك أن تكون (العين الكلية). أريد شبكة تواصل بيننا لا يمكن اختراقها. أريد أن أعرف من يدخل ومن يخرج من المدينة الصغيرة ومن مدينة المحافظة قبل أن يعرفوا هم أنفسهم."
بدأ سامر، مستلجماً بذكائه الفطري، في بناء نظام مراقبة بدائي لكنه فعال، مستخدماً ترددات راديوية مهجورة. كان زيد يراقبه بتقدير؛ فالعلم الذي يدرسه في المحافظة علمه أن الجسد بلا جهاز عصبي هو مجرد جثة، وسامر هو الجهاز العصبي لهذه المنظمة.