الفصل التسعون
" the writer Aridj "
.
.
.
بعد عودتهم إلى السعودية منذ أسبوع، لم يفارق آرون ابن جاسر _طلال _، فحالاته النفسية المتقلبة أثرت على صحته، ولا عجب في ذلك؛ فقد شهد وفاة والده أمام عينيه. وما أصعب فقدان الأب، مهما كانت علاقته معك معقدة أو صعبة ومھما كان سيء.
وقف آرون مع سلطان خارج غرفة طلال في المستشفى، يسترقان أنفاسهما بين حيرة وقلق، وبدأ آرون يتحدث بالإنجليزية المتقطعة بالهمس/
Sultan… I don’t know how I’m going to tell Abd el rahman about this.
الترجمة الى العربية/يا سلطان… لا أدري كيف سأخبر عبد الرحمن بذلك.
رد سلطان بتردد، وكأن الكلمات تتلعثم بين شفتيه
Me neither… no matter what… she’s still his daughter, and I won’t force him to do anything.
الترجمة الى العربية/وأنا أيضاً… مهما كان… تبقى ابنته، ولن أجبره على فعل شيء.
هز آرون رأسه بقلق، صوته يحمل ثقل الحزن/
No matter what… she’s still his wife… and maybe he needs to see her, to understand him and get better. He’s been like this for a month, and if it continues, he’ll destroy himself.
الترجمة الى العربية/مهما كان… تبقى زوجته… وربما يحتاج لرؤيتها، لتفهمه ويتحسن حاله. هو على هذا الحال منذ شهر، وإذا استمر هكذا، سيهلك نفسه."
تنهد سلطان، محاولاً أن يجد بعض الراحة في الصمت
I’ll tell him… and God willing, it will be for the best.
الترجمة الى العربية/سأخبره… وإن شاء الله يحدث خير.
أجاب آرون بغمام الأمل، وهو يحاول أن يثقل قلبه بالقوة/God willing
الترجمة الى العربية/ إن شاء الله.
:
:
داخل الغرفة، كان طلال مستلقياً على فراشه الأبيض، غارقاً في أفكاره، حزيناً على فقدان والده، وحزيناً على تلك الصغيرة التي كانت صورتها لا تفارق ذاكرته، وعد التي لطالما أثارت قلبه شھرا كاملا ، كأنها زهرة برية نبتت بين صخور الأيام، شعرها البني الطويل يتلألأ كخيوط الشمس الذهبية حين تلامسها أشعة الصباح، وعيناها اللوزيتان كمرآتين صافيتين لا يخفي فيهما سرّ الدموع، تلتمعان كما النجوم حين تبكي السماء على حبٍ فُقد.
بشرتها البيضاء، كأنها عاكس للفضة النقية، تتورد بالحمرة حين يكتسح الحزن عينيها، فتشبه شفق الصبح حين يلامس وجه الأرض. قامتها القصيرة، وإن بدت هينة للوهلة الأولى، إلا أنها تحوي في ثناياها روحاً لا تذبل، وعزمًا لا يلين.
ابتسم لها في قلبه، وذاكرته تتخيل كل حركة من حركاتها، كل خفقة من خفقات قلبها، وكان يشعر أن روحها، رغم صغرها الظاهر، تحمل بحرًا من المشاعر يفيض بلا حدود. كل لحظة يراها فيها، كانت كأنما أضاءت في قلبه واحة من الأمل، حتى وإن أطفأتها ذكريات الألم.
كانت وكأنها وردة نبتت في صحرائھ القاحلة، أنبتت الجمال وسط الرماد، فأحب أن ينحني لقطفها، لكنه رأى الغياب والفقدان يذبلانها بين يديه، فلا سبيل لسعادة تامة، إلا أن يحتفظ بها في ذاكرته، عطرها، ضحكتها، حزنها، كل شيء فيها
ابتسم في نفسه، وكم كان قلبه يهمس /شكلُك عشقان يا طلال…
لكن سرعان ما تلاشت سعادته، فربما تنتظره ورقة الطلاق، بالتأكيد لن يسمح لا والدها ولا شقيقها بهذا الزواج، وربما هي نفسها لا تريده.......
:
:
في مكان آخر، صعد رعد إلى غرفة شقيقته. طرق الباب، فلم ترد، فقرر الدخول بهدوء. وجدها جالسة على الأرض، ترتدي فستانها البرقاندي الذي أضفى عليها جمالاً ساحراً، لكن غيمة الحزن السوداء لم تفارقھا . كانت تسند ظهرها إلى الجدار، تضم ركبتيها إلى صدرها، وتدس وجهها بين ذراعيها، جسدھا يرتجف ، و شھقاتھا المحبوسة تخنقھا .
