سِيادَة الظِل: حكاية الرداء الابيض - في حضرة الموت.. والبعث الجديد - بقلم أحمد سعيد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: سِيادَة الظِل: حكاية الرداء الابيض
المؤلف / الكاتب: أحمد سعيد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: في حضرة الموت.. والبعث الجديد

في حضرة الموت.. والبعث الجديد

كان الوعي يعود إليه كقطراتٍ من الزيت الثقيل تسقط في إناءٍ فارغ. أول ما استشعره زيد لم يكن الألم، بل كان شعوراً ببرودةٍ معدنية تحت ظهره، ورائحة نفّاذة لخليط من الكحول واليود والأعشاب البرية. حاول أن يفتح جفنيه، لكنهما كانا يزنان أطناناً. عندما نجح أخيراً في مواربة عينيه الملونتين، استقبله ضوء خافت ينبعث من مصباح كيروسين قديم يتدلى من سقف خشبي منخفض. كانت الغرفة ضيقة، جدرانها من الحجر الجيري العاري، ممتلئة بأرفف خشبية تكدست عليها زجاجات ملونة وكتب قديمة تآكلت أطرافها. أراد زيد أن يتحرك، فاندلعت صرخة مكتومة في عروقه. شعر بلسعاتٍ حادة في كتفه وجانبه، وكأن جسده يُخاط بأسلاك من نار. "لا تحاول.. لقد أعدتُ رصف عظامك وجروحك كما يُرصف الطريق الوعر، وأي حركة الآن قد تعيدنا لنقطة الصفر." جاء الصوت من زاوية مظلمة، قبل أن يقترب صاحبه. كان رجلاً تجاوز الستين، بظهرٍ منححنٍ قليلاً، يرتدي مئزراً طبياً قديماً فوق ملابس ريفية بسيطة. كانت عيناه خلف النظارات السميكة تلمعان بذكاء حاد وفضول مرعب. هذا هو الدكتور "منصور"، الرجل الذي كان يوماً جراحاً مرموقاً قبل أن تقذفه رياح الظلم والفساد إلى أطراف هذه المدينة المنسية ليعالج الجروح التي لا تجرؤ المستشفيات على لمسها. المواجهة الأولى مع الذات زيد بصوت مبحوح كأنه يخرج من بئر: "أين أنا؟" الدكتور منصور (وهو يغير ضمادة على ذراع زيد): "أنت في (الملاذ).. المكان الذي لا يسأل فيه أحد عن اسمك، بل عن عدد الرصاصات أو الطعنات التي في جسدك. لكن في حالتك، لم تكن أنت الضحية تماماً.. أليس كذلك؟" صمت زيد، وتذكر. تذكر قبضة يده وهي تحطم العظام، تذكر نظرة الرعب في عيون الرجال الذين كانوا منذ دقائق يظنون أنفسهم أسياد الطريق. شعر بغثيان مفاجئ، ليس خوفاً، بل صدمة من القوة التي اكتشفها في نفسه. الدكتور منصور: "الطفل الذي أنقذته.. هو من أرشد رجالي إليك. كان يبكي ويقول إن (ملاكاً أبيض) نزل من السماء ليحطم الشياطين. لقد قتلت اثنين منهم يا بني، والثالث سيقضي بقية حياته يحلم بلقائك في كوابيسه." أغمض زيد عينيه بقوة، وشعر بخصلات شعره الناعم تلتصق بجبهته المبللة بالعرق البارد. زيد: "لم أكن أريد قتل أحد.. هم من دفعوني." الدكتور منصور بلهجة فلسفية: "العالم لا يسأل عن نواياك يا زيد، بل عن النتائج. والنتيجة الآن أن (عصابة الغراب) فقدت ثلاثة من أشرس رجالها، وهم الآن يقلبون المدينة بحثاً عن هذا الملاك المجهول." العودة خلف القناع مرت ثلاثة أيام وزيد حبيس ذلك القبو. كان الدكتور منصور يراقبه بذهول؛ فسرعة تعافي جسد زيد لم تكن طبيعية. كانت عضلاته القوية، التي بناها في مواقع البناء والحقول، تعمل كآلة جبارة لإصلاح الأنسجة الممزقة. في اليوم الرابع، وقف زيد أمام مرآة مشروخة في زاوية الغرفة. كان وجهه شاحباً، لكن عينيه الملونتين كانتا تزدادان بريقاً وعمقاً. غطى الجرح الذي في جبهته بخصلات شعره الطويلة، وارتدى قميصه الذي رتّقه الدكتور منصور ببراعة "خياط" قديم. زيد: "يجب أن أعود.. غيابي سيثير الشكوك." الدكتور منصور: "ستعود للحياة كأن شيئاً لم يكن؟ ستذهب للكلية في مدينة المحافظة وتقف بين الطلاب بالبالطو الأبيض وكأن يديك لم تتلطخا بالدماء؟" زيد (ببرود لم يعهده في نفسه): "هذا هو القناع الوحيد الذي أملكه الآن يا دكتور. إذا انكسر.. سأُسحق أنا وعائلتي." أعطاه الدكتور منصور حقيبة صغيرة فيها بعض المسكنات والمطهرات. الدكتور: "خذ هذه.. واستخدم علمك الذي تدرسه في التمريض لتعالج نفسك في الخفاء. ولا تنسَ.. المدينة الآن تتحدث عن (الشيطان الأبيض). كن حذراً، فالشهرة هي أسرع طريق للمقصلة." السير نحو المجهول خرج زيد من قبو الدكتور منصور مع بزوغ الفجر. كانت المدينة الصغيرة لا تزال نائمة تحت عباءة الضباب. مشى بخطوات ثابتة رغم الألم الذي ينهش جانبه. وصل إلى بيته، تسلل لغرفته، وارتمى على سريره لدقائق قبل أن تنادي عليه والدته. "زيد.. استيقظ يا ولدي، ستتأخر على حافلة المحافظة.. كليتك تنتظرك." قام زيد، غسل وجهه بالماء البارد، نظر للمرآة وأزاح شعره ليتأكد أن الجرح مختفٍ. ارتدى ثيابه المهندمة، وحمل حقيبته. اليوم هو يوم جديد في السنة الثانية بكلية التمريض. اليوم سيمشي مسافة الـ 25 كيلومتراً نحو المحافظة، ليرتدي "البالطو الأبيض" ويجلس في المحاضرات، بينما عقله يخطط لشيء أكبر بكثير من مجرد حقنة أو ضمادة. لقد قرر زيد أن يبني "حصنه" الخاص. لن يكون فريسة بعد اليوم.