الفصل العاشر
"قلق في قاعة العرش"
كانت قاعة العرش هذه الليلة مختلفة.
المشاعل على الجدران تشتعل كما العادة، لكن لهبها كان مضطربًا، يتراقص بعصبية كأن النيران نفسها تشعر بثقل ما يجري. سقف القاعة العالي يعكس صدى خطوات أي شخص يدخل، فيجعلها أطول وأكثر رهبة.
الملك فهد كان يجلس على عرشه الذهبي المرصع بالأحجار الكريمة، لكنه لم يكن مستريحًا.
كتفاه منحنيتان قليلًا، وكفه اليسرى يستند إلى مسند العرش، بينما أصابع يده اليمنى تطرق عليه بإيقاع غير منتظم… ثلاث طرقات متباعدة، ثم وقفة طويلة، ثم طرقتان سريعتان.
هذه العادة يعرفها كل من خدمه: إذا بدأ الملك يطرق هكذا، فهذا يعني أن فكره يركض في دوائر مغلقة، وأن هناك ما يشغل قلبه أكثر من عقله.
على جانبي القاعة، وقف صفان من الحراس بمدى رمح متساوية بينهم، وجوههم جامدة، لكن العيون كانت تتحرك في حذر، تتبادل نظرات خفية كأنها تسأل: ما الذي يزعجه هذه المرة؟
فجأة…
انفتح الباب الضخم عند مدخل القاعة. صوت مفصلات الحديد على الخشب كان حادًا، وكأن الباب لم يُفتح منذ زمن طويل.
دخل أحد الجنود بخطوات مسرعة، لم يخف أنه كان يركض قبل لحظات. درعه النحاسي كان يصدر صوت احتكاك مع كل حركة، ونَفَسه متقطع، وعيناه متسعتان وكأنهما تحملان ما لا يقال بسهولة.
توقف الجندي على مسافة عدة أمتار من العرش، ثم انحنى بانحناءة رسمية، واضعًا يده على صدره، وقال بصوت به رجفة بسيطة:
– مولاي… لقد أتيت بخبر عاجل.
رفع الملك فهد رأسه ببطء، وعيناه تركزان عليه كما يركز الصقر على فريسته قبل الانقضاض. لم يقل شيئًا لثوانٍ، وكأنه يختبر مدى شجاعة الجندي على الكلام تحت هذا الصمت الثقيل. ثم قال بصوت منخفض، لكنه حاد كالسيف:
– قل، ولا تكثر المقدمات.
بلع الجندي ريقه، ونظر للحظة إلى الأرض قبل أن يرفع عينيه:
– الجندي نصر الدين… تعرّض لمحاولة اغتيال هذا الصباح، في أحد الحقول
سقطت الجملة في القاعة كما تسقط الحجارة في بئر عميق. لم يتحرك الملك فورًا، بل ظل يحدق في الجندي، حتى ظن الأخير أنه ارتكب خطأ ما.
ثم، ببطء، اعتدل الملك في جلسته، وارتسمت على وجهه ملامح الصرامة:
– أهو بخير؟
أجاب الجندي بسرعة، كأن حياته تعتمد على هذه الإجابة:
– بخير يا مولاي… بفضل فتاة من العامة كانت برفقته، تمكنت من قتل المهاجم قبل أن يصل إليه.
ارتفع حاجبا الملك قليلًا، وهو يكرر الكلمة وكأنها غريبة على مسامعه:
– فتاة… من العامة؟
– نعم يا مولاي، تدعى غفران.
تغيرت نظرات الملك، وانسحب بصره بعيدًا عن الجندي، وكأنه يسترجع شيئًا في ذاكرته. عضّ على شفته السفلية لحظة، ثم قال ببطء شديد:
– غفران… وهل تعرفون عنها شيئًا؟
– القليل فقط، يا مولاي… تعمل في الحقول القريبة من الطريق الشرقي، لا سجل لها في ملفات الحراس أو الجنود، لكن… هناك من قال إنها ماهرة في استخدام الخنجر.
