الفصل الثامن والثمانون
" the writer Aridj "
.
.
.
حطت الطائرة أخيرًا على أرض السعودية، وكان الهواء يعبق بالترقب والحنين. بدأ الركاب بالنزول ببطء، وكل لحظة تمر كانت كأنها تذكرة إلى الماضي المؤلم الذي طال انتظارهم لإنهائه. نزل رعد ممسكًا بأخته في أحضانه، بينما كان خالد يقف بجانبه لمساعدة أماني من الجهة الأخرى. قبل أن يخطوا خطوة واحدة، لمحوا وجوهًا مألوفة: رسيم، تالين، فهد، وامرأة متلثمة ببرقعها، ربما كانت والدة أماني.
ركضت تالين نحوهم، ولكن التعب والإحساس بالفرحة العارمة شلَّ قواها، فسقطت على ركبتيها وهي تبكي بحرقة. وعد، التي كانت ممسكتا بذراع رعد، اتجهت نحوها بخطوات بطيئة متثاقلة، لكنه بابتسامة تحمل كل التهكم الدافئ الذي يخفف من حدة الألم. جلسا معًا على ركبتيهما، تعانقا بحرقة، وكأن دموعهما هي الطريقة الوحيدة لفض الشجن الذي كتمته قلوبهما طوال هذه الفترة.
أما والدة أماني، فقد شعرت بدوار خفيف، بينما عاد رسيم مسرعًا نحوھا لمساعدتھا بعدما كان في طريقھ الى أماني .
لم تستطع والدتها رؤية ابنتها في تلك اللحظة، فقد كانت مفزوعة، تشعر وكأن قلبها سيقف عن الخفقان. ساعدها رسيم على الاقتراب من أماني، و قبل أن يقتربا أكثر ، قال رعد بحذر /بشويش ياأم رسيم جرحها لسا ما ارتاح.
ابتعد خالد قليلًا ليتسنى لرسيم احتضان أخته. وضع رسيم رأسه على خد أماني وهمس بصوت مفعم بالحنين /وش فيك ياروح أخوك؟ ليش سويتي فنفسك ھيك؟ ليش ما خبرتيني؟
ابتسمت أماني برقة وقالت /الحين أنا بخير يا بعدي، اطمئن.
أما والدتها، فلم تستطع النطق ببنت شفة
اقتربت منها أماني وقالت بنبرة تحمل من الشوق ماتحملھ الجبال من صخور / يمه .....
اقتربت والدتھا وضعت يديها على وجه إبنتھا و كأنها تحاول التأكد من أن كل شيء بخير. قالت أم رسيم والدموع تترقرق تحت النقاب /خفت عليك يا أماني، خفت أفقدك وما عاد ترجعين لحضني. آسفة يا أماني، ضغطت عليك.
أماني بحنان /يمه، لا تعتذرين، خلاص، الحادثة راحت.
ثم ابتسمت محاولة تخفيف الجو، وأردفت /
أفا، انتو مقصرين معي من ساعة وانا واقفة وانتو تتفرجون عليّ. يلا، ودي أرتاح.
التفت رعد إليها بعد أن جلس على الأرض لمواساة وعد وتالين، اللتين لا تريدان التوقف عن البكاء، كل واحدة تعبّر عن شوقها واشتياقها بوحدتها في الدموع. ثم قال رعد بملامح متوجسة مليئة بالقلق على سلامة الجميع محاولا ان يكون حازما لكي لا تعاند أماني وترفض /ماراح تروحين لمحل يا أماني، للمستشفى على طول، وهالمرة ماراح تعاندين، كلنا رايحين لنفس المكان.
ابتسمت أماني وأومأت برأسها، لتتوجه العائلة كلها نحو السيارة، بعضهم ركب في سيارة رسيم، والبعض الآخر عاد في سيارة الأجرة التي طلبها رسيم مسبقًا.
:
:
في لندن
استكمل حديثه مع رفاقه ثم صعد ليبحث عن مكان للجلوس. لفت انتباهه وجود مقعد بجانب فتاتين، إحداهما ترتدي عباءة سوداء وتسد رأسها بين ذراعيها على الطاولة، والأخرى شقراء أجنبية. اقترب منهما وقال بلغة إنجليزية مخاطبًا الشابة التي تخفي وجهها/
Excuse me, could you move a little so I can sit?
الترجمة الى العربية /عذرًا، هل تستطيعين التقدم قليلًا لكي أستطيع الجلوس؟
رفعت شذى رأسها، لم تعرف من المتحدث، وعندما التقت عيونهما، علق الزمن في لحظة صمت. شعرت شذى بخجل يغمر وجهها، وكادت تلعن حظها لولا تذكّرها أن اللعن حرام.
قال الشاب بحدة خفيفة ممزوجة بالدھشة والمزاح وعيناھ لا تخفيان استغرابھ /This is you, the intruder.
الترجمة الى العربية/هذه أنتِ، المتطفلة.
تغيرت ملامح شذى إلى الغضب قليلاً، متسائلة في نفسها لماذا ينعتها بالمتطفلة، لقد كانت مجرد غلطة.
لاحظت إيما صمتها وقررت التدخل، وقالت بلغتها الإسبانية/Disculpa, vamos a
apartarnos,Compañero.
الترجمة الى العربية/عذراً، سنبتعد يارفيق
ثم التفتت إلى شذى وقالت/
Shazi, acércate y haz espacio
الترجمة الى العربية/شذى، اقتربي وافسحي المكان.
رد الشاب عليها مبتسما بنفس لغتها الإسبانية/
Gracias, señorita.
الترجمة الى العربية/شكرًا يا آنسة.
ابتسمت إيما ابتسامة متفهمة، محاولة أن تفهم شيئًا من غضب شذى وخجلها معًا، لكن سبب هذا التناقض بدا غامضًا في تلك اللحظة.