الرداء الأبيض والمدينة البعيدة
كانت الحافلة المتهالكة المتجهة من المدينة الصغيرة إلى مدينة المحافظة تهتز بعنف فوق الطريق غير الممهد، ومع كل اهتزازة، كان جرح زيد في جانبه يرسل وخزات حادة تذكر بليلة القتال. جلس زيد بجوار النافذة، يسنِد رأسه على الزجاج البارد، يراقب اختفاء معالم قريته وظهور المساحات الخضراء الشاسعة التي تفصل بين منزله وبين كليته التي تبعد 25 كيلومتراً.
كانت المسافة بالنسبة له ليست مجرد طريق، بل كانت رحلة عبور بين عالمين؛ عالم الفقر والدم الذي تركه خلفه، وعالم العلم والطبقة المتوسطة الذي يحاول جاداً الانتماء إليه نهاراً.
في حرم الجامعة
عندما وصلت الحافلة إلى مدينة المحافظة، بدأت ضوضاء المدينة الكبيرة تخترق هدوءه. سار زيد وسط الحشود حتى وصل إلى بوابة كلية التمريض. دخل إلى غرفة تبديل الملابس، وبحركة روتينية، أخرج من حقيبته "البالطو الأبيض".
بمجرد أن ارتداه، وتأكد أن ياقته تغطي جزءاً من رقبته، وأنه أخفى جروح يديه ببراعة، نظر إلى المرآة. كان الشاب الذي يظهر في الانعكاس هو "زيد المتفوق"، الطالب الهادئ ذو الملامح الوسيمة والشعر الناعم المنسدل الذي يداري خلفه ندبة لا تزال طرية.
مشى في ممرات الكلية، وكان يشعر وكأنه "جاسوس" في أرض غريبة. كان يرى زملائه يضحكون، يتناقشون في تفاصيل المحاضرات، أو يتذمرون من صعوبة المناهج. كان ينظر إليهم بابتسامة باهتة، وفي عقله يدور سؤال واحد: "لو علم هؤلاء أن اليد التي تمسك بالقلم الآن هي ذاتها التي حطمت عظام المجرمين قبل ليالٍ، هل سيظلون يبتسمون؟".
هندسة الصمت
في محاضرة "علم التشريح"، كان زيد يجلس في المقعد الأخير. كان الأستاذ يشرح ببراعة عن الأوردة والشرايين وأماكن الضعف في الهيكل العظمي البشري. وبينما كان الطلاب يدونون ملاحظاتهم لغرض النجاح في الامتحان، كان زيد يدونها لغرض آخر تماماً. كان يحفظ أماكن "الضربات القاتلة" و"نقاط الشلل" بدقة جراحية. بالنسبة له، لم يعد التشريح مجرد مادة دراسية، بل أصبح "كتيب تعليمات" للقوة.
بعد انتهاء المحاضرات، توجه زيد إلى كافيتريا الكلية. جلس وحيداً في ركن بعيد، يتناول شطيرة بسيطة أحضرها من منزله. لفت نظره مجموعة من الطلاب المرفهين، أبناء المسؤولين والتجار الكبار في المحافظة، وهم يتحدثون بصوت عالٍ عن حفلاتهم وسياراتهم.
كان يراقبهم بعينين ملونتين باردتين. لم يشعر بالحقد تجاههم، بل شعر بـ "الفجوة". هؤلاء يحميهم المال واللقب، أما هو.. فليس لديه سوى قبضة يده وذكائه. وفي تلك اللحظة، اتخذ قراره: "سأبني جيشي الخاص.. لن أكون وحيداً في هذه الغابة".
التخطيط لـ "الإخوة الثلاثة"
أخرج زيد مفكرة صغيرة، وبدأ يكتب أسماء؛ لم تكن أسماءً عشوائية، بل كانت أسماء لأشخاص يعرفهم من قريته ومدينته الصغيرة، أشخاص يثق بولائهم ويقدر حاجتهم للقوة.
عمر: الشاب الذي يعمل في البناء، صاحب البنية الجسدية الهائلة والقلب النقي، لكنه يفتقد للذكاء التكتيكي.
سامر: جاره الذي يمتلك موهبة فطرية في التعامل مع الأجهزة الإلكترونية والاتصالات، لكنه يرتجف من مجرد رؤية الدم.
كان زيد يرى في هذا الثلاثي (القوة، العقل التقني، والقيادة التشريحية) نواة لإمبراطورية لا تُقهر.
الفصل الخامس: العودة إلى العمل.. وتجمع الغيوم
مع اقتراب الساعة الرابعة عصراً، خلع زيد الرداء الأبيض، ووضعه في حقيبته بعناية. استقل الحافلة عائداً الـ 25 كيلومتراً نحو مدينته الصغيرة ليبدأ نوبة عمله المسائية في الصيدلية.
عندما دخل الصيدلية، وجد "المعلم جابر" صاحب المكان يتحدث بقلق مع أحد الزبائن.
"هل سمعت؟" قال الزبون وهو يرتجف. "عصابة الغراب أقسمت أن تحرق نصف المدينة إذا لم يجدوا ذلك الشاب الذي قتل رجالهم. يقولون إنه شيطان يسكن في جسد ملاك."
تظاهر زيد بالانشغال بترتيب الرفوف، لكنه كان يستمع لكل كلمة. نبضات قلبه كانت هادئة بشكل غريب. لم يشعر بالخوف، بل شعر بالاستعداد.
في تلك الليلة، وبعد أن أغلق الصيدلية، لم يتوجه إلى منزله مباشرة. بل ذهب إلى منطقة "الخلاء"، تلك المساحة المهجورة التي تفصل القرية عن الحقول، حيث كان قد طلب من عمر وسامر مقابلته.
هناك، تحت ضوء قمر شاحب، وقف زيد أمام صديقيه. كان يرتدي قميصه الأسود، وشعره يطير مع نسمات الليل الباردة، وعيناه تلمعان ببريق لم يروه فيه من قبل.
زيد (بصوت حازم وهادئ): "لقد انتهى وقت السكوت يا رفاق. العالم يتغير، وإذا لم نتحرك الآن، فسندفن أحياء تحت أقدام هؤلاء الأوغاد. أنا لا أطلب منكم أن تصبحوا مجرمين.. أنا أطلب منكم أن تكونوا (إخوة) نحمي أنفسنا ونبني مملكتنا الخاصة."
تبادل عمر وسامر النظرات بذهول. كانا يعرفان "زيد الغلبان"، لكن الرجل الواقف أمامهما الآن كان "ملكاً في الظل".
عمر: "أنا معك يا زيد.. حتى لو كان الثمن حياتي. لقد سئمت العيش كالحشرة."
سامر (بصوت مرتعش لكنه واثق): "وأنا سأكون عينيك التي ترى كل شيء.. فقط أخبرني ماذا أفعل."
ابتسم زيد ابتسامة غامضة، ومد يده ليضعها على أكتافهما:
"من الليلة.. نحن لا نملك أسماءً. نحن (إمبراطورية الظل). وسأعلمكم كل ما تعلمته من الشقاء.. ومن الرداء الأبيض."