ارتفع رأس الملك فجأة، وكأنه أمسك بخيط مهم:
– ماهرة؟! فتاة من العامة ماهرة في القتل؟ هذا ليس أمرًا عابرًا.
تقدم الملك قليلًا في جلسته، واستند بمرفقيه على مسندي العرش، وحدق في الجندي:
– كيف مات المهاجم؟
– ضربة واحدة في الصدر، يا مولاي… نظيفة، سريعة، وكأنها من يد قاتل محترف.
ظل الملك صامتًا بضع ثوانٍ، ثم رفع يده للحارس الأقرب وقال:
– أرسل لي نزار فورًا… وأحضروا نصر الدين إلى الجناح الجنوبي من القصر. أريده أن يروي لي كل ما حدث… كل كلمة، وكل حركة.
انحنى الجندي ثانية، وتراجع للخلف بخطوات سريعة، حتى خرج من القاعة وأغلق الباب خلفه.
بقي الملك وحيدًا مع الحراس، لكنه لم ينظر إلى أحد. كان يحدق في الأرض أمام قدميه، وكأن الصورة التي تخيلها للتو أثقل من أن تُحمل.
ثم همس لنفسه بصوت لا يكاد يسمع:
– الأمور تتعقد… وهناك من يلعب بالنار… داخل مملكتي.من اجرء على قتل رجل من رجالي
وبقيت المشاعل تترنح، وكأنها تومئ بالموافقة على كلامه.
"الأجتماع الثلاثي"
كانت الغرفة التي اختارها الملك فهد للاجتماع من أكثر أماكن القصر عزلة، جدرانها السميكة لا تسمح للصوت بالتسرب، ونوافذها الضيقة مغطاة بستائر ثقيلة بلون قرمزي، تُخفي الداخل عن أي عيون فضولية.
طاولة دائرية كبيرة تتوسط الغرفة، وفوقها خريطة قديمة للمملكة ومناطقها الحدودية، تتناثر على أطرافها قطع من الحجارة الصغيرة التي يستخدمها الملك أحيانًا لتحديد مواقع الجيوش.
وقف الملك فهد عند طرف الطاولة، ظهره للباب، ويداه خلف ظهره متشابكتان بإحكام، كأنه يمنع نفسه من التصرف باندفاع.
كانت خطواته بطيئة، لكنه يتحرك بلا توقف، يلف حول الطاولة وكأن عقله يسير على نفس المسار الدائري.
فُتح الباب بهدوء، ودخل نزار، مستشار الملك المقرّب، رجل في منتصف الأربعينات، طويل القامة، وجهه نحيل، عيناه حادتان كما لو كانتا تكشفان ما يدور في أعماق أي شخص يقف أمامه. كان يحمل في يده لفافة ورقية صغيرة، ويمشي بخطوات محسوبة، كما يفعل دائمًا حين يعرف أن كل كلمة منه قد تغيّر مسار الأمور.
بعده بلحظات، دخل سليمان – أو نصر الدين كما يعرفه الجميع الآن – مرتديًا درعه الجلدي المعتاد، لكنه بدا مختلفًا هذه المرة. وجهه شاحب قليلًا، وعيناه تحملان بقايا صدمة لم تزل من محاولة الأغتيال. وقف عند الباب لحظة، وكأنه يستجمع نفسه قبل أن يخطو إلى الداخل.
رفع الملك رأسه فور دخولهما، وأشار بيده إشارة قصيرة:
– اقتربا.
جلس نزار على الكرسي المخصص له، بينما ظل سليمان واقفًا للحظة، ينظر إلى الخريطة على الطاولة، قبل أن يجلس ببطء، متجنبًا النظر مباشرة في عيني الملك.
أخذ الملك نفسًا عميقًا، ثم قال بصوت متزن، لكن اسفله طبقة من الغضب المكبوت:
– وصلني خبر محاولة اغتيالك هذا الصباح… أريد أن أسمع منك، كلمة بكلمة، ماذا حدث ذلك
تبادل سليمان ونزار نظرة قصيرة، قبل أن يرد سليمان:
– كنت أتفقد الحقول الشرقية… الجو كان هادئًا، والناس يعملون في صمت. غفران – الفتاة التي تعرفها من حديث الجنود – كانت تسير إلى جواري، نتحدث… وفجأة لاحظت حركة بين الأشجار.
