سِيادَة الظِل: حكاية الرداء الابيض - غبار الصيدلية وجراح الماضي - بقلم أحمد سعيد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: سِيادَة الظِل: حكاية الرداء الابيض
المؤلف / الكاتب: أحمد سعيد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: غبار الصيدلية وجراح الماضي

غبار الصيدلية وجراح الماضي

كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، والهدوء في هذه المدينة الصغيرة لا يعني الأمان، بل يعني أن الوحوش قد بدأت تخرج من جحورها. داخل تلك الصيدلية القديمة، كان زيد يقف خلف المنضدة الزجاجية، يمسح حوافها بقطعة قماش بيضاء بآلية مفرطة. كان الضوء الخافت المنبعث من المصباح الفلوري يترنح فوق رأسه، ليرسم ظلالاً حادة على وجهه الأبيض الصافي. نظر زيد إلى انعكاس صورته في مرآة خلفية؛ شعره الأسود الناعم كان ينسدل على جبينه، وعيناه الملونتان، اللتان كانتا تبدوان في هذا الضوء كغابة غامضة، تحملان نظرة انكسار حاول جاهداً إخفاءها لسنوات. "هل سأظل هكذا دائماً؟" سأل نفسه بصوت لم يتجاوز صدى عقله. أخرج من جيبه بضعة جنيهات، هي كل ما تبقى من أجره الأسبوعي بعدما اشترى دواءً لوالدته وبعض الاحتياجات لشقيقاته الثلاث. كان زيد يعيش في دوامة لا تنتهي؛ يدرس التمريض في مدينة المحافظة البعيدة صباحاً، ويعمل هنا مساءً، وما يجنيه يتبخر قبل أن تلمسه يداه. ذكريات تحت الجلد مرر زيد يده فوق كفه، وشعر بخشونة بسيطة لا تزال تقاوم النعومة التي يحاول الحفاظ عليها. تلك الخشونة كانت "أوسمة" من معارك سابقة مع الحياة. تذكر حين كان في الثانية عشرة، يجلس في ركن ضيق بمحل "الخياطة". كان "المعلم حسن" يصرخ فيه ليدقق في مسار الإبرة. هناك تعلم أن الخطأ بمقدار مليمتر واحد قد يفسد الثوب بأكمله، فتعلم الصبر والدقة. وتذكر أيام الصيف التي قضاها في "الفلاحة"، حيث كانت الأرض قاسية، لكن عضلاته كانت تزداد صلابة مع كل ضربة فأس. تذكر أيضاً مواقع البناء، ورائحة الإسمنت، وكيف كان يرفع الأثقال التي جعلت جسده الآن، تحت هذا القميص النظيف، كتلة من الفولاذ المتأهب. لقد كان زيد "خديعة بصريّة"؛ وجه وسيم كأنه لفنان أو طالب مرفه، لكنه يخفي تحت جلده قوة فلاح، ودقة خياط، وصبابة عامل بناء. عودة إلى المنزل أغلق زيد أبواب الصيدلية الحديدية، وسحب القفل بقوة. استنشق هواء الليل البارد، وبدأ يسير في الطريق المؤدي إلى قريته التي تبعد كيلومترين. كان الطريق ترابياً، محاطاً بأشجار الجميز العالية التي كانت تبدو في الظلام كأشباح عملاقة. كان زيد يحرص على أن يمشي بظهور مستقيم، رغم التعب. كان يرتدي قميصاً أبيض وسروالاً غامقاً، محافظاً على صورته كشاب "نظيف" ومحترم. لم يكن يحب أن يظهر بمظهر البؤس؛ فالبؤس في نظره ضعف، وهو لم يعد يحتمل الضعف. فجأة، توقف زيد. تناهى إلى مسامعه صوت ضحكات خشنة وصرير معدن يحتك ببعضه. كان يعلم هذا الصوت جيداً؛ إنه صوت "المطاوي" التي يفتحها أفراد العصابات ليختبروا حدتها. قلبه لم يخفق خوفاً، بل انقبض غضباً. كان يرى من بعيد ثلاثة ظلال تقف في منتصف الطريق، يقطعون عليه ممره الوحيد للبيت. تلمس زيد جيبه؛ لم يكن معه سوى هاتفه القديم وساعته التي ورثها عن والده، وبضعة قروش لا تسمن ولا تغني من جوع. "يا رب.. لا تجعلني أفقد أعصابي اليوم،" تمتم زيد وهو يواصل السير نحوهم بخطوات هادئة، محاولاً تقمص دور الشاب "الغلبان" الذي لا يريد سوى العودة لأهله بسلام.