اقترب منها، جلس على ركبتيه، ورفع رأسها برفق، ليجد وجهها محمرّاً، وشفتيها داميتين لاشك انھا كانت تعض عليھم لتمنع خروج أنينھا . أخرج منديلاً من جيبه، ومسح الدم عن شفتيها، ثم قرب يديه من وجهها وقال وهو يمسح دموعها برفق /وش فيك يالغالية… أنا رعد، رفيقك وأخوك… ما أقدر أشوفك هيك وأنا عاجز.
اجهشت بالبكاء مرة أخرى، فقربها إلى صدره، وترك لها المجال لتفرغ كل ما في صدرها. بكت بلا توقف، تمسك بقميصه وتضمّه إلى جسدها الصغير.
رفع رأسها، وعيونها تبرقان، فقال لها /يا أخوك، لا تبكين و توجعين قلبي فيك.
هزّت رأسها بحزن وقلة حيلة /أنا ضعيفة يا رعد… ما أقدر أقرر أي شيء.
خاف رعد أن يكون أصابها شيء، فوضعها أمامه، ومسح دموعها قائلاً بحزم وحب/
يا أخوك أنتِ بخير، ما آذاك أحد… لا تخافي… احكيلي وأنا أحرقهم كلهم… ما انتي لي من دون سند … أنا هنا ولي يضرك يضرني و أكثر، يا حبيبة رعد.
فهمت قصدَه، فحركت رأسها نفياً، ووضعت كفها على يده الموضوعة على خدها /لا… ما صار عليّ شيء… أنا بخير… طلال ما خلّى أي أحد يأذيني.
ابتسم رعد لذكر اسم طلال أمامه، بينما استغربت هي ابتسامة أخيها، فتأكدت من كلامها، وماھي الى ثواني حتى احمرّت خجلاً.
قالت محاولة تفسير ما حدث /رعد… لا تفهمني غلط… أنا ما…
قاطَعها رعد وهو يضمها إليه /من متى أفهمك غلط؟ أفهمك يا أخوك وما راح أضغط عليك بشي… المهم إنك بخير وأنا معك… وأي قرار تقررينه راح أكون أول الداعمين ،بس أتمنى تقررين زين وما تتسرعين… هذا بيتك وأنا أخوك.
رفعت رأسها إليه، وقال /أنا آسف يا وعد، لأني ما قدرت أوصل وأنقذك بدري.
قاطَعته وهي تبتسم بارتياح/لا تعتذر يا بعد روحي… قتلك أنا بخير وماني حزينة وأنت بجنبي.
ابتسم رعد وقال /انتِ تبين طلاق لو لا؟
خفضت وعد رأسها، محتارة كيف تجيب.
ليرفعھ رعد مرة اخرى ويقول /اخوك معاك وراسك ما ينزل للأرض ،أنا أثق فيك يا لغالية وأنا معك سواء طلبتي الطلاق أو لا . كوني صريحة معي مثل ما عهدتك وخبريني إذا تبينه أو لا وراح اعطيك مهلة تفكير.
وطبع قبلتھ على خدها، ونهض ليخرج، ولكن قبل أن يبتعد قالت وعد بصوت منخفض /ما أبي أطلق.
استدار رعد إليها مبتسماً /مسكتك لحين ههه… أتمنى تكوني متأكدة من قرارك ومثل ما حكيت، أنا معك وراح تنزفين من بيت أبوك معززة مكرمة.
عاد اليھا و حملها فرحاً، لا يصدق أن هذه الصغيرة ستتزوج، ومن كان يُعرف عنها أنها حبيبة رعد ستصبح حبيبة شخص آخر، لكنه متأكد من طلال، وأنه لن يبخل عليها بأي شيء.
أنزلها على الأرض، ورأى ترددها قليلاً، فقد أرادت أن تسأل عن طلال.
قال لها محباً ومازحاً/وش فيك أسألي… وش تبين يا روح رعد؟
ارتبكت قليلاً وقالت /هو… بخير؟؟
ضحك رعد ممازحا /أفا… من لحين لساتني واقف هنا يا أنسة وعد!
احمرت وجنتاها، ودمع خفيف لمع في عينيها، استدارت وأعطته ظهرها.
ضحك رعد، وأدارها نحوه قائلاً /ما انتي قليلة يا الوعود ههه… يلا يلا لا تزعلين راح أقولك.
أكمل بنبرة جادة /طلال جا من أسبوع للسعودية بس هو في المستشفى ،حالته النفسية والصحية تدھورت ما تحمل فراق أبوه ؛كان يعيش معه من عمر خمس سنين بعد رحيل امھ .