قاطعه نزار برفع حاجبه:
– أي نوع من الحركة؟
– ثقيلة… ليست خطوات حيوان أو طفل. أدركت أنها لشخص، لكن غفران أدركت أكثر… لم تنتظر أن أعرف، بل تحركت فورًا.
أمال الملك رأسه قليلًا للأمام، عينيه مثبتتين على سليمان:
– وماذا فعلت؟
– أخرجت خنجرها، وبسرعة لم أر مثلها… أصابت المهاجم مباشرة في صدره. لم يتح لي الوقت حتى لأسحب سيفي.
ظل الملك صامتًا لبرهة، ثم قال:
– هل تعرف من كان؟
هز سليمان رأسه:
– لم أره من قبل… ملابسه لم تكن لجنودنا، ولا لقطاع الطرق المعتادين. بدا… وكأنه مدرّب.
أطرق نزار رأسه قليلًا، ومرر أصابعه على حافة الطاولة، قبل أن يقول:
– هذا يعني أن الأمر ليس عشوائيًا… شخص ما أرسله تحديدًا لقتلك.
التفت الملك إلى نزار:
– هذا ما أخشاه… لكن السؤال الأهم: من؟
رفع سليمان نظره فجأة، وقال بنبرة حازمة، رغم أن قلبه كان يخفق بشدة:
– مولاي، أظن أن بقائي في القصر قد يجذب الخطر أكثر… إذا كان هناك من يعرف أنني هنا، فلن تكون هذه المحاولة الأخيرة. اعتقد انه احدي جواسيس بلال
ابتسم نزار ابتسامة باهتة:
– أحيانًا، يا مولاي...صمت لثوان قبل ان يتابع قائلا حديثه إلي الملك فهد وهو ينحني بأحترام...معذره جلالتك ولكن تسمح لي بأطراق هذا اللقب الآن إلي الملك سليمان في حضورك؟
اومئ الملك فهد ببتسامه قصيرة
ليكمل نزار حديثه إلي الملك سليمان قائلا:
احيانا يا مولاي.. من الأفضل أن تترك الطُعم في مكانه… لتعرف من يحاول صيده.
ضاقت عينا الملك، وكأنه يفكر بجدية في كلام نزار. ثم التفت إلى سليمان، وقال ببطء:
– لن تترك القصر… لكننا سنغيّر بعض القواعد. ستتحرك في مجموعات، ولن تذهب وحدك إلى أي مكان بعد الآن، حتى الحقول. وسأضع عيني الخاصة لمراقبة كل خطوة.
تردد سليمان، ثم اندفع وقال:
– "وماذا عن غفران؟"
تبادل سليمان ونزار نظرة سريعة، قبل أن يرد الملك:
– دَعها وشأنها… في الوقت الحالي. لكنها تحت أعيننا، حتى لو لم تعلم وهذا لحمايتها ومصلحتها إيضا.
شعر سليمان بانقباض في صدره، ولم يعرف سببه تمامًا… هل هو القلق على غفران؟ أم إحساسه بأن الأحداث بدأت تتشابك بطريقة لم يعد يملك السيطرة عليها؟ او من انه سيحرم من رؤيتها بأمر صديقه.
أنهى الملك الاجتماع بعبارة قصيرة، صوته فيها لا يحتمل النقاش:
– عودوا لأعمالكم… وكونوا يقظين. هذه لم تكن سوى البداية لم تقلق يا سليمان
خرج سليمان من الغرفة، لكن خطواته كانت أبطأ مما دخل، وكأن وزنه أصبح أثقل، وعقله يغلي بأسئلة بلا إجابات.
"مابعد اللقاء"
كانت الممرات الطويلة للقصر تعكس صدى خطواتهما وهما يخرجان من قاعة العرش.
لم يكن أي منهما يتحدث في البداية؛ الصمت كان أثقل من أن يُكسر بسهولة، وكأن كل كلمة قالها الملك قبل لحظات ما زالت معلّقة بينهما.
نزار، الذي كان يسير بخطوات سريعة وكتفيه مشدودين، هو أول من نطق:
– ما رأيك في قراراته؟
أجاب سليمان وهو يثبت نظره أمامه:
– الملك فهد حازم… وهذا ما تحتاجه المملكة. مضاعفة الحراسة قرار صحيح، لكنه لن يمنع من يحاول قتلي إذا كان مصممًا.
توقف نزار فجأة، فأجبر سليمان على التوقف أيضًا.
– أتعني أنك ستخرج إلى الحقول ثانيا؟
ابتسم سليمان ابتسامة جانبية خفيفة، لكنها كانت تحمل شيئًا من العناد:
– ولمَ لا؟ أنا لستُ أسيرًا هنا. إذا توقفت عن الظهور بين الناس بسبب الخوف، فسأكون قد خسرت أكثر من حياتي لقد اخسر كرامتي .
اقترب نزار خطوة، وخفض صوته حتى لا يسمعه المارّون:
– لكننا لا نعرف من وراء هذا الهجوم. لازم تكون حذرا اكثر من ذلك في الايام القادمه
أجابه سليمان بلهجة هادئة لكنها حادة:
– لهذا السبب يجب أن أتحرك بحرية… حتى أرى وأسمع وأعرف بنفسي مع انني متأكد تمام التأكد بانه هو راجح لم يجرء احدا على فعل هذا او لم يكن لأحدا مصلحة غيره لفعل ذلك اعقلها يا نزار من بعد قرار الملك فهد بأن اتولي منصب قائد الجنود حدث كل ذلك.
تنهد نزار، واضعًا يده على خاصرته:
– "أنت رجل عنيد أكثر مما توقعت... الملك أوكل إليك مهام تدريب بعض الجنود، أليس هذا كافيًا لتكون مشغولًا عن التسكع في الحقول؟
– ليس الأمر تسكعًا يا نزار. الحقول والطرقات والأسواق… هذه أماكن يعرف فيها الناس الحقيقة، لا الحراس.
تحرك الاثنان مجددًا، وهذه المرة كانت خطوات نزار أبطأ قليلًا، وكأنه يزن كلماته القادمة:
– سمعت إيضا الملك فهد يوصيك بأمر سري… ألا تخبر أحدًا عن نفسك. هل تنوي فعلًا أن تبقى هويتك مجهولة إلى هذا الحد؟
توقف سليمان للحظة، ونظر إليه نظرة عميقة:
– كلما عرف عدد أقل من الناس… كان ذلك أفضل. هذه الحادثة اليوم أثبتت لي أن الأعداء أقرب مما نتصور.
ابتسم نزار ابتسامة باهتة وهو يحاول تخفيف الجو:
– إذن سأكتفي بأن أكون صديقًا لجندي غامض… حتى يحين وقت كشف السر. هيا يا نصر الدين
لم يبتسم سليمان هذه المرة، بل أكمل طريقه بخطوات ثابتة، وعيناه تحملان بريقًا غامضًا… مزيج من الحذر والتحدي، وكأن ما ينتظره في الأيام القادمة سيكون أكبر من مجرد محاولة اغتيال.
" بين ظلال الزيتون"
كانت الشمس تميل نحو الغروب، وأشعتها الدافئة تتسلل بين أغصان الزيتون العتيقة، فتلون الأرض بلون ذهبي متوهج.على الطرف البعيد من الحقول، حيث الطريق الترابي يضيق ويختفي بين الشجيرات، كان سليمان يخطو بحذر، وقد غطى رأسه بغطاء خشن، وارتدى عباءة بسيطة تلطخت أطرافها بالتراب، حتى يذوب بين الفلاحين المارين.
كان قلبه يخفق ليس خوفًا من أن يراه أحد، بل من شوق لم يستطع إنكاره منذ تركها آخر مرة.