تغيرت ملامح وعد إلى الحزن، فمسح رعد على شعرها وقرر أن يقول لها /تبين تشوفينه؟
ابتسمت بالهفة /ايوه… تكفى يا رعد.
ضحك رعد للھفتھا الطفولية /لكان… اجهزي وخلينا نروح.
قالت وعد بدهشة /صدق تحكي؟
تظاهر رعد بالغضب /لا تخليني أرجع عن كلامي!
ركضت نحو حقيبتها، ورفعتها، وقالت وهي تركض خلفه /لا لا تتراجع… خلاص صدقتك!
رفعها رعد إلى حضنه مرة أخرى /لا تنسين أنتي حبيبة رعد… يلا خلني اشيل الغالية لين ننزل.
ضحكت وعد، وأسندت رأسها على كتفه، وهي سعيدة بعد كل هذا… كيف لمشاكل أن تجلب فرحاً بهذا الحجم؟ .......سبحان الله.
نزل الدرج وهو يحملها، فنهضت والدتها مفزوعة /بسم الله على فلذة كبدي… وش فيھا؟
ابتسمت وعد، ووالدتها تنهدت بطمأنينة وقالت /خوفتيني… حسبي على بليسك!
ضحك رعد وقال /وش راح أقول يا جنتي لازم تفرحين… بنتك عروس!
استغربت والدتها، فهي تعلم بزواجها، لكنها لم تتوقع أن يستمر بهذا الشكل /عروس؟؟؟
فرح والدها، ونهض ليحتضنها بعد أن أنزلها رعد، وقال لها /يا يبھ آسف إن زعلتك، وإذا ما تبين ھالشي… لا تظغطين على نفسك.
ابتسمت وعد وقالت /لا تعتذر يا يبھ ما سويت شي وأنا فرحانة بقراري وما راح أتراجع.
وارتفعت الى مستوى والدخا لتقبل جبينھا وتطيل في قبلتھا .
ثم التفتت الى والدتھا التي كانت تدمع فرحا فھي لا تصدق ان صغيرتھا كبرت وستزف عروسا .
اقتربت وحضنتھا لتقول /ليھ البكي يايمھ انا بخير
شدت والدتھا على عناقھا ثم وقفت امامھا وأمسكت يديھا بحنان وقالت /ما كنت اتوقع انو راح يجي ليوم لي تطلعين فيھ من البيت .
رفعت يدھا وميخت دمعھا لتلتفت لزوجھا وتقول بأمومة صادقة /شايف ياابو رعد كبرت وعودتي كبرت بنتي .
أومأ والد رعد برأسه و ابتسامة دافئة تعلو وجهه، بينما قال رعد ممازحا /إذا هيك… أنا بعد راح أتزوج!
انفجر الجميع ضاحكين، وأسرعت وعد لتقترب من رعد، تسحب كرسيًا من الطاولة تحت أنظار الجميع، وتصعد إليه بمزاح، تداعب ذقنه وتقول /عروسك عندي ياخي
غمزة لھ ثم أكملت /أعرف قلبك لمين ينبض.
تظاهر رعد بالغضب قائلاً /وعدددد!
ابتسمت وعد وقالت /لا، وعد ولا بطيخ… لا تكذب يا حبيبي.
ضحك رعد، وقال /لو ما تنطمين، ما راح أخذك تشوفين طلال.
عبست عبوسًا طفوليًا، ثم قفزت وهي تختبئ خلف والدها، تقول /إذا ما أخذتني… راح ياخذني أبي!
ركض رعد نحوها، وهو يصرخ مازحاً /لا، ما حزرت!
ضحكاتها تعلو المكان، ممتزجة بفرح الأبوة والأخوة.
البيت امتلأ بالضحكات، الفرح، والمشاعر المختلطة بين الفرح والحنين. وعد شعرت لأول مرة منذ مدة بالطمأنينة، بين أخ يحبها ووالدين يغمرانھ بالحنان، وبيت يملؤه الحب.
رعد حملها مرة أخرى، وابتسم في سرّه وهو يرى السعادة تغمر قلبها، في داخله يقسم أنه لن يسمح لأي أحد أن يؤذيها، وأنه سيكون سندها الحقيقي… في كل لحظة، وفي كل قرار.
وابتسم الجميع، ورائحة الحياة الجديدة تملأ أركان البيت، بعد أيامٍ من الألم والخوف، لتعود السعادة مرة أخرى إلى هذا البيت، لتثبت أن الحب، الأسرة، والدعم الحقيقي، قادرون على شفاء الجراح مهما كانت كبيرة.