كل خطوة كان يراجع فيها قراره: هل من الحكمة أن ألقاها الآن؟ الملك أمر بمراقبتي… والعيون في كل مكان…
لكنه، رغم ذلك، تابع السير. عند شجرة زيتون ضخمة، كانت غفران واقفة، تحمل سلة صغيرة بداخلها بعض أوراق النعناع الطازجة، تتأمل الأفق وكأنها كانت تعرف أنه سيأتي. حين اقترب منها، رفعت عينيها، وعبرت نظرة سريعة بينهما، نظرة حملت دهشة خافتة، وشيئًا من العتاب.
قالت بصوت منخفض، كمن لا يريد أن يسمعه أحد:
– ظننت أنك لن تعود.
اقترب أكثر، حتى صار على بعد خطوات منها:
– ولم أستطع الابتعاد… كنت أحتاج أن أراكِ.
نظرت إليه بعينين ثابتتين:
– أتعلم أنك تخاطر الآن؟ إذا عرف الملك أو أحد جنوده، لن يكون الأمر بسيطًا.
ابتسم ابتسامة هادئة، لكنها تخفي إصرارًا:
– أعرف. لكنني لم أعد أحتمل فكرة أن يكون آخر ما بيننا هي تلك اللحظة التي تركتك فيها في الحقول."
أشاحت بوجهها قليلًا، وبدأت ترتب أوراق النعناع في السلة:
– تظن أنني بحاجة لأن يحميني أحد… لكنني أستطيع أن أعتني بنفسي.
– أنا لا أشك في قوتك يا غفران… لكن ما رأيته ذلك اليوم جعلني أدرك أن هناك من سيحاول إيذاء من حولي… لأصل أنا.
توقفت عن ترتيب النعناع، وحدقت فيه طويلًا:
– إذن أنت تعلم أنهم سيحاولون مرة أخرى.
– أجل… وربما هذه المرة لن أكون مستعدًا كما كنت حين كنتِ أنتِ هناك.
تقدمت خطوة نحوه، وصوتها ينخفض أكثر:
– ولماذا تخبرني بهذا؟
أجاب وهو يثبت نظره في عينيها:
– لأنني أثق بك… أكثر مما أثق بأي أحد آخر هنا.
ارتجف شيء في نظرتها للحظة، لكنها سرعان ما أخفت ذلك بابتسامة ساخرة:
– الثقة كلمة ثقيلة يا نصر الدين… أحيانًا لا يحتملها حتى الأقوياء.
– وأحيانًا… تكون الشيء الوحيد الذي يبقينا واقفين.
ساد الصمت بينهما لبرهة، لم يقطعه إلا صوت الريح وهي تحرك أغصان الزيتون.
أخيرًا قالت ببتسامه مريحه:
– لن أطلب منك أن تأتي… لكن إذا قررت ذلك، فاعلم أنني أنتظر دائمًا في المكان نفسه.
أومأ برأسه، ثم ابتعد ببطء، وعيناه ظلت عالقة بها حتى ابتلعته ظلال الطريق البعيد، وهو يشعر أن قلبه صار أثقل… وأقوى في الوقت ذاته.
"العودة إلي القصر"
كانت أضواء القصر تلمع من بعيد مع حلول الليل، وكأنها منارة تحرس المدينة من أعالي التل.
خطوات سليمان على الطريق الحجري كانت ثابتة في الظاهر، لكنها في داخله تحمل اضطرابًا صامتًا.
كلما اقترب من البوابة الضخمة ذات الأبواب المصفحة بالحديد، كان يراجع في ذهنه تفاصيل لقائه قبل قليل مع غفران، يخشى أن يظهر شيء على وجهه أو نبرته يكشف سره.
عند البوابة، كان الحارسان المناوبان ينظران نحوه باحترام، لكن أحدهما، وكان شابًا طويل القامة بعينين لامعتين، بادر بالسؤال:
– لقد تأخرت ايها القائد… كنا نظن أنك ستعود قبل الغروب. ولكن لماذا انت متخفيا؟
ابتسم سليمان ابتسامة خفيفة:
– كنت أتفقد الحقول والطرقات… أردت التأكد من أن كل شيء آمن.
تدخل الحارس الآخر، وهو أكبر سنًا، صوته يحمل فضولًا غير معلن:
– الملك أمر بألا تبتعد كثيرًا عن الحراسة الموكلة إليك… يبدو أنك تحب السير وحدك.
رفع سليمان حاجبيه قليلًا، وصوته صار أكثر جديّة:
– أنا أؤدي واجبي كما ينبغي… والأمان أحيانًا يحتاج أن نراه بأعيننا لا من خلف الجدران.
لم يجرؤ أحد منهما على التعليق بعد ذلك، فاكتفيا بفتح البوابة له.
داخل القصر، كان الممر الرئيسي مضاءً بالمشاعل على جانبيه، والرخام الأبيض يعكس الظلال المتراقصة.
مر سليمان أمام مجموعة من الجنود، فحيّوه بانضباط، لكنه لاحظ أن بعضهم يتبادل نظرات سريعة وكأنهم يتساءلون عن مكانه.
عند المنعطف المؤدي إلى جناحه الخاص، ظهر نزار فجأة، متكئًا على الحائط، وابتسامة مرحة ترتسم على وجهه:
– أخيرًا عدت! بدأت أعتقد أنك ضعت في البساتين أو أنك وجدت ما هو أمتع من القصر.
توقف سليمان أمامه، يخفي ابتسامة حاولت أن تتسرب:
– كنت أبحث عن شيء لا يوجد في القصر.
ضحك نزار بخفة:
– وهل وجدته؟
تجنّب سليمان الإجابة المباشرة، وواصل السير وهو يقول:
– ربما… وربما لا.
لكن نزار، الذي كان يعرفه أكثر من غيره، لمح في عينيه بريقًا مختلفًا عن المعتاد، فقال بنبرة جادّة هذه المرة:
– أحذر يا نصر الدين… أي شيء خارج ما يريده الملك، سيجلب لك العيون والهمس.
توقف سليمان للحظة، نظر إليه بثبات، ثم قال بهدوء:
– ليست كل الأشياء التي نخفيها… خطأ.بعضها ممتع
ثم تابع طريقه نحو جناحه ببتسامه، تاركًا نزار يتأمل كلماته، بينما في داخله كان يشعر أن قلبه لم يهدأ منذ أن غادر تلك الحقول.
"بين الجدران الصامتة"
دخل سليمان جناحه الخاص وأغلق الباب خلفه ببطء، حتى أن صوت المزلاج بدا له أعلى من المعتاد.
كانت الغرفة هادئة، تتخللها أنفاس الليل من النافذة المفتوحة على الشرفة، حيث كان القمر يلقي خيطًا من الضوء الفضي على أرضية الرخام.
جلس على الكرسي الخشبي العريض قرب الطاولة الصغيرة، وخلع قفازيه بعناية، كأنه يحاول إبطاء الزمن، أو ربما يهرب من مواجهة أفكاره.
مد يده إلى إبريق الماء، صب لنفسه كأسًا، لكنه لم يشربه فورًا… اكتفى بمراقبة ارتجاف سطح الماء، وكأنه مرآة تعكس اضطرابه الداخلي.
تحدث إلى نفسه بصوت خافت:
– لماذا…؟ لماذا كلما قابلتها أشعر أنني أتنفس هواءً مختلفًا؟
أغمض عينيه للحظة، وعاد بذاكرته إلى لحظة وقوفها أمامه في الحقول، إلى تلك النظرة الواثقة في عينيها، والطريقة التي أمسكت فيها بالخنجر وكأنها تحمي حياته وكأنها تعرفه منذ زمن.
ابتسم ابتسامة باهتة، ثم همس:
– شجاعة… وصدق… أشياء لم أعد أراها كثيرًا في قصور الملوك.
نهض من مكانه، وسار بخطوات هادئة نحو الشرفة، وأخذ يطل على ساحة القصر، حيث الجنود يتبادلون النوبات الليلية.
لاحظ في الظلال البعيدة حركات سريعة، رجال يمرون على البوابات وعيونهم تبحث… لم يكن هذا مجرد حراسة، بل كان بحثًا متعمدًا.
عقد حاجبيه، وهمس لنفسه:
– فهد… لم يكتفِ بعيون النهار، بل جعل الليل كله يراقبني.
عاد إلى الداخل، وأغلق ستائر النافذة، وكأن إخفاء القمر سيخفيه عن العيون المتلصصة.
جلس على طرف السرير، يميل إلى الأمام، كفاه متشابكتان.
في داخله، كان صراع غريب يشتعل… بين رجل يعرف أن أي علاقة بغفران قد تفتح أبواب الخطر، وبين إنسان وجد فيها صدقًا ودفئًا افتقدهما منذ زمن طويل.
قال بصوت مسموع هذه المرة، كأنه يقر باعتراف:
– إنها ليست مجرد فتاة من الحقول… إنها لغز، وأنا أريد أن أحلّه.
ظل جالسًا هناك، حتى خفتت أصوات الحراس في الخارج، وبقي هو وحده مع قلبه الذي بدا وكأنه بدأ يخون يقين عقله.
"اوامر ملك الانقلاب"
كانت قاعة العرش في قصر اليمامة فسيحة، أعمدتها الشاهقة مكسوّة بأقمشة قرمزية تتدلى حتى الأرض، والمشاعل على الجدران تضيء المكان بضوء أصفر دافئ ينعكس على الذهب المحفور في العرش.
جلس الملك بلال على عرشه، عريض الكتفين، عابس الملامح، يرتدي درعًا خفيفًا فوق عباءته الداكنة وكأنه مستعد لأي طارئ، ويداه القويتان تمسكان بمسندي العرش بثبات.
أمامه وقف قائد الحرس العام، ورجلان من رجاله المخلصين: ساهر، النحيل الماهر في التسلل، وخالد، المقاتل القوي الذي يعتمد عليه في المهمات الصعبة.
تأملهم بلال قليلًا قبل أن يتحدث بصوت منخفض لكنه يحمل قوة الملك:
– لقد طال غياب نزار، … و سليمان. ولا اشك مطلقا انهما سويا الآن
تحركت ملامح خالد بدهشة:
– مولاي… أهو حقًا الملك سليمان هو ما رأيته؟
ابتسم بلال نصف ابتسامة، لكنها كانت بلا دفء:
– لم أُعلن ذلك علنًا، ولم أؤكد الخبر… لكن عيوني في الممالك المجاورة لا تخطئ. هو سليمان، جاء متخفيًا، وربما يظن أنني لا أعلم من المؤكد بأنه جاء ليقتلني.
قال ساهر بخطوة للأمام:
– أوامرك، مولاي؟ هل تريد القبض عليه فورًا؟
لوّح بلال بيده نافيًا:
– لا… لن نخطو هذه الخطوة بتهور. لن أسمح له أن يشعر بالخطر الآن… أريدكما أن تجدا مكانه هو ونزار، وأن تتبعا خطواتهما أينما ذهبا.
انحنى قائد الحرس قليلًا:
– سنجدهما يا مولاي، لكن… ماذا إن كان معهما رجال أو حراس؟
ابتسم بلال، وهذه المرة كان في صوته نبرة تهديد واضحة:
– إن حاول أحد اعتراضكما… أخبراه أنكما تنفذان أمر ملك اليمامة نفسه. ومن يرفض أمر الملك… مصيره معروف.
رفع خالد رأسه بثبات:
– وماذا نفعل بهما حين نجد مكانهما؟
اقترب بلال قليلًا للأمام، وعيناه تلمعان تحت ضوء المشاعل:
– راقباهما، وتأكدوا أنكما تعرفان كل من يلتقيانه، وكل كلمة يتفوهان بها. إذا اقتربا من أي سر أو حاول أحدهما التحريض ضد عرشي… عندها لن يعودا سالمين.
ساد الصمت لحظات، ثم أضاف بلال بصوت بطيء لكنه حاد كالخنجر:
– اذهبوا… وأحضروا لي أخبارهم قبل أن تغرب شمس الغد.
انحنى الرجال الثلاثة وغادروا القاعة بخطوات ثقيلة، بينما ظل بلال جالسًا على عرشه يراقب باب القاعة المغلق، وكأنه يرى من خلاله بداية لعبة خطيرة لم تنتهِ بعد.